ثقافة وفن

التنوع الثقافي داخل الأسرة … فائدة اجتماعية أم صراع بين الأجيال؟

ياسمين فلاحي*

تشهد الأسرة بمسماها العام اضطرابا قويا في الآونة الأخيرة بالنظر إلى مكوناتها بما في ذلك من أفراد يمثلون الأعمدة التي يقوم عليها البيت الأسري، إذ تعتبر هذه المكونات نسيجا ينبني من أجيال اجتماعية متباينة تماما، فالأسرة عموما تتكون من فئة الشيوخ أو الكبار سنا, ثم فئة الشباب و أخيرا فئة صغار السن .

والاضطراب هنا يتمثل في الانفصام الكبير و الفجوة الواسعة بين هذه الفئات العمرية على المستوى الثقافي لكل فرد في هذا الحقل الاجتماعي. 

الأمر يرجع للطريق التي يسير نحوها العالم و التي تجعله كما يقول المسمى الكلاسيكي “قرية صغيرة” و هذا ساهم بشدة في ولادة

“التلاقح الثقافي” الذي نسج ثقافات ببعضهما البعض و خلق على إثر ذلك أخرى قد لا تتقبلها بعض الفئات المنغلقة و تعتبر

خاصتها  جزءا لا يتجزأ من هويتها كفرد في المجتمع، و هذا العامل يقودنا للعولمة، فتطور التكنلوجيا سهّل من مأمورية نشر الثقافات و إقناع غير المنتمين لمجمّع معين بثقافة أفراده و سلوكياتهم و أسلوب عيشهم ، فيرى العالم الخارجي تلك الثقافة أمرا غير نمطي و مغامرة جديدة سيخوض غمارها دون الوقوع في الروتين الحياتي الذي عاشه أسلافه و سيعيشه أبناؤه من بعده، ليس هذا فقط فحتى غياب التواصل الثقافي بين أفراد الأسرة الواحدة له الأثر، فبسببه يفقد الأب القدرة على تلقين ابنه ثقافته التي جُبل عليها و يعجز الابن عن إقناع أبيه بأن حريته النفسية و العقلية قد وُجدت في ثقافة أجنبية و هنا يقع سوء التفاهم بين الطرفين مما يزيد الأمر تعقيدا، أيضا التأثير الخارجي و الجهل الداخلي…نعم التأثير النابع من الغير في الوقت الذي تغيب فيه مقومات الثقافة الأصلية و طرق التعرف عليها و سبل تحسسها و الشعور بكينونتها في أعماق المجتمع يجعل من الشخص أكثر تقربا من ثقافة أخرى تطغى عليه، علاوة على العامل التاريخي إذ أن الحقبات الزمنية التي عاشها كل فرد من الأسرة هي حقبات متباينة في شتى مناحي الحياة.

والنتيجة إما إيجابية أي أن التنوع الثقافي وسط الأسرة فائدة اجتماعية و إما سلبية أي أن هذا التعدد يخلق صراعا بين الأجيال و يحول دون الحفاظ على وحدة الأسرة و صلابة قشرتها كعضو من أعضاء المجتمع المتماسك. 

فكما نستطيع أن نقول أن التنوع الثقافي داخل الأسرة إضافة جيدة في المجتمع، هدفها خلق حوار تتضارب فيه الآراء مما يجعله أكثر إثارة و قابلية للحصول على الاهتمام من الفرد الأجنبي، ليس هذا فقط بل هو مجتمع متفتح على جميع الثقافات و متقبل للحالات المغايرة لأنه هو في الأساس شامل لتعدد يسمح بضم كل الاختلافات. 

يجب أيضا أن نعترف أنه يخلق صراعا بين الأجيال في ظل تشبث كل طرف بالمنحنى الذي يبتغيه اسلوبا لحياته مما يجعل الطرفين يتمتعان بنوع من العند و العصبية و فرض الذات و هذا قد لا يزيد العلاقة إلا اتساعا في الفجوة بين ممثليها و غيابا للحوار البناء من أجل إيجاد حل يشفي الإثنين معا مع الحفاظ على وجهت ي  نظرهما معا.

و لعل الحلول الأكثر ترجيحا هي التقبل و التسامح، فلكل الحرية في اختيار الثقافة التي يميل لتمثيلها مع الحفاظ على الوازع الديني الذي يجب التزود به في كل أنماط الحياة و بضرورة الاعتراف بالثقافة الأصلية لكونها هوية الإنسان قبل كل شيء و لما لا الاطلاع على أخرى من باب الفضول و الاستكشاف.

*(طالبة في معهد متخصص في مجال السينما و مهن السمعي البصري و صحفية متدربة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق