ثقافة وفن

البرج والساحة … قراءة في كتاب نيل فيرغسون

عبد الرحمن عبد الله (هيوستن، تكساس)

1. ظل الناس يستمدون القوة طوال التاريخ عبر طريقتين: موقعهم في التشكيلات الهرمية hierarchical system ، او وجودهم داخل تنظيمات شبكية networks. على الرغم من ان معظم المصادر التقليدية للقوة تندرج تحت بند التشكيلات الهرمية (النظام البيروقراطي، الادارة الاهلية، الجيش، القضاء) الا ان التنظيمات الشبكية (النوادي الرياضية، التنظيمات السياسية، المؤسسات الاكاديمية، القبيلة….) تمنح منتسبيها نوع آخر من القوة الناعمة. إذا تصورنا ان “البرج” يرمز للنمط الاول؛ فإن “الساحة” ترمز للنوع الثاني.

2. تأتي اهمية الكتاب من كونه اول محاولة اكاديمية جادة لتتبع العلاقة بين السلطة الهرمية والقوة الشبكية والتغير الجذري الذي احدثته التكنلوجيا في مفهوم القوة وتوزيعها بين فئات المجتمع. ففي الماضي كانت القوة هرمية، متمركزة في يد السلطة (الحكومة)، ولم يكن للمجتمع من بد سوى التسليم للحاكم والرضوخ له. حتى المكونات الاجتماعية التي كانت تمتلك قدرا من الهيمنة الاجتماعية النسبية (مثل الزعامات القبلية ومشايخ الطرق الصوفية) لم يكن لها خيار سوى الاذعان الى الحاكم، بل والتودد اليه في كثير من الاحيان. اما في عالم اليوم، فان الامر لم يعد كما كان، فقد أعادت التكنلوجيا توزيع القوة، فأضعفت مستواها الهرمي واعطت المستوى الشبكي زخما وسطوة. ولتبسيط هذا المفهوم، دعونا نطبق النظرية على الحالة السودانية، في سودان ما بعد الثورة. لم يعد لرأس السلطة (على المستوى السيادي او التنفيذي او المدني او العسكري) نفس القوة والمنعة والحصانة التي كان يتمتع بها الحكام السابقين. ليس ادل على هذا من المحاولات المستميتة في التودد الى الثوار وخطب ودهم (بل والانحدار بمستوى الخطاب الرسمي عبر استخدام لغتهم ومصطلحاتهم).

4. ظهور عدد من الشخصيات الاسفيرية التي ليس لها سابقة معرفة بالسياسة ودروبها، والفكر وضروبه. هذه الشخصيات على بساطتها وخوائها، وسذاجتها، الا انها نجحت في استخدام السوشيال ميديا لاستقطاب عدد ضخم من المعجبين والمريدين. ثم ان الفضاء المفتوح الذي توفره شبكات التواصل الاجتماعي سمح لهذه الشخصيات الاسفيرية (والتي قدح في ذهني تسميتها بال “شخفيرية”) بمزاحمة اهل الرأي والسياسة، بل وتجاوزهم تماما الامر الذي اعطاهم قوة ناعمة ومقدرة على تحريك القواعد.

5. من الملاحظات القيمية التي وردت في الكتاب، ان شبكات التواصل الاجتماعي عززت من حالة الاستقطاب polarization في المجتمع، فقد يسرت التواصل بين اصحاب الرأي المشترك، فكانت النتيجة انكفاء الناشطين على أنفسهم وزهدهم واستغنائهم عن اهل الرأي المخالف (انظروا الى جدلية دولة النهر والبحر والتي لا تخلوا من سطحية، والتشنج الذي يتعامل به خصومها).

6. كنت أحد الكتاب الدائمين في احدى المنتديات الشبابية السودانية التي تهدف الى نشر الوعي (مجموعة الباحثين السودانيين في الفيسبوك)، بيد اني تنبهت الى ان القائمين على المنتدى يتعاملون مع مشاركاتي بنوع من المزاجية. فاذا جاءت المشاركة ضد الانقاذ او مؤيدة لحكومة حمدوك، فإنها تجد طريقها للنشر فورا، والا فأنها لا ترى النور. هذا المنهج الانتقائي(السمج) دفعني لمغادرة المجموعة، والتي تبين لي أن القائمين عليها (واغلبهم من حملة الدكتوراه) يتعاملون مع الرأي المخالف بطريقة “هلال/مريخ”.

7. في دراسة حديثة، وجد ان احتمال اعادة نشر التغريدة التي تحمل رسالة سياسية او محتوى فكري يتجاوز الـ ٢٠٪. اما إذا صدرت هذه التغريدة عن أحد نجوم السوشيال ميديا (تراجي مصطفى او الجبوري) فإن احتمال اعادة نشرها قد يفوق الـ ٥٠٪. الدراسة وجدت ايضا ان اغلب التغريدات يتم تداولها بين اصحاب الرأي الواحد، وان القليل فقط من تلك التغريدات تجد طريقها الى المعسكر المخالف (انظر الى الرسم البياني والمرفق). هذه الملاحظة تعبر عن الحالة السودانية بامتياز، فقد اختارت نخبنا السياسية والاجتماعية دور المنالوج (وهو الحوار الاحادي الذي لا يحتاج وجود طرف آخر). كنت مندهشا لسرعة انتشار التغريدات والشائعات والشعارات والمصطلحات الحديثة وسط الناشطين والمغردين في السودان، لكن كتاب فيرغسون نبهني الى ان هذه جائحة عامة، اصابت كل المجتمعات على حد السواء.

8. عندما سؤل كسنجر عن سر قوته وسطوته وتأثيره في المشهدين المحلي والدولي؛ قدم تفسيرا مدهشا: “لا أجد تفسيرا لذلك سوى مقدرتي الهائلة على خلق صداقات وعلاقات، والتواصل مع الشخصيات المؤثرة في مختلف القطاعات، ابتداء من السياسة والصحافة، وانتهاء بالرياضة والفن”. وهنا نجد ان نموذجي “البرج” و “الساحة” يعملان بصورة متكاملة. فالقائد الموجود في قمة التشكيل الهرمي لا يكتفي بالقوة المتاحة له، فيلجأ الى عقد تحالفات مع التنظيمات الشبكية (احزاب، فرق رياضية، جماعات صوفية) لتعزيز موقفه وزيادة مقدرته على التأثير. هذا التحالف قد يعتمد على العوامل الايدولوجية في فترة ما، لكنه يتجاوزها عندما يجد ان تشكيلات شبكية اخرى أقدر على التأثير والحشد. وهذا ما يفسر تحول الانقاذ من “برج” أيديولوجي الى “ساحة” من المصالح الشخصية (علاقة قوش بصلاح مناع، وعلاقة طه عثمان بأسامة داوؤد).

9. اختم بالقول ان شباب الاسلاميين الذين انقسموا مؤخرا وتنافسوا على تكوين جماعات فكرية واحزاب سياسية لم يتعلموا من تجارب الماضي، ولا علوم الاتصال الحديثة. ولو انهم قرؤا كتابات كسينجر وفرغنسون لعلموا ان اجسامهم الحديثة تحمل بذور الفناء والفشل. فخير لهم ان يصبروا على خلافاتهم المحدودة، ويستفيدوا من الشبكة الكبرى التي تجمعهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق