سياسة

الميرغنية السياسية نهاية مشوار أم بدايته …؟

زين العابدين صالح عبد الرحمن

أن الصراع الدائر الآن بين نجلي السيد محمد عثمان الميرغني ” الحسن – جعفر” لقيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، صراع ينبيء أنه بداية انقسام داخل أسرة الميرغني، و العامل المهم الذي دخل على هذه الأسرة هو ” التعليم و متطلباته” أن التعليم في المؤسسات العلمية الحديثة يفرض مناهج جديدة، و طرق تفكير مختلفة عن طريقة تفكير الذين تعلموا تعليما تقليديا محدودا، و حتى الخطاب السياسي يجب أن يتجاوز الخطاب التقليدي الذي كانت تتحكم فيه بيئة تشكل الأمية فيها 90%، و هذه تتحكم فيها أيضا شروط أخرى يفرزها المجتمع الذي يغيب قوانين العمل السياسي لمصلحة شيخ الطريقة، و هو عامل مضر جدا بقضية الديمقراطية الداخلية للحزب. فالتعليم لابد أن تظهر انعكاساته في مسيرة الشخص الذي اكتسب علما جديدا. و قد ظهر ذلك جليا عندما عين السيد محمد عثمان أبنه الحسن في أمانة التنظيم للحزب. و بعد التعين أصدر الحسن قرارا بإقالة أغلبية القيادات التقليدية التي حول والدهم من قيادة الحزب، و أطلق عليهم ” محاربة الدواعش” رغم أن كل الإجراءات التي كانت قد اتخذت لم تكن سليمة من الناحية الإجرائية، و لا تمت للديمقراطية بصلة، لكن قرار عزل جميع القيادات التاريخية كان قد طرح العديد من التساؤلات المتعلقة بقضية الإصلاح داخل المؤسسة الحزبية، و الإصلاح بالضرورة سوف يفرض قيادات جديدة مؤمنة به، و مستوعبة له، باعتبار أن الإصلاح سوف يطال البناء التنظيمي و الفكري، و يفرض شروط جديدة للعمل السياسي، و هي شروط لا تتوافق مع العقليات التقيدية.

قبل الدخول في خيارات نجلي الميرغني السياسية، هناك سؤال عند كل المهتمين بالعمل السياسي في السودان. لماذا عين رئيس المهورية عمر البشير في ذلك الوقت جعفر نجل الميرغني مساعدا أولا له، ثم الحسن مرة أخرى في ذات الوظيفة؟

بعد انتخابات 1986م فاز الحزب الاتحادي الديمقراطي ب ” 63دائرة” كانت نسبة العناصر الاتحادية الفائزة في الانتخابات 46 نائبا و البقية لها ولاء للسيد الميرغني. في اجتماع اللجنة الخماسية التي كانت تتكون من ” محمد عثمان الميرغني- الشريف زين العابدين الهندي – محمد الحسن عبد الله يسن – سيد أحمد الحسين – أحمد السيد حمد” و هذه اللجنة يتم فيها الاتفاق ثم ينقل إلي المكتب السياسي، و اللجنة كانت مقترحا قدمه السيد الميرغني، باعتبار أنه يستطيع أن يقدم مطالبه في الدائرة المغلقة و يصل فيها لاتفاق ثم يترك للجنة إقناع الأخرين. طرح الميرغني أن يتولى أحمد الميرغني منصب رئيس مجلس السيادة، و قال سوف لن يكون له علاقة ببقية التشكيل الوزاري. اقتنع الحاضرون باعتبار أن منصب رئيس مجلس السيادة منصبا تشريفيا ليس له علاقة بالعمل التنفيذي اليومي. ذكرته هذه القضية لأنها هي نفسها التي كان قد طرحها الميرغني عندما بدأت هيكلة ” التجمع الوطني الديمقراطي” في عام 1994م في القاهرة. حيث كانت على قمة التجمع ” لجنة تسيير” برئاسة محمد الحسن عبد الله يسن. طلب الميرغني منصب رئيس التجمع. و أصبح أيضا تشريفيا عجز أن يدير الأزمة بالصورة المطلوبة، و ذلك يرجع لاعتبارات عديدة، أولها أن ضعف التعليم يجعل الخيال محصورا في أضيق نطاق. الثاني اختياره للعناصر التي تكون بقربه و إدارة الحزب من العاملين معه في بيت ضيافته، و هؤلاء أيضا خبرتهم السياسية محدودة. ثالثا أن المنصب ربما لا يكون فاعلا في العمل السياسي، لكنه سوف يفتح له أبوابا لإنجاز مهام أخرى تتعلق به شخصيا و أسرته، و كانت هناك زيارات عديدة نفذها الميرغني لدول الخليج باعتباره رئيسا للتجمع الوطني الديمقراطي، و عندما سئل في التجمع قال إنها زيارات تخص الحزب الاتحادي الديمقراطي، و عندما تكررت ذات الأسئلة في الحزب الاتحادي قال أن الزيارات تخص الطريقة الختمية، و لا أحد يسائل شيخ الطريقة. خلط هذه الأوراق ضرورية بالنسبة للميرغني.

بعد انفصال الجنوب كونت القوى السياسية تجمعا سياسيا ” الاجماع الوطني” فضل الميرغني الدخول في شراكة مع المؤتمر الوطني، و هي شراكة صورية ترضي الميرغني و لا ترضي قاعدة الحزب، لكنه أصر عليها، باعتبار أن الدخول سوف يجعله يحافظ على موقعه السياسي لخدمة مهام أخرى. دون الدخول في أي مناكفات مع أي قوى أخرى. و عندما بدأ الناس يتحدثون أن الحزب الاتحادي الديمقراطي مقطور في قاطرة المؤتمر الوطني، الأمر الذي دفع الميرغني يطلب من البشير تعين أبنه أن يكون نائبا لرئيس الجمهورية. قال البشير له: إذا أنت سوف تشغل المنصب لا مانع، و إذا كنت تريد فقط أن يتم تعين أبنك سوف أعينه مستشارا لرئيس الجمهورية. قال الميرغني أجعله مستشار أول. و تم تعين جعفر. و لماذا جعفر و ليس الحسن؟ الحسن هو أقرب في العلاقة للسيد محمد سر الختم الميرغني الذي كان عضوا في المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي، ثم أنضم للمؤتمر الوطني حتى يحافظ على مكانته في شرق السودان. و إذا تم تعين الحسن في هذا المنصب سوف ينسب ذلك لاجتهاد قام به السيد محمد سرالختم الميرغني، لذلك فضل أن يكون جعفر هو الذي يتولى المنصب على أن يساعده حسن مساعد الذي عين معه في القصر.

أن جعفر الميرغني الذي كان قد عين مستشارا أول لرئيس الجمهورية لم يعمل عملا سياسيا أو إداريا في حياته، و أول وظيفة له كانت مستشار أول لرئيس الجمهورية، فكان لابد أن يفشل في أداء الوظيفة، و يجعل الغياب الكامل عن الوظيف خارج البلاد تريرا له. و تعين جعفر أثبت للمتابعين الشأن السياسي، أن الميرغني هو الذي يدير الشأن لوحده دون تدخل من أخرين في الأسرة. كان الحسن قد داخل الصراع السياسي بقوة من خلال قراره عزل العديد من القيادات التي كان يسميها “الدواعش” و رفض حتى القيادات التي جاء بها والده من بيت ضيافته، و كان قد وضعها في مناصب قيادية في الحزب و في الدولة. و ظل هو ينافح في الصراع، و كان يريد أن يجمع حوله أكبر قاعدة من الشباب، و هؤلاء الذين يجب أن يقع عليهم عبء العملية الإصلاحية في الحزب. لكن الثورة فاجأت الجميع و أصبح الكل من معية النظام السابق. بعد الثورة تجمد الفعل الميرغني تماما، حيث كانت شعارات الثوار مزروعة في كل مكان و لا يمكن تجاوزها، و أصبح إعادة البيت الميرغني للحياة السياسية تحتاج لسنادات أخرى، و هذه السنادات يجب أن تكون جزءا من العملية السياسية بعد الثورة. لذلك كان اللقاء في القاهرة مع الحلو تحت إحياء ” علاقة الميرغني بالدكتور جون قرنق” و بعد مؤتمر جوبا، أيضا اللقاء مع مني أركو مناوي، و زيارة حميدتي للقاهرة و مقابلة الميرغني و بعدها زيارة البرهان  و مقابلته للميرغني. هي جميعها مقابلات مصنوعة صناعة، و معروف أن الذي يعرف الميرغني هو رجل ملحاح في طلاباته و لا يهدأ له بال إلا بإنجازها، كما أن الصراع بين الحركات المسلحة و قوى الحرية و التغيير كان له أثرا إيجابيا لبيت الميرغني لكي يتنفس الصعداء.

عاد الحسن للبلاد مرة أخرى لكي يحي دور الحزب الاتحادي الديمقراطي في الساحة السياسية، و هذه المرة غير مرتبط باعمال وظيفية في الدولة، حيث أصبح متفرغ بشكل كامل للعمل السياسي، و قرر أن يواصل مشواره من خلال عناصر جديدة في الحزب، رغم أنه قبل إرجاع بعضها بسبب دورهم الفاعل في الحراك السياسي أثناء الثورة و بعدها. لكن مجموعة القيادات القديمة و التي ارتبطت بالنظام السابق إلي جانب بعض الخلفاء للطريقة الختمية و الذين يريدون حماية ممتلكاتهم الخاصة و التجارية، وصلوا إلي قناعة أن الحسن غير مفيد لهم في هذه المرحلة، لذلك ذهبوا إلي القاهرة و اقنعوا الميرغني أن يجعل جعفر نائبا لرئيس الحزب، و من خلاله يستطيعون صراع الحسن. سارع الحسن بزيارته لمعاقل الطريقة الختمية في السودان و خارج السودان لكي يكسب قاعدة عريضة من اتباعها. هذا الصراع يدور داخل بيت الميرغني، و هذا الصراع ليس محدودا و لن يقف في نقطة معينة، خاصة أن السيد محمد عثمان لا يستطيع أن يمنع الصراع و لا يحد منه، باعتبار أن سن الرجل لا تسمح بذلك و الأبناء الأخرين لن يكونوا متفرجين على طول الخط، بل الكل سوف يحاول الدفاع عن مصالحه.

هذا الصراع يؤكد أن وصايا السيد علي السياسية ” و الوصايا التي كانت مرتبطة بالسياسة، و ليس بالطريقة الختمية، و يجب أن لا يحدث الخلط. أولها ترجعنا إلي قول يحي الفضلي لا قداسة مع السياسية. أن تقليص النسبة المائوية للأمية بالضرورة سوف تؤثر على مبدأ القداسة الذي حاول أن يطفيه السيد علي على الأسرة في تعاملاتها السياسية، و بالتالي التمسك به سوف يضر بيت الميرغني يجب أن يتعاملوا في السياسية بقوانين و شروط السياسية، و ليس لقداسة؛ و في هذه المرحلة التاريخية لا تستطيع أن تدافع القداسة عن ذاتها. الثاني أن الابتعاد عن الشارع و حياة الناس و عدم الاختلاط معهم سوف يشكل قناعات سالبة ضد بيت الميرغني. ثالثا لابد من الحديث مع الناس و الحديث لأجهزة الإعلام و الصحافة لتعريف الناس برؤيتك السياسية.

أن التغيير الذي حدث في المجتمع، و التحولات الديموغرافية، و أثر التعليم، و الوعي السياسي، و مشاركة الجماهير بأرائهم من خلال أدواتهم ” التلفونات الذكية” جميعها تتطلب من المؤسسة الحزبية و أيضا القيادات أن تضعها في بالها، و هي تحاول أن تصنع واقعا جديدا، لقد سقط الموروث الثقافي السياسي التقليدي، و يحتاج الواقع لمشاريع سياسية تستوعب كل تلك التغييرات، خاصة الذين جاءوا من البناءات التقليدية، فالسلطة التي كانت ممنوحة من ثقافة تقليدية ما عادت مقنعة للأجيال الجديدة، كما أن هؤلاء يريدون المشاركة الفعلية في عملية البناء، و جزئية الديمقراطية و محدودية مواعين الديمقراطية سببا كافيا أن تجعل الشباب لا يطرقون أبواب الأحزاب التقليدية. فالسؤال المطروح: هل الحسن الميرغني مستوعب لكل تلك التحولات، أم ما يزال يصرع لكي يرخي آذنيه إلي أفواه لا تعرف غير الهمس و حديث العبارات المفلسة؟ أن الذي يريد أن تنجح شعارات الثورة المتمثلة في ” حرية – سلام و عدالة” يجب عليه أن يبعد عن الذين حولوه و لا يعرفون غير الهتاف و مسخ الجوخ و علق الأحذية. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق