ثقافة وفن

من اليمن السعيد

الله في اليمن

نادية مرعي

في نهاية الثمانينات جاءت باحثة « انثروبولوجية» ألمانية لليمن لعمل دراسة اجتماعية للمجتمع اليمني ، وعندما أكملت دراستها وخرجت بنتائج أقيم لها حفل غداء لتوديعها وأثناء الحديث معها عن بحثها في اليمن ونتائجه ، قالت كانت الدراسة حول الواقع الحياتي وتأثير الجانب الاقتصادي فيه والعكس ، وهناك معايير لذلك ومحددات عالمية ، لكنني وجدت أن معايير المجتمع اليمني ذات خصوصية مختلفة . وعندما سألوها كيف ؟ قالت في معظم المجتمعات ترتبط الرفاهية ومستوى المتعة بالرفاهية الاقتصادية ، وتدني المستوى الاقتصادي يقلل من مستوى الرفاهية وعندما بحثت عن أعلى مظاهر المتعة والرفاهية في المجتمع اليمني وجدت أنها ظاهرت تعاطي القات، وبعض الممارسات الحياتية البسيطة كالخروج للحدائق وما شابه ، ووفقا للدراسات تتوازى الرفاهية وفقا للمستوى الاقتصادي ولكن في اليمن رغم تدني مستوى دخل الفرد إلا ان الجميع يحصل على مستوى عالي من الرفاهية والمتعة فمثلا الجندي مرتبه بسيط وإيجار منزله ونفقاته الحياتية أكثر من مرتبه بكثير ، وهكذا غيره من الفئات بلا استثناء وكلهم عندما كنت اسألهم كيف دخلكم اقل من حاجاتكم ونفقاتكم أكثر من دخلكم كانت إجاباتهم كلهم وبلا استثناء « بيحلها الله بيدبرها الله..» فخرجت بنتيجة مفادها أن» الله في اليمن» !

ظلت هذه الحكاية الحقيقية طرفة يتبادلها ويتذكرها من عاصروها ، لكننا في اليمن حقيقة طوال فترة الحصار نعايش هذه الحقيقة ألله في اليمن لولا ألطافه بنا لأنقرض هذا الشعب نحن نعيش بلا مرتبات لا أحد يتخيل أن يعيش بلا مرتب نعمل بلا مقابل لسبع سنوات بغض النظر عن السبب او الطرف المتسبب لكن هذا هو الواقع للأسف وفي ظل غلاء وارتفاع غير عادي في الأسعار وشبه انعدام للأعمال والوظائف الخاصة والتي إن وجدت احل كل قريبه وخاصته وهكذا يظل الغالبية من الشعب على الله الذي لا ولم يضيعهم أبدا بطرق عجيبة يعيش الناس فحتى المساعدات والتغذية وكل تلك الخزعبلات انقرضت بداية الحرب كانت تقدم للبعض شهريا وبعد عامين صارت تقدم كل شهرين ، وكل مرة يزداد الفارق الزمني حتى صارت الآن تقدم للبعض كل خمسة أشهر وكأنهم يأكلون ذلك الشهر الذي تسلم لهم والخمسة الأشهر الفارق يتحولوا لملائكة لا يشربوا ولا يأكلوا ، ومع ذلك فالجميع في خير من الله وحده عندما يمسك احدنا ورقة وقلم ليحصي احتياجاته وإمكاناته لن يوازن بينها البتة ، لكن قدرة ربانية تفعل ذلك ورغم دراستي للفلسفة والمنطق أصبحت حقيقة مؤمنة بنظرية تلك الباحثة التي لو أتت اليمن الآن لجنت وأقسمت أن الله تماما في اليمن ، كنت كغيري استغرب من كل تلك الأحاديث النبوية للرسول صلى الله عليه وآله عن اليمن واليمنيين وأنهم أول من يرد الحوض في الجنة وأنه يذود عنهم بعصاه ، وقوله أنهم ارق قلوبا وألين أفئدة ، وأنهم أهل الحكمة والإيمان «أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا وألين أفئدة الإيمان» عرفت ليه « آي» يقول أشقتنا في السودان «أي عرفت ليه» كان يعلم ما الذي سيحدث لنا نحن اليوم نحن بالتحديد الصابرين على البأساء والظلم ، كان يعلم  كذلك قال تعالى عن قوم سبأ « نحن أولوا قوة وبأس شديد « فعرفت يقينا بعد هذه التجربة القاسية التي ما تزال تمحصنا أننا حقيقة شعب عظيم وألوا قوة وبأس شديد فأي شعب يستطيع أن يعيش سنوات بلا مرتبات ، عندما بدأ الحديث عن احتمال قطع المرتبات « قلنا مستحيل في قانون دولي في حقوق إنسان في بطيخ ..» و حدث ولم نمت ولن نموت فالأخ يقتسم مع أخيه الرغيف الجار يحن على جاره الغني يهتم بالفقير ليس بمثالية و تطرف لكنه يحدث الرحمة تغمر القلوب ، هناك مآسي وبؤس وقهر ولا أخفيكم كم يشعر احدنا بالخزي والعار ويتقطع ألما وهو يطلب من ولده أو أخيه أو صديقه الأفضل منه حالا، الدعم أو النجدة لكنها تمر ، وتنتهي وستنتهي ، وسننجو ، حينما تجد الأطفال يواسون أهلهم ويتصرفوا بتعال على احتياجاتهم ورغباتهم ويقولوا عادي ليس ضروري كذا أو « لا أريد الذهاب للحديقة قد أنا كبير» أو عندما يسألك بابا أو ماما كيف ميزانيتك تستطيع شراء كذا او كذا ويقوم باستيعابك وتقبل وضعك برقي وتسامي وتفهم يجعلك تبكي على هذا الطفل الذي يكبر تصرفه وكلامه ومواقفه عمره بكثير ويسوءني ويوجعني أن أجد واحدا منا يشتم هذا الشعب أو يقول عنه « شعب يمني» كأنما يقلل من قيمته والحق أن هذا الشعب أثبت للوجود عظمته وقوته وثباته وعراقته لن يمروا وسننجو أعدكم هذه آخر مرة أتحدث عن هذا الشغب العظيم هنا وسنفتح صفحة نطل منها على جمال وإبداع هذا الشعب الذي مازال رغم كل ما يحدث ينتج ويضحك ويغني ويبدع وسيظل سلاما طبتم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق