ثقافة وفن

دراسات

كتاب تاريخ الإنسان حتى ظهور المدنيات... دراسة في الأنثروبولوجيا الفيزيقية والثقافية (1)

د. أسامة عبد الرحمن النور

يمثل هذا الكتاب بحثاً دراسياً تمهيدياً أعد ليلبى حاجة طلاب الجامعات العربية الدارسين للعلوم الاجتماعية، وكذلك رغبة القارئ المهتم بقضايا الأنثروبولوجيا بصورة عامة. ينطلق الكتاب من طرح إشكالية محددة يمكن تلخيصها في الآتي: إذ لم يتسن لنا نحن بنو الإنسان الخروج من بداية الرئيسات فهل كان من الممكن لنا أن نطور ثقافاتنا؟ وإذ لم يكن أسلافنا قد طوروا ثقافاتهم فهل كان من الممكن لنا أن نطور شكلنا الفيزيقي ليصل إلى ما نحن عليه الآن؟ من ثم فإن هذا الكتاب يمثل محاولة لتقديم المعلومات الأساسية والأفكار الرئيسة التي تقوم عليها الأنثروبولوجيا بفرعيها الفيزيقي والثقافي- الاجتماعي إجلاءً للغموض الذى يكتنف تاريخ بني الإنسان.

المعضلة الأولى في تناول تاريخ الإنسان ترتبط بإشكالية تحديد عمر الجنس البشرى. يقود البحث في تاريخ الإنسان للبحث عن التاريخ الذي تفرعت فيه فصيلة الكائنات الشبيهة بالإنسان عن غيرها من الفصائل في رتبة الحيوانات العليا من الثدييات. أنه لما تجاوزت الكائنات الشبيهة بالإنسان نقطة التفرع تلك لم يعد أمامها غير أحد احتمالين: إما أن تصبح بشرية أو أنها تعجز عن البقاء. وفي واقع الأمر فإنَّ الصنف الوحيد من فصيلة الكائنات الشبيهة بالإنسان الذي استمر في البقاء هو جنس الإنسان، والنوع الوحيد من جنس الإنسان الذي استمر في الوجود هو نوع الإنسان العاقل عاقل (الآدمي).

يطرح الكتاب سؤالاً شائعاً لخصه آرنولد توينبي في كتابه ” تاريخ البشرية” قائلاً:” هل يمكن لنا أن نحدد بداية لتاريخ الإنسان باللجوء لواحدة أو أكثر من خصائصه التشريحية المميزة؟ هل يكون ذلك ممكناً عن طريق تتبع تاريخ عاداته وإنجازاته المميزة؟ هل يجوز القول بأن تاريخ بني الإنسان يستمد بداياته من لحظة ظهور كائنات تمارس حياة أرضية لا شجريَّة الطابع؟ هل يستقيم افتراض بداية تاريخ بني الإنسان عندما اكتسبوا القدرة على المشي والركض على قدمين محررين أطرافهم الأمامية لأغراض أخرى غير المشي عليهما؟ هل بدأ تاريخ الإنسان عندما نما دماغه لا من حيث أنه أصبح أكبر حجماً من بقية الكائنات الشبيهة بالإنسان فحسب، بل أصبح أكثر تنظيماً بازدياد عدد الأساليب البديلة فيما بينها؟ أم هل لنا أن نؤرخ لتكون الطبيعة الإنسانية بالنسبة للوقت الذي حقق فيه الإنسان إنجازات معينة مثل التجمعات ومثل اللغة؟ أم ترى أن تاريخه يبدأ منذ أن تعلم كيفية الاحتفاظ بالنار مشتعلة مستخدماً إياها لأغراض التدفئة والطبخ؟ أم ترى أنه يفضل استبعاد كل تلك الفرضيات لمصلحة فرضيَّة مغايرة ترفض أن تؤرخ لظهور الإنسان انطلاقا من خاصة تشريحية، أومن تحقيق إنجاز معين، وتطرح بديلاً يرى في الوعي الحدث الذي يعلن عن بداية تاريخ الإنسان؟ قراءة تاريخ الوعي، وفق هذه الفرضية، ممكنة فقط من البقايا المادية التي خلفها أسلاف الإنسان الأوائل. ومن ثم فإن الإمكانية المتوفرة هي أن نخمن تاريخ الوعي في حدود التطور التشريحي لبني الإنسان واكتسابهم منجزات اجتماعية وتقنيات معينة. أم علينا أن نرفض كل ذلك لنقول مع القائلين باعتماد الكتابة بداية لتاريخ الإنسان؟”. سعياً للوصول إلى إجابة ذات معنى لهذا السؤال قام المؤلفان بتقسيم الكتاب إلى أبواب وفصول راعيا فيها ضرورة الالتزام بتواتر منطقي للأفكار. تناولا في الفصل الأول من الباب الأول المفهوم العام للأنثروبولوجيا وتاريخ نشوئها علماً مستقلاً قائماً بذاته، وأهدافها وتطبيقاتها. كما أنهما أشارا إلى علاقة الأنثروبولوجيا بالعلوم الأخرى. واضح أن الهدف من هذا الفصل هو تعريف الطالب، الدارس للأنثروبولوجيا للمرة الأولى، بالمصطلحات والمفاهيم الأساسية لهذا العلم. في الفصل الثاني من ذات الباب تناول المؤلفان الأنثروبولوجيا بوصفها دراسة تتعلق ببني الإنسان وأسلافهم من الرئيسات.

هنا أشار الكتاب إلى الفرعين للأنثروبولوجيا: الأنثروبولوجيا الفيزيقية التي هي دراسة لبني الإنسان نوعاً حيوانياً تهتم أساساً بالتنوع الإنساني وتطور الإنسان؛ والأنثروبولوجيا الثقافية التي هي دراسة لما تعلمه الإنسان حتى يتسنى له التكيف مع بيئته. وتتم الإشارة في هذا الفصل إلى حقول مختلفة متخصصة في الأنثروبولوجيا الفيزيقية تشتمل علم الوراثة المقارن، والنمو والتقدم، ودراسة الأشكال القديمة للإنسان اعتمادا على العظام المتحجرة (علم الاحاثة)، وعلم العظام الإنسانية، وعلم الرئيسات. ويشير الكتاب إلى أن البحث عن البقايا الثقافية لبني الإنسان القدماء يكون عبر التنقيب وهي مهمة ينهض بها علماء الآثار الذين ينقسمون بدورهم إلى مجموعتين: التاريخيين وما قبل التاريخيين. ويعمل علماء الآثار التاريخيون في دراسة بقايا المدنيات القديمة، ويعمل آخرون منهم في دراسة مراحل أكثر حداثة، وفي بعض المواقع المعاصرة، وفي التنقيب في أعماق البحار والمحيطات.

ويعمل علماء آثار ما قبل التاريخ من جانبهم في مواقع تمتد على مدى زمني متسع للغاية بدءاً من تلك المجتمعات التي لم تتعرف على الكتابة والموجودة حالياً في بعض أجزاء العالم، وانتهاءً بتلك الخاصة بالكائنات الشبيهة بالإنسان والتي يرجع تاريخها إلى بضع ملايين من السنين. وبرز في الآونة الأخيرة توجه جديد لدى علماء آثار ما قبل التاريخ يتمثل في التأكيد على منهج علمي أكثر صرامة وفي التأكيد على دراسة المجتمعات المعاصرة تمكيناً لهم من تفسير أحداث الماضي. ويعالج المؤلفان في هذا الفصل مصطلحين لهما المعنى نفسه: الكائن الشبيه بالإنسان والإنسان. تعريف المصطلح الأول قريب من تعريف الثاني، لكن الأخير شمل ظاهرة المخ المعقد القادر على إنجاز التفكير المجرد والاتصال عبر الرموز والثقافة.

وفي الفصل الأول من الباب الثاني يشير المؤلفان إلى أن مفهوم التطور كما نعرفه اليوم من الممكن تتبعه مباشرة إلى التطورات في الفكر المستنير على مدى الثلاثمائة سنة الأخيرة بخاصة إسهامات كل من لينايوس، ولامارك، وبوفون، ولييل، ومالتوس الذين تركوا بصماتهم على عمل شارلس داروين. ويمثل عام 1859 حداً فاصلاً بالنسبة لنظرية التطور، ففي ذلك العام بلور عمل داروين “أصل الأنواع” العملية التطورية (بخاصة فيما يتعلق بالدور الهام للاصطفاء الطبيعي). واستمرت المجادلات داخل الأوساط العملية وخارجها لعدة حقب ولازالت تدور في بعض الأركان. لكن نظرية التطور غيرت جذرياً مد الفكر المستنير. أخذت تركيبات شارلس داروين للعملية التطورية تجد تقبلاً تدريجياً من قبل العلماء بوصفها أساساً لكل العلوم البيولوجية بما في ذلك الأنثروبولوجيا الفيزيقية. وتساعد إسهامات علماء الوراثة في القرن العشرين في التدليل على ميكانيزم التطور بطريقة لم يعرفها داروين ولا المعاصرون له. إن الاصطفاء الطبيعي هو العنصر المركزي الحاسم الذي يؤثر على النزعة طويلة المدى للتغير التطوري. ويمكن تفسير الكيفية التي يعمل بها الاصطفاء الطبيعي نجاحاً تفاضلياً نهائياً في إعادة الإنتاج.

وفي الفصل الثاني من هذا الباب الثاني يتعرض المؤلفان إلى النوعين من الخلايا: الجسدية والجنسية، تتكون من الأولى أجسامنا بينما تقوم الثانية فقط بنقل المعلومة الوراثية. وتنقسم الخلايا الجسدية عبر الانقسام الفتيلي (الميتوزي) لتنتج خليتين متماثلتين تماماً ومتطابقتين مع الخلية الأم. وتنقسم الخلايا الجنسية مرتين عبر الانقسام المُنصف (الميوزي) لتنتج أربعة أمشاج. ويعرف الانقسام المُنصف بأنه انقسام اختزالي لأن العدد الثنائي للصبغيات (46) يُخفض للعدد الفردي (سلسلة كاملة من 23 صبغية). هناك 23 زوج للصبغيات في الخلية الإنسانية، صبغيتان في مواقع متشابهة منها 22 زوج تسمى متماثلة والزوج الثالث والعشرون هو الصبغيتان الجنسيتان. وتكون المعلومة الوراثية محتواة في الحلزون المزدوج للحمض الريبى النووي منقوص الأكسجين (دنا DNA). وتؤخذ المعلومة الوراثية من النواة إلى السيتوبلازم عن طريق الحمض الريبوزي النووي الرسول (رنا الرسول RNA ).

وتقوم الريبوسمات في الخلية بترجمة رنا الرسول، وتجذب نيوكليتيدات رنا الناقل التي تقوم بدورها بنقل الأحماض الأمينية إلى الريبوسمات لتشكل سلسلة متعدد البيبتيدات (أو السلاسل) الحمضية الأمينية التي هي البروتين الذي يؤلف معظم بنية الخلية ويقوم بمعظم الوظائف الأيضية للخلية. وليست الجينة وحدة مباشرة، لكنها تتابع منتظم لكودونات “دنا” التي تحدد السلسلة المعينة للأحماض الأمينية. ويتم استخدام المعادلة (جينة واحدة = سلسلة متعدد بيبتيدات واحدة) في تعريف الجينة في بعض الحالات.

وبعد أن يكون المؤلفان قد أكملا الدورة كلياً حيث انطلقا في الفصل الأول من الباب الثاني بمناقشة التطور بالحديث عن السكان حيث يحدث التطور تحديداً يعودان للقول بأن السكان يتكونون من من كائنات حية منفردة، وتتألف الكائنات الحية من خلايا، وتحتوي الخلايا على صبغيات، وتتكون الصبغيات من حمض دنا. ويتأتى فهم الميكانيزم الفعلي للعملية التطورية فقط بعد إدراك كل تلك المستويات المختلفة للتنظيم وهو ما يشرعان في معالجته في الفصل الثالث من هذا الباب الثاني.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق