سياسة

حق تقرير المصير ما بين العاطفة والقانون

لا يحق لجبال النوبة طلب حق تقرير الانفصال (2)

نضال عبد الوهاب

كنا قد كتبنا عن تعريف حق تقرير المصير و معناه وظروف تطبيقه من القانون الدولي والمواثيق الدولية ، وأوضحنا بوضوح أن حالة إقليم جبال النوبة لا تنطبق عليها شروط حق تقرير المصير الإنفصالي ( الخارجي ) ، و لا حتي تنطبق عليها شروط الأقليّات من حيث التجانس الثقافي أو الإثني أو الديني أو اللغوي ، فإقليم جبال النوبة هو إقليم متعدد الإثنيات والقبائل واللغات والثقافات ، وبالتالي هذا ينفي عنه حتي مسألة إستحقاقه لطلب حق المصير ( الداخلي ) أو الحُكم الذاتي علي عكس ما يُروج الكثيرين داخل الحركة الشعبية ( جناح الحلو ) ، بل ويتم الإستناد علي هذا الحق في موقفهم التفاوضي مع السُلطة الإنتقالية الحالية في الدولة السُودانية ما بعد الثورة ..

تناولنا لهذا الأمر في تقديرنا واجب لجهة عدم تغبيّش وتضلِيّل وعيّ جماهير الحركة نفسها و كُل جماهير الشعب السُوداني .. وأرسلنا رسالة واضحة أيضاً للمفاوضين من طرف السُلطة الإنتقالية بالدفاع عن حق الدولة السُودانية في الإحتفاظ بسيادتها الوطنية ، والدفاع عن وحدة حدود السُودان الثابتة في كُل الوثائق الدولية ، و كذلك البنود التي تتحصن بها الدول وأعطاها لها القانون الدولي دون أي لبس أو غموض أو حوجة لتفاسير أو إجتهادات ، و ردّدنا علي الذين يُحاولون تعلية الخطاب الإثني المدعوم بقوة السلاح مُتمثل في الحركة الشعبية جناح الحلو و المعتبرين أن شعب جبال النوبة واقع تحت الإضطهاد والتمييز لذلك من حقه المطالبة بتقرير المصير ، وكتبنا أنه يجب أيضاً ليتم إثبات الإضطهاد والتمييز ضد شعب الاقليم في جبال النوبة لابُدّ من شروط محددة و وواضحة ، وأن مسألة التمييز قد دحضتها الحركة نفسها وقائدها وعدد من عضويتها في المنافسة في الإنتخابات أيام حكم السفاح عمر البشير و مشاركتهم السُلطة كحق من حقوقهم السياسية الذي لم يتم التعدي عليه ، علي الرُغم من أن البشير ونظامه مارس التمييز والإقصاء والتهميش علي معظم الشعب السُوداني وقواه السياسية وخصومه دون إستثناء ، وذلك بإعتراف قائد الحركة الشعبية نفسه الرفيق عبدالعزيز الحلو في كثير من خطاباته وتصريحاته المعلومة والموثقة .. 

وسألنا في خاتمة ما كتبنا في المقال السابق عن هل وبعد قيام الثورة وسقوط البشير ونظامه الذي كانت تُقاتله الحركة الشعبية ، هل لا تزال الحركة الشعبية تعتقد أن السُلطة الإنتقالية الحالية والتي تفاوضها تُمارس عليها وعلي إقليم وشعب جبال النوبة أيضاً الإضطهاد والتمييز ؟؟ .. في تقديرنا أن الحركة الشعبية جناح الحلو تُمارس إستخدام مبدأ حق تقرير المصير و يتم إقحامه في مفاوضات السلام كورقة سياسية وربطه بمسألة القبول بشرط العلمانية ، فمن المعروف أن القائد عبدالعزيز الحلو كان قد إنقسم عن رفقائه الآخرين مالك عقار وياسر عرمان ضمن ذات الحركة في قطاع الشمال ما بعد إنفصال الجنوب في 2017 ، وذهب بجنوده وجيشه للمناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة في جبال النوبة وإقليم جنوب كُردفان ، بينما ذهب مالك بالمنطقتين الإنقسنا والنيل الأزرق ، وقد صرّح القائد مالك عقار بوضوح في إنه ليس مع الإنفصال ومبدأ حق تقرير المصير ، علي عكس القائد عبدالعزيز ومن معه ممن إنقسّموا عن الحركة ، و كذلك أوضح دكتور الواثق كمير عضو الحركة وأحد قادتها من الشمالين ، وكتب في ذات المنحي عندما طالب طرفي الصراع بالوحدة في الحركة الشعبية في عام 2018 لتحقيق مشروع السُودان الجديد القائم علي الوحدة والذي من أجله قد ناضل الرفاق كُل تلك السنوات الطويلة وضحوا ، وأوضح من خلال إفاداته أيضاً أن مجموعة عبدالعزيز الحلو هي مع حق تقرير المصير والإنفصال .. إذاً وبكل وضوح توجه الحركة الشعبية يتجه إلي فرض نموذج الحركة الشعبية الموحدة في مفاوضات نيفاشا والذي أدي لإنفصال الجنوب مُستفيداً من إعطاءهم من ( الكيزان ) حق تقرير المصير الإنفصالي ، ومساهمة إدارة أوباما في ذلك الوقت في تحقيق هذا الأمر وممارسة ضغوط نتجت عنها صفقة مابين نظام البشير و الحركة الشعبية بقيادة سلفاكير بعد مقتل القائد دكتور جون قرنق الغامض والفُجائي ، أدت لتنازل الجنوبين للبشير عن مسألة الشريعة والتي هي في الأساس كانت لعبتهم في البقاء في السُلطة مستخدمين ورقة الدين ، مقابل أن يتنازل البشير والكيزان للجنوبين وسلفاكير بالجنوب وحُكمه ، وكان ضمن الصفقة أيضاً تقديم وعود للبشير بعدم ملاحقته جنائياً في المحكمة الجنائية الدولية ، وتم إنسحاب مُرشح الحركة الشعبية وقتها ياسر عرمان عن إنتخابات الرئياسة ومنافسة البشير والمؤتمر الوطني ، ليُسيطر المؤتمر الوطني والبشير علي السُلطة بعدها تماماً في الشمال وفي الخُرطوم..

كذلك أيضاً دليلنا علي أنها مجرد ورقة سياسية تم التحسب لها ، لجهة أنه من المعلوم أن المبادئ فوق الدستورية لا تُكتب من طرف واحد وهو هنا الحركة الشعبية ، ولا تتم الموافقة عليها وتثبيتها لكامل الدولة من أشخاص محدودين ، لا يمثلون بطبيعة الأمر حتي قواه السياسية سواء المع السُلطة أو بقية القوي التي صنعت الثورة أو القوي الوطنية خارج تحالفات الحكومة ، و ماذا إذا دفعت السُلطة الحالية بالفدرالية و وحدة الدولة كحق ومبدأ فوق دستوري من جانبها في المفاوضات ؟؟ ..

الحقيقة ظل حُلم نيل حق تقرير المصير أُسوة بما تمّ في الجنوب يُسيطر علي عقلية مجموعة القائد الحلو ، والحقيقة كذلك أن الحركة تحاول فرض الأمر الواقع علي الأرض الحالي في سيطرة الحركة علي كاودا وإقامتها نموذج للدولة الخاصة بهم تحت حُكم الحركة والقائد عبدالعزيز الحلو ، و يريدون فقط من خلال المفاوضات الحالية شرعنة هذا الواقع ! ..

لانزال نأمل في أن يتم التعامل مع أزمة إقليم جبال النوبة لجهة أنها جزء من كُل إشكاليات السُودان و الإختلالات في التنمية والمظالم والتهميش والإقصاء والجرائم التي أنتجتها جميع الحكومات السابقة منذ الإستقلال بلا إستثناء خاصة في عهد الكيزان البغيض ، إذ لا يمكن فصل مشاكل إقليم جبال النوبة عن ما عانت منه أجزاء كثيرة أُخري في معظم أرض السُودان وقامت بسببها الحرب ..

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق