سلايدر

“طالبانستان” (2/1)

ضربات القدر وصراع الأفغان مع الزمن

د. محمد بدوي مصطفى

سمفونية صراع الإنسان مع القدر …!

إن الحال الذي يمرّ به هذا البلد الفتي بأهله والأبيّ بتاريخه المديد، عبر قراه ومدنه، ضواحيه وسهوله، والذي لم يخلد خلال العقود الطوال الماضية لأي نفحة من راحة، ولا حتى مسّ من طمأنينة أو هدوء، ذلك رغم تدخل قوى عظمى لحماية البشر وربما لحماية ممتلكاتها أوله وآخره، إذ لا يدع مجالا للشك بعد انسحابها الجبان والمتخبط منه، أن صراع الإنسان فيه مع القدر الذي يَمْثُلُ في ثوب هذه الجحافل الوئيدة، سيستمر دون أدنى شك، بل وسيستعر في كل لمحة ونفس استعارًا جمًا، وسيأتي أو لنقل أنّه أتى سلفًا على الأخضر واليابس في هذا البلد الذي يحلم الناس فيه مذ أن خُلقوا بلقمة الحرية وطعم العيش الكريم. نعم، تعرفون من أعني ها هنا بهؤلاء: إنهم أولئك الذين أطلقوا اللحى وكحلّوا الأعين وتلحّفوا العمائم ولبسوا الجلابيب البيض ويحسبون أنهم صحابة كرام، ملائكة عظام، ورجال الكلم والكلام، ذوو العلم والإلهام، قادة الكون والأعلام، ملائكة الرحمة والأنعام، نعم، إنهم يعتقدون في غرارة أنفسهم أن كل ذلك ما هو إلا، وبكل جسارة، علامة لإيمانهم الجمّ وانصافهم وحميتهم تجاه الدين والإنسان وأنهم ولا أحد غيرهم حماة للدين والدنيا وقد نصبهم الله بفضله وبأمره أمراء على الناس والأنفس، وهم في الحقيقة لا يعرفون أيّة لغة، عدا لغة القتال، ولا يؤمنون بدين أيّ كان، إلا بدين المد والجزر لمحيطات البشاعة والروع الإنساني بكل أشاكله وتجلياته، وذلك يشبه بالنسبة لي، إن أجدنا التصور والتمعن، بعمل موسيقي سيمفوني وملحمة جبّارة، تحكي في سياق ضيّق صراع الإنسان مع القدر. فالسمفونية الخامسة التي هي أشهر معزوفات المايسترو بيتهوفن، أو ربما هي أشهر مقطوعات الموسيقي في تاريخ الكون على الإطلاق، تصور بدقة صراع الإنسان مع الأقدار، كما هي الحال الآن فيمملكة طالبانستان، وتتجلى عظمتها الابداعية في التصوير الموسيقيّ الدقيق عبر صراع نفسيّ حياتيّ مرير وحاد لموسيقار جبّار فقد حاسة سمعه رويدًا رويدًا حتى خسر في نهاية المطاف الصراع تمامًا لينتهي بفقدانه الكامل لأهم الحواس التي ينبغي أن يمتلكها أيّ موسيقيّ وبطبيعة الحال موسيقار من عياره الثقيل. كان يحس في كل لحظة بكل درجة لهذا الفقدان وكأنه ضربة من ضربات القدر التي تعلّق مصيره ومستقبل عمله عليها، نعم، أن يفقد المرء منّا ملكة ربانية وُهِب إيّاها ولم يجعل الخالق أحدًا مثله يمتلكها، فهو أمر فوق التصور! وهكذا الحال، في طالبانستان أو ما كنّا نسميه أفغانستان خلال العشرين سنة الماضية التي كانت ضربات القدر فيه تضرب بمصير الأمة يومًا تلو الآخر حتى استلبوا اللجام من أيديها ليقع مرّة أخرى في أيادي الغادرين ونحن والعالم أجمعه خسرنا الصراع مع القدر وفقدنا بذلك كل حواسنا لا سيما حاسة السمع والبصر وصرنا كالأنعام نشاهد ونمضغ الآلام يومًا تلو الآخر ولا نحرك ساكنا. فهل نترك الناس هناك ليعود بهم هؤلاء الرعاع إلى غياهب القرون الوسطى؟ أو ليعشوا حملات الإرهاب والتنكيل كما عاشتها أوروبا في عهد الكنيسة المظلم.

الشعب الأفغاني غريب الوجه واليد واللسان:

ما الدنيا يا سادتي إلا حقل واسع للتجارب ومرتع خصب للتعارف بل هي محفل هام لتبادل الخبرات بين الأمم والناس. فمذ أن ضربنا في الأرض بعصيينا كل مضرب، شاءت الأقدار أن تعرفنا على عشرات الأجناس والأعراق والأعراف البعيدة والقريبة، السمحة والخربة، الحميمة والغميمة، وبين هذه وتلك أثلجت القلوب معارف صارت مع مرور الزمن من الثوابت، صلدة كالصخر، لا يزعزع ايمانها بالصلة أيّ طارئ، عابر أو غادر. ويجدر الذكر أنّه في خضم هذه التجارب الثرّة والمعارف الغُرّة سعدت بالتعرف على بعض الأسر من الجالية الأفغانية بمدينتي وكم كانت سعادتي أكبر حينما اجتمعنا سويًا في بوتقة متناغمة حول واجبات العمل الجمعوي والإنساني داخل مؤسسات المدينة الطوعية التي تنهض بشؤون الأجانب بالمدينة، وقد بلغت جنسياتهم أكثر من ١٣٠ جنسية، وعلى صعيد آخر جمعتنا اهتماماتنا بالمشاريع البنيوية في مجال التعليم والتنمية المستدامة كما في حقل التبادل الثقافي بين ألمانيا والبلاد الأم، حيث تقوم المدينة نوعًا ما بدعمها والتعريف بها. حقيقة من يتعرف على بني الأفغان سيسعد بلقياهم، وأعلم أن في كل بلد الصالح والطالح، لكن تجربتي معهم كانت ولا زالت إيجابية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، فيهم أهل الكرم والشهامة وتجدهم في أوقات الحاجة حاضرين في التوّ والساعة. كتبت إحدى بنات هذه الجالية الأفغانية لعمدة المدينة رسالة مطولة تتحدث عن ابن عمّها الذي عاش بألمانيا لكنه رجع مرغمًا للمكوث بجانب أبويه المريضين، ولحسن الحظ سنحت له الفرصة أن يعمل بالسفارة الألمانية في كابل بما أنّه يجيد اللغة ويعلم بخصوصيات الثقافة الألمانية. فجاء خطابها عنه مفجعا وحزينا وأنّه وزوجه وابنيه في خطر وترجّت هذه الشابة العمدة في التدخل لدى السلطات الألمانية بالخارجية وبالسفارة في كابل لدعمه وسنده واخراجه من مصير لا يحمد عقباه، مصير غاشم ينتظر الأغلبية التي عملت مع السلطات الأجنبية. للأسف لقد صار هذا مصير وحال الآلاف المؤلفة من البشر الذين خدموا بروحهم ودمهم القوات الأجنبية السنين الطوال ولم يحسبوا أبدًا أنها يومًا ما سوف تدير ظهرها لهم. نعم، حسبوا أن هذه القوات بعتادها ومالها وقواتها الكاسحة سوف تستطيع التغلب على حفنة من المرتزقة الذين لم يجدوا طيلة حياتهم تعليمًا يقال، أو عملًا يقومون به اللهم إلا القتل والتنكيل والتدمير بهتاناً باسم رب رحيم ولم يعوا أنه من قتل نفسًا دون حق كأنما قتل الناس أجمعين، ونعلم أن قتل النفس البريئة أهون لديهم من أكل الطعام أو حتى من شهيق أو زفير!

نعم، خابت آمالهم جلّها وانكسرت خواطرهم والآن هم بين مكذب ومنتظر لأجل لم تلح بشائره بعد في الأفق البعيد. الجدير بالذكر أن المواطنينلا سيما في ألمانيايقفون أغلبهم وقفة رجل واحد يصرخون في وجه حكومتهم أن تقوم بالواجب تجاه هؤلاء الذين صاروا في بلادهم غرباء الوجه واليد واللسان. الكل يذكر ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر ٢٠١١ فوقتذاك لم يستجب تنظيم طالبان لدعوة الولايات المتحدة الأمريكية في التعاون لإقصاء القاعدة والقضاء على تنظيمها وكان رد الطالبان صريحًا وواضحًا مما اضطر الأمر القوات الأمريكية في فترة حكم الرئيس براك أوباما من القيام بالمهمة بنفسها والقضاء أولًا على زعيم القاعدة اسامة بن لادن ومن بعد التصدي لمسح كل ما هو قاعديّ في أفغانستان وما جاورها بل وفي العالم أجمع. وقد خلص ذلك إلى القضاء على حكم هؤلاء العصبة في العلن وحتى إشعار آخر. ومن المؤسف أنه ورغم حملات التطهير التي قامت بها الولايات المتحدة في الفرز والهجر لعناصر طالبان، فقد استطاعت جماعات منها الانخراط مجددًا في صفوف الدولة الوليدة التي اقامت الولايات المتحدة قواعدها وقد  افتضحت هذه الأيام وهنها وخيبتها أمام العالم أجمع.

من ذاق سَعُرَ …!

حقيقة يا سادتي إنّ طعم الحرية لذيذ وحلو، فمن ذاقه سَعُر، شأنه شأن مذاق العلم والمعرفة فهو لا يقل حلاوة عن طعم تلك، ويحبذا أن تجتمعا الاثنتين في بوتقة واحدة أو ركن أوحد، فينعم حينئذ الإنسان بهما سويًا وتشرق الحياة على العقول بنورها وتعم شمس المعرفة دنيا المغلوبين على أمرهم أولئك الذين تاقوا لهذه الابجديات طيلة حياتهم ولم يبلغوا منها إلا القليل. فإذا سألنا أنفسنا، كيف كانت الحال بعد انتقال القوات الأجنبية إلى أفغانستان؟ هل حسنُت الحال أم ساءت؟ هل تحررت المرأة من قيود العبودية التي كبلها بها رجال الطالبان؟ هل استطعن الصبايا دخول سلك التعليم ومؤسساته القليلة المتاحة؟ هل عاش الناس في أمن وأمان رغم كل المفارقات والأزمات التي يعلمها الجميع؟ لابد لنا من عمل خلاصة عن فترة العشرين سنة ونيف من سنيّ الوجود أو الاحتلال الأجنبي في هذا البلد. ولا أعرف كيف يمكن لنا أن نسميه؟ فكلمةوجودهي ربما محايدة، وكلمةاحتلالربما هي أغلب الظن مغالية.

رغم مختلف أوجه القصور التي تبعت الوجود الأجنبي في أفغانستان ورغم كل الهفوات والاخفاقات من الجانبين تبقى بعض الجوانب الإيجابية التي تقف شاهدًا لبعض التحسن في سياق الحياة اليومية لأهل البلد. ففي مجال السياسة نجد نظام تعدد الأحزاب، والانتخابات الحرّة التي ساندتها الأمم المتحدة، وقضية تحرير المرأة، ودخول الفتيات إلى دور العلم في المدارس والجامعات، تأهيل النظام الصحيّ المتهالك، تقلد المرأة مناصب قيادية وأساسية في بطن المجتمع، كل ذلك يعتبر من الإنجازات المهمة والتي غيرت طريقة الحياة بصورة ملحوظة في المجتمع الأفغاني لمدة عقدين من الزمان وكانت لو لم يحدث هذا الخروج المفاجئ للقوات الأجنبية في طريقها أن تكون بلدًا آمنة وربما كانت تحمل في أثواب تاريخيها المقبل قصة نجاح مثالية كان سيحكيها الزمن من بعدلكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه إذ تأتي الرياح بما لا يشتهي السَّفِنُ.

وهاهي طالبانستان قد عادت مجددًا:

عادت حركة طالبان وكان كل العالم قد حسب وهو في غمرة اعتقاده الراسخ أنها تلاشت طي النسيان، والحقيقة المرّة كانت مخالفة لهذا الاعتقاد الذي ساد كل هذه الفترة، فهي لم تتلاش أو تنقرض البتّة، بل بقيت صامدة، ثابتة ومؤمنة بمشروعها طيلة هذين العقدين في الخفاء وخلف الكواليس، كما الحية اللدود التي تنتظر لحظة الانقضاض الأخيرة. لقد اندمجت الحركة بكل دهاء ومكر في المجتمعات المختلفة بكل الأقاليم واعدة الناس بمستقبل باهر وبخروج القوات الأجنبية بعد الانتصار عليها، صبرت صبر أيوب، متحينة الرجوع الأخير والعودة على طريق أعلام ترفرف بالنصر. ومن دهاء الحركة أنها بدأت تتلون بثوب جديد كالحرباء، تنادي بانتهاء الحرب وباستتباب الأمن والأمان في كل الأقاليم وتحاول مجتهدة إن تنتهز الفرصة في أن تتبوأ مقاعد الموائد المستديرة مع الأمريكان وغيرهم وأراها قد نجحت في استراتيجيتها السياسية المستجدة هذه بتفوق.

يجب أن نذكر أن الرئيس السابق دونالد ترامب قد بدأ بتفجير فكرة الخروج من أفغانستان قبيل نهاية فترته الرئاسية وكأنه طفق يؤمل من جهة أسر الجنود الأمريكان بنهاية المهمة الصعبة في هذا البلد المتناحر معلناً لهم بلم الشمل ورجوع أحبابهم وأقرائهم في أقرب وقت، ومن جهة أخرى أرسل رسالة لمنتخبيه بأن أمريكا لن تدع أو تستثمر مليمًا واحدًا في أمن وأمان الغرباء وسوف تسترجع كل هذه الطاقات المالية إلى المركز لدعم الاقتصاد الأمريكي ودفع عجلة التقدم في المناطق المتهالكة. لقد كان ترامب كعادته متسرعًا متخبطاً في قراره القاضي بالخروج من الهندوكوش وللأسف تبع الرئيس الجديد جو بايدن نفس الاستراتيجية دون أدنى دراسة أو تشاور مع الحلفاء في حزب شمال الأطلسي (ناتو)، يمكن أن نقول أن جميع الحلفاء وحتى الأفغان أخذوا على حين غرّة. وكما رأينا الآن وعلى عكس ما صرح به الرئيس بايدنلن تسقط أفغانستان في مازقوأن القوات التي تدربت على يد القوات الأمريكية والألمانية قادرة على صد العدوان العسكري الطالباني، ومكررا أنّه مع خروج القوات الأجنبية من ساحة الوغى ليس هناك أسباب وجيهة تحتم على نظام طالبان السير قدمًا في طريق الحرب ولا حتى ترغم القوات الأجنبية في قتال طالبان. إن الخروج المتسارع والمتخبط للقوات الأمريكية والذي تبعه خروج القوات الألمانية مرغمة يوحيرغم المدّة الطويلة التي عاشتها هذه القوات في هذا البلدبعدم فهمها لطبيعتها الاجتماعية والجيوسياسية. والجدير بالذكر أن نظام طالبان يملك قاعدة تحالفات واسعة ودعم كبير بكل أقاليم البلاد عدا إقليم بانشير الذي يترأس قيادة المقاومة فيه ابن محمد مسعود. وما قاله الرئيس بايدن أعلاه صار في بضع ساعات نسيًا منسيًا فحال البلد لا سيما منطقة المطار لا يحمد وبدأت حملات القصف والانتحارات الفردية في التواتر. اللهم أحمهم والطف بهم.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق