آراء

“يحلها الحل بلة …!”

وليد عبداللطيف دبلوك

وبلة هذا في ظني وحسب فهمي ورؤيتي او تفسيري الشخصي للمثل (لان المثل مؤكد له تفسير) ولكني اركن الى تفسيري الخاص للمثل، واتصور ان بلة هذا رجل سيئ الحظ، ودائم الوقوع في ورطات ومشاكل، وذات مرة وقع في ورطة كبيرة للغاية، ورطة من العيار الثقيل … ولم ينفك منها او يحل نفسه على الاطلاق، وصار يصيح مستغيثا بغيره ليحله من ورطته الكبيرة تلك، ولم يستطع أحد ان يحله من ورطته. وذات يوم وبينما بلة مستغرقا في التفكير في ورطته، مر بجانبه رجل يبدو عليه الوقار، يمطتي حمارا ابيض اللون عالي الظهر، ووجد بلة غارقا في ورطته العظيمة، فنزل من حماره، واستمع الى بلة، وبعد ان استمع لمشكلة بلة، صمت طويلا، ثم نطق لبلة ببضع كلمات، طار على إثرها بلة فرحا، لأنه وجد من الرجل حلا لورطته، لذلك يقال عند كل مشكلة عويصة او ورطة كؤود (يحلها الحل بلة). وهذا الشخص الذي حل الاخ بلة من ورطاته هو المطلوب في المثل ليحل أي مشكلة معقدة … وليس من مشكلة اكثر تعقيدا من مشكلة السودان. والذي حل بلة لو اتينا به على افتراض اننا عثرنا عليه، وجئنا به ليحل مشكلة هذا البلد، ووفرنا له كل معينات الحلول من اوراق واقلام وآلات حاسبة وتكييف جو وتكييف دماغ من اجود الاصناف وهدوء مطلق، ووفرنا عريشة لحماره الابيض العالي الظهر، وملأنا المكان برسيما للحمار وانتظرنا خارجا ليجد لنا حلا مؤملين ان يخرج علينا الذي حل بلة وهو يهتف: وجدتها وجدتها وطال الانتظار، وطال الوقت، وصارت الشمس إذا غربت تقرضنا ذات اليمين وإذا شرقت تقرضنا ذات الشمال، ونحن على انتظارنا الطويل. حتى مر رجل فوجد بلة وحمارة عظاما نخرة، وتيقن ان الله سيبعثه وحماره آية للناس التي كانت تنتظره ليحل للبلد مشكلته، ولكنا صرنا كأهل الكهف ولربما تلزمنا ثلاثمائة عام وفوقهن تسع، حتى تحل مشكلة السودان. واظل في خيالاتي واحلام يقظتي، وأرى الحل لمشكلة السودان في ان يقبض مارد ضخم السودان، غارزا اصابعه العملاقة القوية في اركان السودان الاربع، ويقتلعه من مكانه الجغرافي في القارة ثم وعلى طريقة لعبة البيسبول يقذف به بقوة، ثم تتلقاه عصاة لاعب المضرب الاخر بضربة قوية، ثم يعيده المارد الى وضعه مجددا بعد ان يكون قد انضبط تماما بفعل القذف والضرب ويوضع في مكانه الفارغ في القارة ونراه بعدها وقد استعدلت فيه الامور تماما. اراني استعرت راس من رؤوس اولئك الذين يتعاطون الكيف الاصلي من النوع (الجامد) . ومن بعد كل هذا الخيال المستعار نجد السودان هو ذاته السودان.. لا شئ تغير على الإطلاق. لأنني فقط أدركت ان المشكلة ليست في السودان كدولة، ولا في امكانياته، ولا في موقعه او مناخه، ولا في انعدام النقد الاجنبي.. ولا هذي ولا تلك. المشكلة هي الانسان السوداني نفسه، وللتدليل على كلامي، اعود للخيال مجددا واسال نفسي واياكم، لو اننا اخرجنا كل الشعب من السودان، ووضعنا بدلا منه الشعب الكوري او الصيني، لا، نستبعد الصيني لأنه غير أصلي حسب مفاهيمنا، او وضعنا الشعب السويسري،او الهندي او الياباني، ماذا سيحدث! ما الذي يمكن ان يفعله ايا من اولئك الشعوب وهم يجدون أنفسهم في بلد به عشرات الانهار، وتنوع بيئي ومناخي فريد، وحضارة ضاربة في القدم، وثروات هائلة فوق وتحت الارض، وثروة حيوانية هائلة وطبيعة جغرافية فريدة، وارض بين النهرين من اشد الاراضي خصوبة في العالم.. ترى كيف سيكون السودان عندها؟! ولماذا الافتراض، الم يخلق الانجليز من السودان بلدا قويا اقتصاديا، الم يربطوا اطرافه المترامية كلها بسكك حديدية قوية، الم يوجدوا مشروعا زراعيا عملاقا يعد الاكبر على مستوى العالم، الم يجعلوا جنيهنا يحصد ثلاث دولارات-

افيق من خيالاتي واضع خزعبلاتي جانبا، ولكن اسالكم بكل صدق أليس هذا هو ما سيحدث إذا ما اتينا بشعب آخر؟ ألن يصير السودان دولة عظمي، دولة صناعية رائدة، متطورا في كل مناحي الحياة!!  ابصم بالعشرة ان الولايات المتحدة ستضع روسيا على الرف وتتخذ منا خطرا يتهدد عرش ريادتها للعالم. ونعود للخيال، ونعيد الشعب السوداني مرة اخرى الى ارضه بعد ان عمرها وطورها الشعب المستعار، وتسلمنا السودان بلدا متطورا في كل شيء وفي طليعة الامم. ثم اعطونا عاما واحدا، بل شهرا واحدا، وسيعود السودان كما كان قبل التطور. لان عقليتنا عقيمة، لان نفوسنا انانية، لان سياستنا قائمة على مبدأ (حقي وحقك) و (قبيلتي وقبيلتك) … تلك هي سياستنا التي ستحكم البلد، ثم ينهار كل شيء، كل شيء، واستفيق من حلمي، بعد ان أيقظني الذي حل بلة من نومي وركب حماره ومضى يضرب كفا بكف، متعجبا منا نحن السودانيون ويقول: إلا تلك، إلا تلك، إلا تلك عجزت عن حلها. وخلصت من كل هذا الخيال الى امر واحد … المشكلة جلها واصلها وفصلها، فينا نحن، وليس في البلد.. نحن اس البلاء، وسبب الشقاء، ومنبع الداء. فلنعالج نفوسنا اولا، وان افلحنا في علاج نفوسنا، ستنفك كل العقد، الواحدة تلو الاخرى من تلقاء نفسها. ويصير الحلم حقيقة، ونرشح الذي حل بلة لرئاسة السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق