سياسة

العراق نافذة إيران التي ستظلّ مفتوحة

فاروق يوسف

حاول الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أن يعكّر صفو ما تبقى من مزاج السياسيين العراقيين وهم يتجهون إلى انتخابات مبكرة، يُقال إنها ستكون خطوة رئيسة في اتجاه التغيير الذي لا تزال ملامحه غامضة. فالبعض يصر على أن تلك الفاصلة الديموقراطية ستكون بمثابة لحظة انتقال قوى اللادولة إلى السلطة التشريعية، وبذلك يتحقق تطابق فعلي بين الواقع والمؤسسة السياسية التي تحاول حتى اللحظة أن تعلي من شأن ميولها الحزبية في مقابل قوة الضغط الميليشيوي.

كان شعار مقاطعة الانتخابات مرفوعاً دائماً منذ أول دورة انتخابية عام 2006، تعبيراً عن اليأس التقليدي القائم على الشعور بأن الأحزاب الطائفية الكبرى قد صممت قانوناً للانتخابات، يتيح لها الفوز بيسر شديد ومن غير أن يسمح لجهة ما في منافستها. وبهذا فإن العزوف عن المشاركة في الانتخابات كان أساساً تعبيراً عن العجز عن المنافسة وليس تعبيراً عن معارضة العملية السياسية برمّتها.

في أوقات سابقة ندم سكان المحافظات ذات الغالبية السنية على مقاطعتهم الانتخابات لدواع وطنية، وذلك لأن تلك المقاطعة حرمتهم من التمتع بحق قانوني، كان من شأن حيازته أن يقلل من حجم حالة العزلة والإقصاء التي يعانون منها. ذلك افتراض لا يمكن أن يكون موضع ثقة في ظل رغبة الأحزاب الشيعية في أن يكون الظهير السني تابعاً مدجّناً وليس شريكاً لها. وهو ما يعني بالضرورة أن يكون مرضياً عنه من إيران.

وإذا ما كان المرشحون يعدون جمهورهم في كل مرة تُجرى فيها الانتخابات بنهاية عصر المحاصصة الطائفية، والدعوة إلى قيام حكومة وحدة وطنية عابرة للطوائف من أجل تصحيح مسار العملية السياسية المتعثر الذي ساهم في انتشار الفساد وتقوية دفاعاته، فإن النتائج التي تنتهي إليها تحالفات الكتل الحزبية تعيد إنتاج النظام الطائفي القائم على توزيع المغانم بين الأحزاب، بدءاً بالمناصب الكبرى التي يتشكل منها الجهاز الحكومي.

بعدما أعلن الصدر عزوف تياره عن المشاركة في الانتخابات، تبعه الشيوعيون باعتبارهم جزءاً من التحالف الذي يقوده، كما أن أياد علاوي الذي فقد بريقه منذ أن سُرق منه فوزه في انتخابات عام 2014 كان هو الآخر قد اعتبر أن المشاركة في الانتخابات المقبلة نوع من إضفاء الشرعية على واقع مرفوض. غير أن المفاجئ أن قوى الاحتجاج الشبابية التي تعوّل على الانتخابات المقبلة، باعتبارها فرصة للتغيير من خلال ما يمكن أن تحققه من فوز مضمون لم تعد تملك الحماسة للمشاركة وفترت همّتها.

ومن الواضح أن إشهار مقاطعة بهذا الحجم هو سلاح ذو حدين. فهو من جهة سيؤدي إلى امتناع ملايين ممَن يملكون حق التصويت عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع، وهو ما قد يؤدي إلى هبوط نسبة المقترعين إلى ما دون المستوى القانوني الذي تحتاج إليه النتائج لتؤكد شرعيتها. وفي المقابل، فقد لا يبالي أحد كما حدث من قبل بنسبة المقترعين، وتقر النتائج التي يُتوقع أن تكون لمصلحة توسيع حضور تحالف الميليشيات في مجلس النواب، بما يعني إمكان ترشيح أحد زعماء الميليشيات رئيساً للوزراء.

لن يكون ذلك الخيار مستبعداً، فالميليشيات صارت منذ انتخابات 2018 تملك حصصاً في التشكيلة الوزارية. وهو ما لم يحد منه وجود مصطفى الكاظمي كونه مستقلاً في منصب رئاسة الحكومة.

ولو تُرك الأمر لإيران، فإنها ستحث العراقيين على المضي قدماً في إجراء انتخابات، تكون واحدة من أهم نتائجها أن يتولى الحرس الثوري حكم العراق مباشرة من خلال ذراعه العسكرية الضاربة “الحشد الشعبي” الذي قد يتم التضييق عليه بنسب متفاوتة إذا لم يكن سيد المرحلة السياسية القادمة، وبقي كما هو اليوم قوة عسكرية لا تخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، بالرغم من أن قانونه ينص على أنه جزء من القوات المسلحة العراقية.

لا تملك إيران الحق في تثبيت كل ما ترغب فيه في العراق. حرصها على استمرار التسوية مع الولايات المتحدة يدفعها إلى التخلي عن بعض آمالها ولو موقتاً. وعلى هذا الأساس، نفهم الأسباب التي أدت إلى تراجع مقتدى الصدر عن قرار المقاطعة. كان قرار مقاطعة الانتخابات ذاتياً ويمكن وضعه في سياق المزاج المتغير الذي تميز به الصدر، غير أن قرار العودة لا يمكن تفسيره إلا من خلال صدور أوامر إيرانية بذلك. ولأن إيران تعرف كيف تتعامل مع مزاج السيد مقتدى بليونة ومن غير تشدد، فقد أوحت له بخطاب ذرائعي يدعو من خلاله الملايين إلى المشاركة في الاقتراع العام نصرة لبرنامج عمل حكومي لن يشارك فيه الفاسدون.

ينطوي خطاب العودة على الكثير من عناصر التضليل. غير أن العنصر الأساس هو ذلك الذي يتعلق بالفساد. وإذا ما عدنا إلى المرحلة التي انسحب منها الصدر من الحياة السياسية، ومن ضمنها الانتخابات، فقد كانت مرحلة امتزجت فيها أزمات الكهرباء بحرائق المستشفيات، وهما قطاعان يديرهما التيار الصدري، وكان الفساد هو صنيعه الوحيد فيهما.

هرب الصدر من المساءلة الإعلامية والشعبية عن طريق اعتزال الحياة السياسية.

الآن يعود بحجة مكافحة الفساد. تلك فرية لا يمكن القبول بها. لن يتحلى الصدر بالشجاعة فيصرح بأن عودته جاءت لمنع قيام دولة الميليشيات التي يمكن أن تضع العراق في إطار عقوبات دولية مؤكدة. وفي ذلك لا يقدم الصدر خدمة للعراق بقدر ما يخدم إيران. ذلك لأن العراق هو نافذة إيران الثرية.

(٭ نقلًا عن النهار العربي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق