سياسة

الاضطرابات السيكولوجية للسياسيين السودانيين … بلاد الحكمة التي يقودها المجانين!

د. علي بلدو

ان المتابع للشأن السياسي السوداني عبر الحقب و العصُور المخُتلفة و الازمات المتلاحقة والكوارث الكثيرة التي حدثت و تلك التي تحدث وتواصل الحاق الأذى بالوطن و المواطنين يلاحظ جانباً هاماً في هذه الازمات و عاملاً فاعَّلاً في احداثها و تفسيراً منطقياً للإخفاقات المتلاحقة في المشكلة الوطنية و ظواهر اخرى تابعة و متلاحقة. وهذا الجانب هو العامل النفسي والسيكولوجي والطبيعة الخاصة للقادة و الساسة و خلفياتهم الاجتماعية والعقدية و مخزونهم الذهني   و الصراعات الداخلية التي يعيشونها. وكل هذا ينعكس على قراراتهم واداءهم السياسي يفسر الكثير من الاشياء التي نحاول ان نعرض لها في ثنايا هذا التقرير.

جُنون العظمةْ

وهي حالة مرضية تتميز بتضخيم الذات والشعور بالأهمية المطُلقة و كذلك اعتبار الاخرين تابعين لا شان لهم و الاحساس بوجود قدرات خارقة او الهام الهي او ملكاتْ غير طبيعية لا تتوفر لباقي الناس مع الشعور بالتكبر و الاستعلاء و رغبة عارمة في تنفيذ ما يريده الشخص دون اكتراث للواقع و مُجمل الأحوال كانه من قيل فيه:

اذا بلغ الفُطامُ لنا صبي”

تخُر له الجبابرة ساجدينا

ونشرب ان وردنا الماء صفواً

ويشرب غيرنا كدراً وطينا

وهذه الفئة من الزعماء المصابة بهذا الداء العُضال غالباً ما ترى نفسها هبة من الله للوطن وان الباطل لا يأتيه من بين يديه و لا من خلفه ولذا تجده ممسكاً بتلابيب كل شئ من هيئات ومؤسسات للحزب و الدولة و يكون الباقين مجرد كومبارس يسبحون بحمده غبوقاً واصطباحاً. كما تتميز هذه المجموعة بالتنظير والشطح في الامور الدينية وتفسيرها كما يريدون و ما يصوره لهم عقلهم المضطرب   مع محاولة اضفاء هالة من القُدسية على ما يقولون و يفعلون وتتفتق عقولهم عن طقوس وممارسات خاصة يمارسونها او اشكال ومظاهر يتميزون بها عن الاخرين و بالتالي العيش في جنة العظمة الوهمية   بينما يعيش الشعب في جحيم الواقع و أتونه المظلم. وما علينا سوى ان ندير مؤشر الراديو او احدي القنوات السودانية لترى عدداً من الامثلة الحية لهذا النوع.

الهستيريا السياسية

جاءت كلمة هستيريا من التراث الطبي الاغريقي و تعني الرحم او موضع الولادة اذ كان في اول ظهورها تصيب الفتيات صغار السن و اعتبرها ابو الطب أبو قراط نوعاً من الاضطرابات العُصابية و نوعاً من الصراع ما بين العقل الباطن و العقل الواعي او بين الرغبات المكبوتة و تلك التي يعيشها الشخص في الواقع. ويتميز افراد هذه المجموعة بالصوت العالي وكثرة الضجيج في الاذاعة و التلفزيون و مواقع التواصل مع كثرة اصدار البيانات و التعميمات الصحفية بسبب حيناً و بلا اسباب في احايين كثيرة. كما يمتازون بتصيد الفرص للظهور الاعلامي وبث افكارهم الضحلة ومنطقهم الضعيف والتغطية على ذلك باختلاق المشاكل او ادعاء المرض و ذلك من اجل استدار عطف ومودة المواطنين و خلق شعبية مزيفة و لا تعبر عن الواقع. و ايضاً نجد لديهم قدرة فائقة على الاداء الدرامي و التمثيل السياسي فمثلاً اذا تم استدعاء احدهم او احداهن للتحقيق لدي الاجهزة الامنية لمدة دقائق فقط تجدهم يكثرون من العويل و يصدرون الصور و المقالات انهم لا يخشون الاعتقالات و انه تم تعذيبهم و الاساءة اليه و حاولوا قتلهم و ما شابه  من اجل حشد الناس حولهم و خلق جو  من الاثارة. و لا تخلوا هذه الفئة من براعة عجيبة في فبركة المناسبات للحديث و طق الحنك و عمل المؤتمرات الصحفية عديمة المضمون و التي لا تحمل جديدا و الاحتفال بمناسبات تافهة مثل ذكرى كسر اصبع في مظاهرة او وقوع على الارض في وقفة احتجاجية امام احدي الكافتيريات او اماكن الشواء. و لمعرفة مثال حي لهذه الفئة فما علينا الا ان نقرأ و نتدارس السورة القرآنية التي تحكي قصة عيسى عليه السلام و سنجد دون شك اسماءً للعديد من الامثلة لدينا.

داء النرجسية الخبيثة

و هو نوع من حب الذات و السيطرة مع الرغبة في لفت الانتباه و ان يكون الشخص محورا لكل الاحداث و محطاً للانظار و محوراً لاحاديث العالم. و ذلك عن طريق اتخاذ القرارات الصادمة و غير المتوقعة او عمل اشياء غريبة ومستهجنة و الاتيان بما يعارض التقاليد والاعراف المتوارثة و المتعارف عليها سياسياً وشعبياً و مُجتمعياً. كما يعمدون الي عمل نوع من الصدمة و تحدي الاخرين و عدم الاكتراث للنقد و الراي الاخر و محاول التقليل من شأن الاخرين و الحط من قدرهم و الاستهزاء بهم علناً والمحاولة المستمرة لاستفزازهم و النيل منهم واهانة مقدساتهم و السخرية من احلامهم و طموحاتهم. وسنسرد الان بعض التعليقات و التصريحات التي صدرت من بعض المصابين بهذا المرض و ما علينا سوى تذكر صاحب التعليق مع الدعاء له بعاجل الشفاء و ان يسبغ الله عليه عافيته: (الزارعنا غير الله اليجي يقلعنا)، (الحسوا كوعكم)، (قبل الانقاذ الناس ما كان عندها نار ولا قشة كبريت و لا قميص واحد).

ذُهان الارتيابْ

و هو عبارة عن توجس و خوف غير طبيعي من الاخرين و الشك في نواياهم و عدم الايمان بما يقولون و محاولة تخوينهم و رميهم بالعمالة و الارتزاق و بالتالي محاربتهم  ونقض العهود و المواثيق معهم و فقدان الثقة بهم .و يؤدي هذا لكثرة الانقلابات العسكرية وتلك المضادة جنباً الي جنب مع ظاهرة الانقسام و الانضمام ثم الانسلاخ و تكوين الاحزاب الخاصة و العائلية وعمل التيارات المختلفة في الحزب الواحد وتعدد الواجهات لنفس الفكرة  و بالتالي عدم الاستقرار السياسي و تغير الاسماء و الحلفاء والمسميات و كثرة الاعتقالات و التصفيات والاختفاءات القسرية. و يمثل حزب الحركة الاسلامية خير مثال بأجنحته العسكرية والمدنية المتصارعة و كذلك التعاطي مع الواقع المحلى و المفاصلات وتعدد المنابر.

البارانويا

وهي خلق حالة لعالم موازي للواقع كما يتصور الزعيم وانكار العديد من الحقائق الظاهرة ومحاولة ايجاد تفسيرات مختلفة لها   لا تحظى بالقبول لدى الاخرين. كما يتميزون بمحاولة اظهار أكبر عدد ممكن من المواهب والقدرات وخلق انجازات غير هامة للوطن ولكن تمثل لهم نوعا من البريستيج. والتنافس في امور شخصية وخاصة كالإلقاء والخطابة والتأليف و عقد الاجتماعات و القمم و الخوض في معارك دون كيشوتية لا تهم الوطن و لا المواطن في شيء. و يمثل جيل الخمسينيات خير مثال لهذه الفئة بسبب الاستلاب الثقافي والرغبة في ان يكونوا انجليزا جدد بعيدا عن الواقع المعاش مما احدث هوة و فجوة ما بين المواطن و القادة و الحكومات لا تزال قائمة الي اليوم.

الشعور بالدونية

وهو مركب النقص المعروف والشهير ويمثله خير تمثيل موضوع انضمام السودان لجامعة الدول العربية   حين تم رفض الطلب اولا باعتباره دولة افريقية زُنجية و بعدها تعددت القصائد و الملاحم و الاشعار و الاغنيات التي تمجد العروبة و تم دعوة القادة العرب لعمل قمة الخرطوم علي ايدي اولئك الساسة الذين انتابتهم هذه العُقدة. وتواصل الامر لاحقا بكثرة اسفار قادتنا وساستنا للخارج في كل وقت و حين في مقابل زيارات قليلة و نادرة يقوم بها بعض قادة الدول الصغيرة لنا على استحياْ و يتمثل هذا ايضاً بحساسيتنا الشديدة تجاه ما يكتب عنا في الصحافة العربية سلبا مع الاحتفاء المبالغ فيه بالكتابة التي تمجدنا او تُثني علينا و لو كان من كُتاب و كاتبات مغمورات و لن و لم يسمع بهم احد سوانا.

الشخصية السحرية

وهي الشخصية التي تعتمد في تسيير شؤنها وتسيير امورها على السحر والدجل والشعوذة وامور الاعمال والكواديك وما شابه. وغالبا ما يكون لديهم مستشارين من الفقراء والدجالين والشيوخ كنوع من الحماية والتوفيق ومحاولة ما في الغيب وما تخفي الصدور. وينفق هؤلاء الساسة والقادة أمولاً طائلة على هذه الامور من خزينة الدولة ومواردها وبالتالي تؤدي لكوارث كبيرة تحل بالبلاد وما تبقى من العباد. واشتهرت قصة أحد قادة الاحزاب في الستينيات والذي اتهم منافسه بانه قد وضع له (عملا) في البرلمان وقتها، مما ادى الي انفراط عقد التحالف بينهما وضياع الحكم لاحقاً. كما سارت الركبان بقصة رئيس سابق أدعى ان له حرساً من الملائكة وان الجن يقومون بحراسة الحكومة ليلاُ واتخذ عصاً شهيرة كضمان لاستمرار حكمه. وليس ببعيد عن ذلك اتخاذ عدد من الساسة المعاصرين للحجبات وإطلاق البخور في المكاتب لطرد الشرور كذلك الوقوع ضحايا لعمليات التنزيل للأموال وغيرها من الامور التي هم لها عاملون.

فقدان الاهلية

في راي أحد الخبراء النفسيين المعروفين والذي تم نشره سابقا، يرى فيه انه وبالدراسة والملاحظة فان اكثر من تسعين بالمائة من الساسة و القادة السودانيين المعاصرين بعانون من اشكالات سلوكية و سيكولوجية واجتماعية تجعلهم غير مؤهلين لحكم البلاد او قيادة مستقبلها؟ ولعل واقع الحال يثبت هذه المقولة ويجعلنا نشعر باننا نعيش في بلاد من الحكمة والتراث والحضارة و التاريخ و لكنها بلاد يقودها المجانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق