ثقافة وفن

دقة العنوان وجودة المضمون … دراسة أسلوبية في مقالات الأستاذة سحر علوي الشيمي

طارق يسن الطاهر

قرأت -عبر الصدفة – مقالا للكاتبة الأستاذة سحر علوي الشيمي، ووجدت فيه مقومات المقال المتكامل، وبعدها ظللت أتتبع كتاباتها، واستمر معي الاندهاش الممزوج بإعجاب بتلك المقالات، لأني وجدت فيها نمطا مختلفا للكتابة.

ساعتئذ تواصلت مع الكاتبة، واقترحت عليها جمع مقالاتها في كتاب، وطلبت منها الإذن لي بدراسة بعض مقالاتها بشكل مفصل، لبيان أسلوبها في الكتابة، وإلقاء الضوء على مقالاتها.

فقررت إجراء هذه الدراسة عبر المنهج الأسلوبي الذي يتناول النصوص من خلال عدة مستويات، هي :

• المستوى الصوتي.

• المستوى الصرفي.

• المستوى النحوي.

• المستوى الدلالي.

• المستوى البلاغي.

وستتداخل هذه المستويات عندي في التناول، ولن أفْصِلَها فصلا حادا، وسأركز على أهمية كل مستوى ودوره في الفهم الأعمق للنصوص.

لي قناعة تامة أن الكاتب إذا وفق في اختيار عنوان كتابه أو عنوان مقاله، أو الشاعر إذا وفق في اختيار اسم ديوانه أو اسم قصيدته سيكون المتلقي منجذبا حتما للمضمون؛ لأن العنوان هو بريد المضمون، إذ يسحب معه فكر القارئ، ويشد معه انتباه المتلقي.

هذا الأمر وُفقت فيه الكاتبة السعودية سحر الشيمي، ولا عجب فهي خريجة الأحياء الدقيقة، فقد كانت دقيقة في اختيار عناوين لمقالاتها التي تربو عن المئة.

العنوان عند سحر الشيمي يتميز بمميزات قلما تتوافر لدى كتاب آخرين، ومنها :

– الجناس بين كلمات العنوان.

– قلة الكلمات ما بين كلمتين إلى ثلاث غالبا.

– توافق العنوان مع المضمون.

ونستطيع قياس ذلك من خلال نظرة سريعة لعناوين مقالاتها، وهذه بعضها على سبيل المثال :

– نبادر ونغادر.

– تقدر فلا تغدر.

– فُتات الالتفات.

– هشاشة الشاشة.

– للوصول أصول.

– نوح البوح.

– غيْمُ الهِيم.

– عابق عالق.

– بريق وبل ريق.

هذه العناوين المتجانسة بلغت الحد الأقصى في المستوى الصوتي، فتكرار بعض الحروف المتقاربة المخرج أو المتحدة المخرج يعطي نغما مموسقا، وجرسا منغما، يجعل القارئ ينسجم مع النص، وهذا يبدو جليا في تكرار بعض الحروف، مثال لذلك تكرار حرف الهاء في سطر واحد سبع مرات، في الجملة التالية:

قد ينتهي بالهوس الذي يؤدي إلى هاوية الانهيار للمنبهر، وهو ظاهر.

تأنقت الأستاذة سحر الشيمي، وتألقت في اختيار العنوان، ولكن لم تتوقف عند ذلك، فكانت تقدم مضمونا رائعا، ومحتوى مدهشا؛ وتتميز مقالاتها بعدة مميزات تجعلها صالحة للبقاء وقابلة للاستمرارية، ومنها:

سلامة اللغة، ورصانة التراكيب، وجزالة العبارات، والاقتباس من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي، وتوظيف النص المقتبس ليخدم الفكرة، ويدعم المحتوى، والتسلسل المنطقي للأحداث مع الالتزام بصرامة ضوابط فن المقال، من مقدمة وعرض وخاتمة.

ولها قدرة فائقة في براعة التخلص؛ إذ تنهي فكرة، وتسلمك لأخرى، دون هوة في المعنى، ولا فجوة في المضمون؛ إذ تتسلسل الأفكار رقراقة، وتنساب سلسة.

اقتباسات سحر القرآنية والحديثية مميزة؛ لأنها تنهل من معين دراستها العليا في المعهد العلمي العالي للقرآن والسنة، فكان التوظيف موفقا، وكان النص المقتبس في مكانه تماما يخدم الغرض.

أما من حيث موضوعات المقالات، فكلها موضوعات حياتية، تمس المجتمع، وتناقش قضاياه، فيحس القارئ أنها منه وله؛ فيطلع على تلك المقالات، ويدرك أن الكاتبة فعلا بنت مجتمعها، لم تنفصل عنه، ولم تترفع عن همومه، بل خاطبت قضاياه.

لم يكن تناولها سطحيا، وإنما كان تناولا عميقا، فيه تشخيص للمشكلة، وبيان أسبابها، والتنفير من نتائج تفشي هذه الظاهرة أو تلك؛ لينفر المجتمع منها ثم تضع الحلول الملائمة.

تفتح سحر نافذة أمل للمغبونين والمحرومين، وتبين لهم أن الحياة قصيرة مهما طال ليل الألم، فصبحُ الأمل قريب؛ هنا تقول    في مقالها الذي عنوانه: على قدر انكسارك يتسع قصرك  – « ولكن رغم ذلك جمعوا فتات هذه الكسور وصنعوا بها قصوراً في نهاية طريقهم»، ثم تقول «وهذا لا ينحصر على الحياة الدنيا وإنما أيضا لقصر الآخرة. وعلى قدر الانكسار بين يدي الله في كل حاجاتك في دنياك وآخرتك .يتسع قصرك وتحوز أمنياتك».

مقدمات مقالاتها تذكرني بما يسمى في نقد الشعر ببراعة الاستهلال، فالكاتبة بارعة أيما براعة في استهلال، وبدء مقدمات مقالاتها، تحسن التمهيد وتجيد استدراج القارئ بهدوء إلى صلب الموضوع، فهي تتنوع في بداياتها، وربما تبدأ مقالها بمقولة مأثورة من التراث العربي، أو بعبارة لأحد الأدباء كما فعلت حينما بدأت مقالها المسمى «غيم الهيم» بعبارة للدكتور علي الطنطاوي: «ليس في الناس من لم يعرف الحب. وليس فيهم من عرف ما هو الحب».

كما أجادت في مقدماتها، فقد أجادت ختام مقالاتها، وهنا أذكر مقولة الكاتب الأمريكي آرنست همنحواي، حين قال: إنني أجتهد في صياغة خاتمة رواياتي؛ لأنها آخر عهد بالقارئ، ولو كانت الخاتمة مميزة فسيضطر القارئ لقراءة رواية أخرى لي».

وقد تختم الأستاذة سحر بعض مقالاتها بدعاء حينا، وبنصيحة أحيانا، نموذج للدعاء حينما ختمت مقالها المسمى: عابق عالق، دعت قائلة: «اللهم استعملنا ولا تستبدلنا فلتبق عابقا بذكراك عالقا بشذاها على مر الأزمان».

ولكن ما شدني هو أنها تختم أحيانا بسؤال بدون إجابة؛ حتى تترك للقارئ مجالا، وهذا من النهايات المفتوحة التي تجعل الكاتب يضع القارئ شريكا معه في الإبداع، ومن تلك النهايات التي وردت في خاتمة مقالها «انبهار فانهيار» قولها: «فهل لنا من حكمة؟!

كما تناولتْ في مقالاتها عددا من الموضوعات المسكوت عنها مثل الجفوة الأسرية بين الأزواج، وذلك في مقالها ميزان بلا اتزان، وشخَّصت المشكلة، وبيّنت خطورة انتشارها، وشرحت كيفية التعامل معها، ووضعت خارطة طريق للأزواج؛ حتى يستقيم وضع الأسرة، وحمّلت كلًّا من الزوج والزوجة مسؤوليته، ولم تمِل لجانب دون آخر، فلكل منهما دوره المهم، وكان تناولها متسقا مع مقدمة المقال، حينما تحدثت عن العدل الذي ذكرت آلته وهي الميزان في عنوان المقال.

برعت الكاتبة في التلاعب بالاشتقاقات اللغوية للكلمات، واستغلت هذا الثراء الذي تتمتع به اللغة العربية خير استغلال، ومن يتابع العلاقات بين الاشتقاقات في اللغة العربية، وكيفية الوصول إلى المعاني الكامنة يعرف كيف يجعل القارئ يشعر بمتعة الاستنتاج، حين يفهم النص بصورة أوضح وأعمق، فنجد اسم الفاعل في: هاوية، ظاهرة، متدرجة …/ واسم المفعول في: محمود، ملهوف … / والمصادر في: انهيار، إصرار.

دلاليا نجد الكاتبة برعت في استخدام الكلمات التي فيها انزياح دلالي عن معانيها إلى معانٍ أخرى؛ مما يعين القارئ على فهم مقصد الكاتبة، وتبيُّن خفايا النص، وتكريس اللغة الأدبية.

هنا عبارة فيها عدد من الكلمات التي انزاح معانيها دلاليا؛ لتحمل معاني أخرى إضافية: فلنعتنِ بصفحات كتابنا، وسقي أزهارنا لتثمر، ويفوح شذاها.

أما من حيث المستوى البلاغي فنجده يتداعى في مقالاتها من غير تكلف، مما يجعل بعض المقالات تتحول، كأنها قصيدة شعرية؛ لما احتشد بها من صور بلاغية بجميع أنواعها ، ومن ذلك :

  الجناس في عناوين المقالات؛ مما يعطي العنوان جرسا موسيقيًّا، ومن أمثلته: أسير كسير، فُتات الالتفات، هشاشة الشاشة، وغيرها كثير في معظم العناوين، وفي غير العناوين مثل: الآلام والآمال.

  الاستعارات التي تكثر في نصوصها، ومنها: بحر الهوى، ومرسى المودة.

  الطباق وهو الجمع بين الكلمة وضدها، من فوائد هذا التضاد توضيح المعنى، ويكثر الطباق في مقالات سحر مما جعل المعاني واضحة بيِّنة، ومن ذلك: بسيط ــ كبير / مادي أو معنوي / فرح وحزن.

  السجع وهو توافق أواخر الحروف في نهايات الكلمات، مما يعطي جرسا موسيقيا، ومنه: هل خير وإحسان، أم شر يتبعه سخط وحرمان. وأيضا: ويفوح شذاها، ولا تطول يد النسيان ذكراها.

  كما يكثر الترادف وهذه سمة مهمة، من فوائدها تأكيد المعنى، وهي دلالة على ثراء المخزون اللغوي للكاتبة، ومن ذلك: المشاعر، الأحاسيس / الهوى، الحب / المأمول، المنشود.

  يبدو التأثر بالقرآن واضحا في كتابات سحر إذ تقفز بعض العبارات التي امتاحتها من نص الآيات إلى نص المقالات، ومن ذلك قولها: هباء منثورا، وفيه تأثر بقوله تعالى: ‭{‬… فجعلناه هباء منثورا‭}‬ (الفرقان 23).

ومنه أيضا قولها: أوجد الله الإنسان من العدم ولم يكن شيئا مذكورا، وفيه تأثر بقوله تعالى: ‭{‬هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا‭}‬ (الإنسان 1).

  وللكاتبة عبارات – من رصانتها – بلغت مبلغ الحكم، ومنها: الآلام تصنع الآمال، وكذلك: ومن حمل الثقال يصنع الرجال.

أما من حيث المستوى النحوي؛ فالظواهر النحوية ليست حلية للنص، وإنما لها دور مهم في خلق المعاني، ويتعاضد المستوى النحوي مع المستويات الأخرى ضمن سياق النص لإبراز المعاني التي يريدها الكاتب؛ إذ تنوع الكاتبة في مقالاتها بين الجملة الاسمية والفعلية، ولكلتيهما ميزات في اللغة؛ فالاسمية تدل على الثبوت والاستمرار، والفعلية تدل على التجدد والحدوث.

فمن البدء بالاسمية قولها: للحب محطات ومواسم متدرجة يمر بها الإنسان، وكذلك: العدل اسم من أسماء الله وهو الإنصاف، ومن الفعلية قولها: أوجد الله الإنسان من العدم، وكذلك: ولا تكن إمّعةَ في الانبهار بكل شيء، وهذا التنويع يدل على قدرة الكاتبة، كما يدل على حرصها على شد انتباه المتلقي.

كذلك يكثر لديها تكرار الأفعال أو الأسماء أو غيرها من الأبواب النحوية مثل: التقديم والتأخير، والوصل والفصل، وبناء الجمل، وغير ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق