ثقافة وفن

قصة أغنية الأطلال لأم كلثوم

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
ما أكثر الروايات وما أعذب القصص التي حاكاها الناس عن أم كلثوم وعن مولدها ونشأتها فضلا عن أغنياتها. فمن أهم أعمال السيدة بالطبع أغنية الأطلال، التي أخذت حيزا كبيرا في روح الجماهير. فقد كُتبت قصص كثيرة حول شاعرها إبراهيم ناجي حيث يروى أن الحبّ تجاه أم كلثوم كان يمشي في طريق مسدودة، أي من جانب واحد.
لكن الرواية الحقيقية للأغنية أغلب الظن أن ناجي أحب حسناء من جيرانه لكنه أضطر للسفر بغرض الدراسة ولمّا عاد من الغربة بعد خمسة عشر عاما استجاره أو أستغاث به أحد الناس لينقذ زوجه من الموت، إذ أن كانت تعاني آلام الطلب والولادة، والتي وصلت بها ساعتئذ إلى حالة طارئة. فما كان من الطبيب ناجي إلا أن هرول مسرعا إلى مكان المريضة ليقوم باللازم. وحينما دخل عليها الغرفة كانت مغاطاه الوجه، تعض على طرف ثوبها بالنواجذ من شدّة الألم، فطلب منهم أن يكشفوا الستار حتى تتمكن المرضية من التنفس. وعندما اسندل الستار عن حسناء عفراء مسدول عوارضها عرف ناجي أنه أمام حبه الأول، جارته الحسناء! وعُرف شاعر الأطلال برهف الحسّ ونداوة المشاعر واحساسه العالي الذي كان يتميّز به عن بقيّة شعراء الأغنية في ذلكم العصر. وفي تلك اللحظة لم يتمالك نفسه وأجهش باكيا حتى لم يتمكن من تمالك نفسه، وحسب الزوج أنه متألم لحال زوجه وبقيت علامات استفهام في قلب الزوج، لكن ظلّ السر سرا. وعندما أرسل الفجر ثيابه مؤذنا بقدوم الصبح كان ناجي قد فجّر كل طاقاته وصبها في قالب تلك القصيدة. بعدها طلب من السيدة أم كلثوم أن تغنيها فغنتها وصارت الأغنية كالحِكَم والأشعار المأثورة، فهل رأى الحب سُكارى مثلها؟! انطلقت هذه الجملة كالنار في الهشيم بكل أنحاء الدنيا فهزت مشاعر الملايين وذابت لها أحاسيس العاشقين حتى صارت أشهر أغنية لأم كلثوم على الإطلاق، لحنها العملاق رياض السنباطي وقصة اللحن في حد ذاته أمر في غاية الجمال. لكن تلك قصة أخرى. فيا فؤادي لا تسل أين الهوى، كان صرحا من خيال فهوى!

الأطلال
يا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى ** كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى
اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ ** وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى
كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً ** وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى
وَبِسَاطاً مِنْ نَدَامَى حُلُمٍ ** هم تَوَارَوا أَبَداً وَهُوَ انْطَوَى
يَارِيَاحاً لَيْسَ يَهْدا عَصْفُهَا ** نَضَبَ الزَّيْتُ وَمِصْبَاحِي انْطَفَا
وَأَنَا أَقْتَاتُ مِنْ وَهْمٍ عَفَا ** وَأَفي العُمْرَ لِنِاسٍ مَا وَفَى
كَمْ تَقَلَّبْتُ عَلَى خَنْجَرِهِ ** لاَ الهَوَى مَالَ وَلاَ الجَفْنُ غَفَا
وَإذا القَلْبُ عَلَى غُفْرانِهِ ** كُلَّمَا غَارَ بَهِ النَّصْلُ عَفَا
يَاغَرَاماً كَانَ مِنّي في دّمي ** قَدَراً كَالمَوْتِ أَوْفَى طَعْمُهُ
مَا قَضَيْنَا سَاعَةً في عُرْسِهِ ** وقَضَيْنَا العُمْرَ في مَأْتَمِهِ
مَا انْتِزَاعي دَمْعَةً مِنْ عَيْنَيْهِ ** وَاغْتِصَابي بَسْمَةً مِنْ فَمِهِ
لَيْتَ شِعْري أَيْنَ مِنْهُ مَهْرَبي ** أَيْنَ يَمْضي هَارِبٌ مِنْ دَمِهِ
لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ اَغْرَيْتِني ** بِفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ
وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوي كَيَدٍ ** مِنْ خِلاَلِ المَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيْقْ
آهِ يَا قِيْلَةَ أَقْدَامي إِذَا شَكَتِ الأَقْدَامُ أَشْوَاكَ الطَّرِيْقْ

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق