سياسة

إعادة توجيه خارطة التحالفات ضرورية لإنجاح وتأمين الانتقال

نضال عبد الوهاب

عامان مرّا علي الثورة والوثيقة الدستورية، وأحداث كثيفة وعديدة مرت علي مُجريات الأمور، انتهت إلي ما عليه الحال اليوم، إنجاز القليل من أهداف ومطلوبات الثورة و تبقي الكثير والأهم.

وجدت مسيرة الانتقال ولاتزال تجد الكثير من الصعوبات والتعقيدات، ولعل واحدة من أهم التعقيدات هي حالة الصراع و (الفرزة) والتشتت لقوي الثورة المنوط بها حماية الانتقال وتأمين مسيرته للعبور به نحو غاية التحول الديمُقراطي والانتقال للسُلطة المدنية الكاملة، وهو الهدف الذي ضحي من أجله الشُهداء وتعاظمت فيه تضحيات جميع الشعب السُوداني طوال الثلاثين سنة هي عُمر نظام (الكيزان) ..

مطبات وتباينات ما مضي من الفترة الانتقالية إلي الآن أسهم في تباعد مكونات و كُتل وكيانات التحالف الذي  تأسست عليه السُلطة الانتقالية، و اختلاف الرؤي والبرامج والطُرق للقرارات التي من المُفترض أن تتحقق بها الأهداف أدي إلي حدوث هذه الشروخات، والتي يتفق الجميع أنها أضعفت من أداء الحكُومة وكامل السُلطة الانتقالية، وطبيعي أن يحدث هذا الضعف لعدم الاتفاق، وطبيعي أن يخفُض صوت القوي المدنية كنتيجة مُباشرة لاختلال تنظيمها واتفاقها وصراعاتها، وكنتيجة منطقية لهذا بالمُقابل وجد العسكريون وفلول النظام السابق المكان والمساحة مهيأة للتمدد فيها وفرض سيطرتهم علي كثير من مجريات الأمور، والتعطيل المُتعمد لأهداف الثورة، و التآمر المُستمر من أجل تخريب الفترة الانتقالية وقطع الطريق نحو المدنية الكاملة والتحول الديمُقراطي الحقيقي ..

واحدة من أهمّ أسباب هذا الضُعف و إعطاء العسكر فرصة وسانحة الانفراد بالقرار والتغول علي صلاحياتهم الدستورية، هو انسحاب كيانين أساسين ضمن قوي الثورة المدنية كان وجودهم معاً يُشكل تقوية وتمتين كبيرين لتحالف القوي المدنية الوطنية والديمُقراطية داخل جسد الثورة وهياكل السُلطة الانتقالية، وهنا أعني وبشكل مُباشر حزبي الأمة والشيّوعي السُوداني، حزب الأمة بجماهيريته الكبيرة والمنتشرة وتاريخه الوطني الكبير، والحزب الشيّوعي بديناميكيته وأداءه النوعي خاصة في أوساط القوي الحيّة للثورة، إضافة لتأثيرهما في بقية مكونات التحالف، سواء قوي الإجماع التي انسحب منها الشيّوعي أيضاً، أو كتلة نداء السُودان والتي شهدت أيضاً ضُعفاً بيّناً مُنذ استقالة الإمام الراحل الصادق المهدي من رئاستها، قبل أن ينفرط عقده، ويفقد قوته بخروج الجبهة الثورية من التحالف للحرية والتغيير و تجميد الأمة لنشاطه بها،  صحيح أن حزب الأمة يُشارك في الحكومة، لكن نسبة لتجميده وعدم تمثيله في الجسم المركزي للحُرية والتغيير جعله بعيداً عن كثير من قوة التأثير لكثير من القرارات أو المُشاركة في صُنعها .. هذان الحزبان (الشيّوعي والأمة) وفي هذه المرحلة بالذات من مسيرة الانتقال اتفاقهم و وجودهم معاً داخل هياكل السُلطة الانتقالية وفي مسار القرارات هام جداً في تقديرنا، الخلافات والتباينات بين الحزبين العريقين وطوال تاريخ البلاد السياسي لم تمنعهما من أن يكون بينهم عمل تحالفي مُشترك، وتاريخ عريض في العمل النضالي، خاصة في فترات الديكتاتوريات والحُكم العسكري .. حدث هذا في كُل فترات الحُكم العسكري مُنذ عبود إلي عهد البشير ونظام (الكيزان) .. فجوهر الاتفاق والتفاهم كان ولايزال هو الديمُقراطية ونظامها التعددي، وأيضاً لهم مُشتركات كثيرة في تحقيق السلام، و الحُريات، و قيام المؤتمر الدستوري، و حتي التباينات والاختلافات بينهما ليست بمقدار يمنع التحالف والاتفاق، وعدد من هذه الاختلافات وبالحوار المُشترك الجاد، من الممكن جداً والمُيّسر أن يلتقيان فيها علي نقاط تفاهم مُشترك يدفع بكامل العمليّة السيّاسية في البلاد إلي الأمام ويكسّر هذه الحالة من (التفرع ) و يمتص الاحتقان و يوقف الاستقطاب و يحد منه كثيراً لصالح الأجندة الوطنية ولتأمين وحماية الانتقال، ويساهم إيجاباً في عمليات السلام وإزالة التمكيّن وإكمال هياكل السُلطة والمجلس التشريعي وحتي قيام المؤتمر الدستوري، والتصحيح المُستمر للأخطاء ومُعالجتها مع بقية القوي المدنية وكُل هذا بلا شك يُعطي القوي المدنية زُمام المُبادرة للقرارات، ويُعلي من صوت الشق المدني ويُقويه، و ضروري أن يتم هذا الالتقاء بعد الاستفادة مؤكد من كُل فترة الاختلاف بينهما و استصحاب سلبيات المرحلة السابقة وأثر خلافاتهم علي جسد الثورة ومسيرة الانتقال ..

هذا الاتفاق أهميته أيضاً في أنه سيعيد توجيه دفة وخارطة التحالفات باعتبار المجموعات التي يتحالف معها كلا الحزبين، سواء بالنسبة للحركات المُسلحة أو القوي السياسية الأخرى  أو لجان المقاومة و تجمعات القوي المدنية، لكن الأهمّ والأبرز  هو الأثر المُباشر في مجموع جماهير الشارع والشعب السُوداني، والذي وفي ظل حالة الانقسامات والتصدعات التي ضربت القوي المدنية السياسية أدي هذا إلي حالة من عدم الثقة في القيادات التي يُمكن أن يستند عليها في استكمال أهداف الثورة، والتي يعلم الشعب السُوداني جيداً أن ما تم من ثورة وتلاحم لاقتلاع نظام الكيزان وإزاحة البشير من الحُكم لم يأتي إلا بحالة التوحد الكبير للقوي السياسية المدنية ..

أخيراً نُجدد مُطالبتنا للحزبين الوطنيّن الكبيرين أن يستجيبا لهذه الخطوة الشُجاعة في تقديرنا والوطنية في هذا التوقيت، لصالح تأمين وحماية الانتقال والعبور للديمُقراطية واستكمال مهام وأهداف الثورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق