سياسة

من الدوحة إلى كابول … ذكريات وتحديات

محمد المكي أحمد

التطورات الدراماتيكية في أفغانستان، هذه الأيام، أعادت إلى ذاكرتي تفاعلات قديمة، متجددة، بشأن دور الدوحة، في بلورة تفاهمات بين حركة (طالبان) و أميركا، ودلالات مساعدتها الحالية لأميركا ودول حلف الناتو، بشأن إجلاء مدنيين، بينهم طالبات وصحافيون، نُقلوا إلى قطر، وفقا لتأكيدات الناطقة باسم الخارجية لولوه الخاطر.

الحوار (الأميركي – الطالباني) في الدوحة أدى إلى أن تستثمر الحركة أجواء التفاهم، لتنتقل من مكتبها في العاصمة القطرية إلى القصر في كابول، في 15 أغسطس الجاري (2021)، في 11 يوما فقط، من دون مقاومة القوات الحكومية، ما فاجأ أميركا و حلفاءها و(طالبان) أيضا.

خلال فترة عملي صحافيا في الدوحة، ثلاثين عاما، جرى افتتاح مكتب الحركة في 18 يونيو 2013، بتنسيق قطري أميركي، أي بضوء أخضر من واشنطن.

مكتب الدوحة أفاد (طالبان) بفتح قناة تواصل مع أميركا، وهاهي الحركة تستثمر قرار واشنطن بسحب جنودها من أفغانستان بعد 20 عاما من الحرب، وتجني ثمار موقف سياسي تمسك برحيل (قوات الاحتلال) لتطل من كابول، فتُذهل العالم ونفسها.

التقيت في الدوحة بعض قيادات الحركة، قبل نحو 10 سنوات، في إطار عملي الصحافي، واستمعت لرؤاهم، قبل وبعد افتتاح المكتب، الذي أتاح لهم منصة سياسية وإعلامية حيوية.

حضوري افتتاح مكتب (طالبان) أتاح فرصة تسجيل وقائع الحدث، الذي أحدث دويا في المنطقة والعالم، ونقلت تفاصيله إلى صحيفة (الحياة) اللندنية، وإذاعة مونت كارلو الدولية بباريس، وتابعت تطورات الملف.

مكتب الدوحة لعب خلال سنوات، دورا مهما في بلورة تفاهمات بين الحركة وواشنطن سرا وعلانية، ما أدى أخيرا إلى عدم وقوع مواجهات بين الحركة من جهة وواشنطن ودول غربية من جهة أخرى، عشية وغداة سيطرة (طالبان) على المشهد السياسي الحالي.

التنسيق الجاري بين أميركا و(طالبان) في مطار كابول، وفي الدوحة حاليا بشأن نقل دبلوماسيين وجنود أميركيين وأوروبيين يشكل أحدث دليل.

ومثلما كان وما زال السلوك السياسي لـ (طالبان) وممارستها العنف، واحتضانها تنظيمات إرهابية، خلال فترة حكمها من (1996 إلى 2001) يثير جدلا دوليا، فان افتتاح المكتب، الذي جاء بعد مشاورات وترتيبات استمرت نحو عامين، وفقا للمصادر، قد أثار خلافا سريعا، بشأن لوحة رفعتها (طالبان) فوق مدخل مكتبها، تحمل اسم (إمارة أفغانستان الإسلامية).

(الإمارة) قاتلت (طالبان) في سبيل رفع رايتها، ويشكل إنزالها علم (جمهورية أفغانستان الإسلامية)، دليلا جديدا، بعدما دخل بعض قادتها إلى قصر الرئاسة في كابول، وطوى مسلحان عَلم (الجمهورية)، ورفعا عَلم الحركة، وجرى الإجراء نفسه في مواقع عدة.

عَلم الحركة داخل قصر الرئاسة بكابول، أرسل رسالة أولى، لكن من الصعوبة القول بأنها حسمت خيارها في هذا الشأن، بسبب تعقيدات محلية ودولية، خصوصا أن المتحدث باسم (طالبان) ذبيح الله مجاهد، أرسل رسائل طمأنة للأفغان والعالم – و هي إيجابية – إذ قال إن موضوع العَلم سيتم البتُ فيه في وقت لاحق، وهذا التصريح يُخضع (طالبان) لاختبار الصدقية.

(طالبان) مثيرة للقلق منذ افتتاح مكتبها في الدوحة…الحركة أدخلت السلطات القطرية في حرج، حينما رفعت فوق مدخل مكتبها لوحة (إمارة أفغانستان الإسلامية)، ما أثار غضب الرئيس الأفغاني آنذاك حامد كرزاي، وأميركا في زمن الرئيس باراك أوباما.

الدوحة تحركت بسرعة وطلبت من (طالبان) إنزال علمها ومسمى (الإمارة) فاستجابت، ووسط ضجة سياسية وإعلامية، أفغانيا وإقليميا ودوليا، سارعت الحكومة القطرية إلى إعلان أن المكتب هو (المكتب السياسي لطالبان أفغانستان وليس المكتب السياسي لإمارة أفغانستان الإسلامية) وقالت الخارجية القطرية قبل 8 سنوات إن (المسمى الذي اُتفق عليه من أجل افتتاح هذا المكتب هو المكتب السياسي لطالبان في الدوحة).

أميركا (شريك قطر الإستراتيجي) سارعت إلى إصدار بيان ارتياح تجاه مضمون البيان القطري، وأعلنت عن (إزالة اللوحة التي تحمل الاسم الخطأ من باب المكتب).

توجهت إلى موقع المكتب، أوقفت سيارتي أمام مبناه، وتأكدت أن اللوحة التي رفعتها الحركة في مكان بارز قد اُزيلت، فأكدت الخبر لـ (صحيفة الحياة) في لندن، وإذاعة مونت كارلو الدولية بباريس.

من ذكرياتي مع قائد أفغاني، وتؤشر إلى عقلية (طالبان) القديمة – وربما تطورت حاليا – ذلك النقاش عن التصوير وحقوق المرأة، إذ بدا غاضبا، حينما سألته عن رفضهم التصوير، وخصوصا تصوير المرأة ووضع صورتها على جواز السفر!!.

كان التصوير ممنوعا، وتعليم المرأة وعملها يواجه حواجز، والزي يخضع لرؤية متزمتة لا تؤمن بحقوق الإنسان، وكذلك نظرتهم إلى الموسيقى.

تجربتي الشخصية قبل سنوات، تقول إن (طالبان) تنظر إلى الصحافيين بتوجس، وتعتبرهم (أعداء)، أي أنها لم تكن تتعامل مع الصحافيين باحترام، ولا تؤمن كحال كل الديكتاتوريين بحقهم في تدفق المعلومات، وحرية الصحافة، و يعتبرون توجيه الانتقادات (مؤامرة)  ضد (الإسلام)، ولعل ما تلقاه الإتحاد الدولي للصحافيين، هذه الأيام، من شكاوى أرسلها عدد من زملاء المهنة، يكشف بؤس الحال، وخطورة الأوضاع، وهكذا يسيطر الخوف على نساء وفتيات، هربن أو يرابطن في المطار.

رغم أن الناطق باسم الحركة أعلن أن حقوق المرأة ستُحترم، وفقا للشريعة الإسلامية والقوانين، لكن لا يُعرف تفسيرهم وتحديدهم لسقف الحقوق، وهل تطورت رؤاهم، أم أنهم يحتفظون بالعقلية القديمة، والروح الشريرة.

في السودان كنا نسمع شعارات براقة رددها الانقلابيون زورا وبُهتانا باسم الإسلام، لكنهم قمعوا الشعب وأذلوه وشردوه، وعذبوا معارضيهم في (بيوت الأشباح)، وأشاعوا الفساد السياسي والمالي والإداري، و قسموا البلد ودمروه، وقد كشف العالم زيف الادعاءات.

في تفاعلات المشهد الدولي تبرز شكوك، وصدمة، وغضب في أوساط أميركية وأوروبية، رسمية وصحافية، بسبب (انهيار ما بنيناه في أفغانستان على مدى عشرين عاما) ومع ذلك تمسك الدول الكبرى بمفتاح الاعتراف الدولي، و مقاطعة الحكومة الجديدة، وخنقها بمقاطعة سياسيا واقتصاديا، أو ادراج قادة جدد إلى قائمة الإرهاب.

هذا معناه إذا نجحت (طالبان) في احترام حقوق الإنسان، ووافقت على تشكيل حكومة انتقالية تُمثل أطيافا سياسية واجتماعية وازنة، وحظي ذلك باعتراف دولي، فإنها تكون بذلك قد خطت خطوة تنقذها من تاريخها الدموي القديم، وتُقدمها بوجه جديد إلى العالم، لكن القضية الأكبر أن الحركة – كما أكد قادتها – لا تؤمن بالديمقراطية، أي لا تعترف بالانتخابات، ولا يُعرف تصورها لكيفيات تداول السلطة سلميا في مجتمع تعددي بعشائره ورؤاه، وهي تكتفي بالكلام عن (الشورى) من دون تحديد مضمونها، وكيفيات تحقيقها، إذ تتباين المقاصد والغايات، في العالمين العربي والإسلامي في هذا الشأن.

في يد (طالبان) ورقة أميركية وأوروبية اعترفت بـضرورات (التعلُم من الدرس الأفغاني).

الرئيس جو بايدن قال (بعد 20 عاما تعلمنا الدرس بصعوبة)، كما برر سحب قواته بقوله (تصدينا للقاعدة ” تنظيم القاعدة” وقضينا على أسامة بن لادن” زعيم التنظيم”، وأن مهمتنا ليست بناء دولة ديمقراطية، مهمتنا منع أية اعتداءات على الأراضي الأميركية)، مهمتنا التصدي للإرهاب وليس التصدي للتمرد).

هذا الموقف على لسان رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم يستحق التأمل، لاستخلاص الدروس، وهو رسالة إلى دول عدة، بينها السودان، الذي غادر قائمة الدول الراعية للإرهاب، بإرادة شعبه وثورته السلمية.

أيا تكن مواقف أميركا فان دخول (طالبان) إلى كابول أدخل واشنطن والحلفاء في مآزق كبيرة، مع برلماناتها وشعوبها ومنظمات حقوقية وصحافة حرة، وفي بريطانيا، وصفت بعض عناوين الصحف دخول طالبان إلى كابول بـ (الكارثة الإنسانية) و(المأساة) و(العودة إلى العصور المظلمة) .

السخونة انتقلت إلى البرلمان البريطاني، فدار سجال ساخن بين رئيس الحكومة بوريس جونسون (حزب المحافظين) وزعيم حزب (العمال) المُعارض السير/ كير ستارمر، الذي وجه انتقادات ساخنة للسياسة الخارجية للحكومة، و لوزير الخارجية دومينك راب، وطالبه بالاستقالة، ورأى أنه تعامل مع أزمة أفغانستان من شاطئ في اليونان، حيث كان يقضي إجازة هناك.

من الدروس لدولنا، أن مصالح واشنطن تحدد أولوياتها، ولا يهمها كثيرا متاعب (الشركاء) في بعض المحكات، إذ أن عين واشنطن الآن تركز على الصين وروسيا، وترى أن بكين هي المنافس الأكبر لواشنطن، وكان الرئيس بايدن قال إن روسيا والصين تريدان أن تُضيع أميركا وقتها وأموالها، في قتال لا يتوقف في أفغانستان.

في مقدور(طالبان) أن تسيطر على كابول، لكنها لا تستطيع تجاهُل أميركا وأوروبا، هذا التحالف قادر على خنقها سياسيا واقتصاديا، إذا هددت مصالحه، وأمنه، أو واصلت انتهاك حقوق الإنسان، وخصوصا حقوق المرأة والصحافيين، والشباب من الجنسين، أي أن انفتاح (طالبان) على الصين وروسيا قد يشكل نافذة للإطلالة على العالم، لكنها لا تُحد من ضغوط أميركا والغرب.

أخلص إلى التأكيد بأن (طالبان) استفادت كثيرا من فتح مكتبها السياسي في قطر، وأن أمامها فرصة التعلم من أجواء الدوحة، التي توازن بين الأصالة والمعاصرة، لتنبذ التعصب والتطرف، و تتوافق مع واشنطن التي تشدد على ضرورات التوصل إلى (حل سياسي) للأزمة الأفغانية، أي (تسوية) مع كل الأطراف، وفقا للرؤية القطرية، والأوروبية أيضا.

يبقى المحك الأكبر أمام (طالبان) أن تُثبت لأميركا وحلفائها، أنها تكافح الإرهاب، ولا تهدد أمنها ومصالحها، وأن تواكب روح العصر، وهنا تكمن اُم المشكلات.

برقية:

مواكبة روح العصر تعني أولا احترام حقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق