ثقافة وفن

بين البردوني وأبي تمام

طارق يسن الطاهر

حين يجد المتلقي نفسه أمام لغة احتمالية ، قادرة على عكس معانٍ شتى بتقليبها ، عندما يجد نفسه أمام توظيف بارع للمعطيات التراثية والأسطورية والأسماء التاريخية ،عندما يجد نفسه أمام لغة رصينة تؤدي غرضه ، وتتكئ قليلا على مفردات عصرية، حين يجد المتلقي قصيدة تتوافر فيها كل هذه المعطيات ، يحس أنه أمام شاعر فحل ، خبر اللغة وغاص في دروبها، واستوعب في داخله التراث والتاريخ

نحن أمام قصيدة عظيمة لشاعر عظيم، أما القصيدة فهي (أبو تمام وعروبة اليوم) التي كتبت في ديسمبر1971 ، أما الشاعر فهو الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني   

تبدأ القصيدة بامتياح لقصيدة حبيب بن أوس (أبي تمام) في وقعة عمورية والتي مطلعها: الـســيـف أصـدق أنـبـاء مـن الكـتــب فـي حـده الحــد بـيــن الجـد واللــعب

بيض الصفائح لا ســود الصحــائـــف

في متــونهــن جـلاء الشـك والريــب

ويقول البردوني :

ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذب

وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب 

بيض الصـفائـح أهدى حـيـن تحملهـا أيـــــــــــــد

إذا غـلبـت يـعـلـــو بـهـا الـغـــــــــــــــــــــلـب

لا نستطيع القول إن هذه من المعارضات الشعرية التي زخر بها الشعر العربي على يد أحمد شوقي وغيره، ولكن هذا فتح شعري جديد                

السمة الغالية في هذه القصيدة التي تمتد إلى خمسين بيتا هي سمة الرفض ، فتجد الرفض غالبا على كل المعطيات في القصيدة من رفض للنصر الخالي من الفهم الصحيح ،الممتلئ بالفهم التجاري بالبيع والمكسب (كم باعوا وكم كسبوا) من الرفض التام للعلم الذي استغله أهله في الطغيان واغتصاب الحقوق.   

بعد هذه المقدمة يدخل شاعرنا في حوار مع أبي تمام عن حال العرب، ماذا جرى يا أبا تمام تسألني؟ عفوا سأروي ولا تسأل وما السبب؟ يقول شاعرنا نتساءل كيف أن حيفا أو النقب احتفت كل منهما بالأعداء ،حين نتساءل كذلك يدمى ذلك السؤال حياء وخجلا ، فنحن في عصر من الذي يلبي فيه استغاثات المظلومين ونداءات المحرومين ، فقد مضى عصر (المعتصم) ثم يتحدث شاعرُنا  عن (الأفشينَ) وقد كُتب التوفيق لشاعرنا في هذا ، فالأفشين هو القائد الذي خان المعتصم ،فلم يتهاون المعتصم في عقابه ، وكان عقابه الصلب والحرق، ثم يقول شاعرنا إن علوج الروم قد عادت اليوم يا أبا تمام ،والوطن العربي مسلوب ومغتصب ، وبعد كل هذه الانهزامات ماذا فعلنا ؟ لقد غضبنا، ولكن لم نصدق حين صدق التنجيم والكذب إيماء للحقيقة التي أوردها أبو تمام في فتح عمورية .

يتكئ شاعرنا على معطيات حديثه؛ فيذكر أن شهب طائرات الميراج قد أطفأت أنجم العرب وشمسهم ،فماذا فعل العرب إزاء ذلك؟ حاربوا طائرات الميراج بالخطب فقط، نلمح-هنا- عدم تكافؤ السلاح ما بين الميراج والخطب، وعدم الاستعداد ثم حاربت الأبواق والطبول دون الرجال الذين هربوا .

ثم يواصل شاعرنا حواره مع أبي تمام ويسأله ماذا حدث؟ ماذا جرى لنا نحن العرب هل أحسابنا كذبت؟ هل نحن لا ننتسب إلى أولئك النفر القدامى من أمثال المعتصم؟ فإن عروبة اليوم ليست كعروبة الأمس لا لون لها لا اسم لها لا لقب لها ،وفي مقارنة بين عمورية والآن يقول شاعرنا إن تسعين ألفا من الرجال فتحوا عمورية ولم يرضخوا لقول المنجمين بانتظار قطاف الكرم، والآن تسعون مليونا ،ولكنهم كغثاء السيل لم ينضجوا حتى إن الزيتون والعنب قد نضجا كناية عن طول المدة.

ينتقل بنا الشاعر من الهم العام إلى الهم الخاص ، من الهموم العربية إلى الهم اليمني ويناجي أبا تمام باسمه الأصلي تقربا وتلطفا         

“حبيب” وافيت من صنعاء يحملني

نسر وخلف ضلوعي يلهث العرب

مـاذا أحـدث عن صنعاء يا أبتي

مليحـة عـاشـقـاهـا السـل والــجـرب

لقد أتيت من صنعاء وخلفي العرب يلهثون، لكن ماذا أقول عن صنعاء؟! إنها مليحة عاشقاها السل والجرب ، إن صنعاء ماتت بصندوق “وضاح” ذلك الشاب اليمني الوسيم الذي تحكي الرواية أن  زوجة أحد الحكام أعجبت به ، وحملته معه في صندوق إلى بيتها ، ولما علم زوجها أنها تصعد كل مساء لمناجاته ،حمل الصندوق وألقى به في الماء إن صنعاء ماتت داخل الصندوق مع وضاح من غير ثمن ، لكن لم يمت في دواخلها الأمل، فهنا نافذة أمل جديدة يفتحها شاعرنا أمام صنعاء . 

إن صنعاء كانت تراقب موعد انبلاج فجر الانبعاث ، ثم انبعثت لكن في الحلم فقط ولم تنبعث في الحقيقة ، ثم ارتمت ،  لكنها رغم شح الغيث – أي قلة الإمكانات- فإن صنعاء ما تزال حبلى بقحطان وكرب ، كناية عن رصيدها الذاخر من العروبة والأصالة والتاريخ ..

ثم يدير شاعرنا حوارا بينه وبين أبي تمام، حوار بين شاعر وشاعر ،ليس عن حال العرب، كما كان في المقاطع السابقة:

حبيب تسأل عن حالي وكيف أنا ؟ شبّابة في شفاه الريح تنتحب 

كانت بلادك رحلا ظهر ناجية

أما بلادي فلا ظهر ولا غبب 

إن بلادك يا أبا تمام كانت رحلا ، أما بلادي فحتى هذا الظهر لا يتوافر فيها .. وأنك سافرت وارتحلت وأضناك الرحيل ،لأن من التمس الراحة فلابد أن يسلك التعب أولا ، أما أنا فإني راحل لكن ليس كرحيلك ، راحل من غير ما سفر ، إني أقوم برحلة داخلية  :

إذا امتطيت ركابا للنوى فأنا

في داخلي أمتطي ناري وأغترب 

يقول لأبي تمام إذا أنت ارتحلت على ناقة إلى النوى فهذه رحلة خارجية ملموسة فأنا أمتطي ناري في داخلي ،وأغترب في رحلة داخلية ، وهذا البيت من أجمل ما كتب في أدب الاغتراب كما يقول الدكتور الطاهر مكي أستاذ  الأدب في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة.

ثم يتحدث شاعرنا- في مقطع آخر- إلى أبي تمام عن انتقال الشعر من الحياة الأدبية وما جرى للشعر فيقول :

حبيب هذا صداك اليوم أنشده

لكن، لماذا ترى وجهي وتكتئب ؟

يتحدث إليه : إني أقول الشعر الذي أعتبره صدى لشعرك ، ليس غريبا عنك، ولكن أتعجب حينما أراك تكتئب حين ترى وجهي، لماذا ؟! هل تعجب من شيء رغم أن سني صغير ، فإني يا أبا تمام قد ولدت عجوزا ، لماذا تتعجب ؟! كناية عن الهموم والمصائب التي حلت بشاعرنا

وأنت يا أبا تمام قد شِبت قبل بلوغ الأربعين على نار “الحماسة”  -إشارة إلى ديوان الحماسة لأبي تمام -ثم يتعرض شاعرنا إلى أبي تمام بالنقد في كيفية توظيف شعره ، فيقول له إنك كنت تستجدي بشعرك اللصوص والمجرمين المترفين والحكام الظلمة ، تستجدي منهم الهبات والهدايا وتعطيهم شعراً مقابل ذلك فيستنكر شاعرنا هذا البيع الجائر ويقول  له :قد ارتحلت بشعرك شرقا وغربا ، تتجول من والٍ إلى ملك ، دافعُك في ذلك الفقر والحاجة ، يحركك الفقر لا إرادياً ،يقودك الطلب والعوز لا شعورياً.

امتد طوافك حتى الموصل وحينها انطفأت لديك الأماني ،ولم يتحقق مقصودك وهدفك

. لكن حين تنتهي حياة مجيد فذ مثلك ، فإن في ولادة غيره بعث آخر ، فبنهايته يستلم الراية آخرون ، يواصلون ما بدأه في خاتمة القصيدة ،وبعد أن سأل أبو تمام شاعرَنا وبعد أن سأل شاعرُنا أبا تمام يقول البردوني

حبيب ما تزال على عينيك أسئلة

تبدو وتنسى حكاياها فتنتحــــــــــب

ولا تزال بحلقي ألف مبكية

من رهبة البوح تستحيي وتضطــــرب

إني أعلم أن بداخلك أسئلة كثيرة لم تقلها، كما أن  بداخلي عددًا من المبكيات والأحزان تستحيي من الظهور ،وأنا أستحيي من البوح بها

وأقل هذه المبكيات أن أعداءنا أهدروا دمنا ، ونحن نحسو من دمنا هذا الذي أهدره أعداؤنا .. وإن سحائب الغزو تحجب لدينا الرؤية ، ثم يقول إن هذه السحب في يوم ما ستحبل من كثرة تهديداتنا ، والظلم الذي في  دواخلنا .. وتأكيدا لهذا المعنى يختتم قصيدته بشطر من قصيدة أبي تمام “إن السماء ترجى حين تحتجب

صاغ شاعرنا قصيدته على روي قصيدة أبي تمام نفسه “الباء” وعلى البحر نفسه “البسيط” ، هذا قد يُدخلها في باب المعارضات شكلا ، لكن إذا سبرنا أغوار المضمون ، أقام شاعرنا حوارا راقيا بينه وبين أبي تمام ، يسأل هو مرة ، ويسأل أبو تمام مرة أخرى ،وإذا وضعنا العلاقة الكائنة بين قصيدتي (فتح عمورية ) و (أبو تمام وعروبة اليوم )في إطار المعارضات الشعرية فإن في ذلك ظلما كبيرا على شاعرنا وعلى قصيدته 

نلمح في القصيدة بعدا دراميا حواريا جميلاً يقلب شاعرنا أبياته بين قائل ومستمع ، وبين سائل ومجيب ، مما يطرد الملل الذي لا يجد سبيلا للتسرب إلى القارئ من هذه القصيدة    

في القصيدة بُعدان : بُعد سطحي يفهمه القارئ من القراءة الأولى . وبُعد عميق آخر يفهمه القارئ بعد القراءة المتأنية .. فكما ذكرت في مطلع حديثي إن اللغة عند عبد الله البردوني احتمالية ، فكل كلمة تحمل أكثر من معنى ، يمكن حملها على المعنى البسيط ويمكن حملها على المعنى الداخلي ، وهذا ما قصده شاعرنا.

في القصيدة توظيف جيد للتراث والتاريخ والأساطير ؛ مما منح القصيدة القوة والتنويع والجودة ،فقد عاد شاعرنا إلى (المعتصم ) كمثال للقائد الشجاع الذي لبى نداء امرأة انتهكت كرامتها ، وكمثال للإقدام وعدم التراجع ،حينما لم يحفل بتحذير المنجمين ، ثم يذكر (حيدر الأفشين ) ذلك الخائن الذي أسلمه المعتصم قيادة الجيش فخان خليفته ،ثم يذكر (المثنى) و (بابك الخرمي ) .. ثم توظيف الأسطورة في قصة (وضاح) اليمن وهي حقيقة بها جزء من الأسطورة .. ثم قحطان وكرب ؛وتمثيلا للشعر يذكر ديوان الحماسة لأبي تمام .

السمة الغالية في هذه القصيدة هي الرفض والتمرد – كما أسلفنا- على الأوضاع المتردية والهوة السحيقة التي زلت فيها الهمم 

مضت القصيدة بقوة في جميع أبياتها ، دون أن يعتريها الضعف ، في أي جزء من أجزائها ..فكثيرا ما نلاحظ شعراء كبارا يبدؤون قصائدهم بإيقاع قوي ثم تهوي قصائدهم عند منتصفها أو آخرها.

لا يستطيعون الحفاظ على قوة القصيدة   

استطاع البردوني – بقدرته وذكائه وامتياحه من التراث والأسطورة وتوظيفه ذلك من ذخيرته اللغوية الوفيرة وبانتقائه الجيد الموفق لكل كلمة لتؤدي معناها – استطاع أن يحافظ على إيقاع القصيدة والنأي بها عن الضعف والتفاوت

تزخر القصيدة بالصور البلاغية والأسلوبية والشعرية في كل أجزائها مثل (كيف احتفت بالعدى حيفا أو النقب ) (تحدت نارها الخطب ) (العدم المنفوخ) (يفرشون لجيش الغزو أعينهم) .. وغيرها كثير، ثم الصياغة الناجحة للأفعال التي على وزن افتعل وتفتعل  مثل اغتصبوا، تعتجب ، تلتهب … وغيرها

وهناك ما يسمى بالصورة الممتدة التي لا تقنع بأن يستوعبها بيت واحد وإنما تمتد لتشمل أبياتا كثيرة كما ذكر الدكتور : الطاهر أحمد مكي أستاذ الأدب بكلية دار العلوم –جامعة القاهرة- ويمثلها في القصيدة تلك القطعة عن اليمن فقد اشتملت الصور الممتدة على ستة أبيات .

إنها قصيدة عظيمة لشاعر عظيم ، جديرة بأن تكون معلقة العصر الحديث ،تستحق الاحتفاء بها  ؛ لما حوته من جماليات لا تنقضي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق