سلايدرسياسة

طعنة بايدن بظهر ماكرون

رندة تقي الدين

“الطعنة في الظهر” التي عبّر عنها وزير الخارجية الفرنسي جان – إيف لودريان لوصف صفقة الغواصات بالطاقة النووية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، والتي حرمت فرنسا من صفقتها مع كانبيرا لغواصات تقليدية ليست أمراً مستجداً. فأميركا إن كانت في عهد جو بايدن أو دونالد ترامب أو باراك أوباما أو جورج بوش، هي باستمرار أميركا أولاً وأخيراً. فصحيح أن شخصيات الرؤساء تختلف وأن طريقة تعامل ترامب مع حلفائه فجة وكثيراً ما كانت غير لائقة، ولكن في النهاية رؤساء القوى العظمى لا يبالون بموقف الحلفاء الأوروبيين. فلم ينس أحد الطعنة التي تعرض لها الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند الذي كان قد اتفق مع أوباما على ضرب القواعد الجوية السورية لبشار الأسد لشل هجومه الوحشي على شعبه، وغيّر فكره في اللحظة الأخيرة تاركاً هولاند ثائراُ لتخلي الحليف الأميركي عن إنقاذ الشعب السوري لمصلحة تسليم سوريا الى روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين.

وهل نسيت فرنسا أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش شنّت حملة لا مثيل لها على فرنسا ورئيسها آنذاك جاك شيراك، لأنه رفض الحرب الأميركية على العراق. فالغضب الأميركي حينئذ بلغ ذروته، حتى أن عدداً من مطاعم أميركا توقف عن تقديم طبق فرنسي تقليدي هو البطاطا المقلية. وغضب وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك كولن باول من نظيره الفرنسي دومينيك دو فيلبان لخطابه اللامع في الأمم المتحدة ضد الحرب الأميركية في العراق، علماً أن باول اعترف بعد خروجه من السلطة للسفير الفرنسي في واشنطن بأن صديقه السابق “دومينيك” كان على حق، وأن صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل كما ادّعى باول. ولاحقاً تمت المصالحة بين شيراك وبوش حول لبنان. فكان شيراك بحاجة الى بوش من أجل إخراج سوريا من لبنان بقرار مجلس الأمن 1559 الذي تمت صياغته في باريس. وأول من جس نبض الأميركيين حول إمكانية إصدار قرار مجلس الأمن كان رئيس الاستخبارات الفرنسية الحالي السفير برنار إيميه الذي كان يشغل مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية. وكانت الولايات المتحدة آنذاك تعوّل على دور الرئيس الراحل رفيق الحريري لتخفيف انتقادات الجانب الفرنسي المستمرة بالنسبة لنتائج الحرب الأميركية على العراق. فكان الحريري يتلقى اتصالات هاتفية من مسوؤلين أميركيين يسألونه إذا حصل على التزام من شيراك في هذا المعنى.

ورغم أن ترامب كانت تربطه علاقة متوترة مع معظم حلفاء أميركا في أوروبا باستثناء البريطاني بوريس جونسون، لم تكن العلاقة الفرنسية – الأميركية  سيئة، إذ استطاع ماكرون أن يبقي نوعاً ما على علاقة جيدة مع ترامب وبذل جهوداً كبرى لتخطي أسلوب نظيره الأميركي، لأن فرنسا بحاجة الى واشنطن. وأعرب ماكرون مراراً عن ضرورة بقاء القوات الأميركية في التحالف في مالي حيث تحتاج القوات الفرنسية الى تغطية جوية أميركية كما في شمال سوريا، وهذا ما حصل في عهد ترامب الذي أعلن مرات عدة عن نيته الانسحاب من كل المنطقة. وهو ما ينفذه حالياً جو بايدن بانسحاب فوضوي من أفغانستان. ويتبع ذلك انسحابات أخرى في المنطقة من شمال سوريا وما يبقى من قوات في العراق.

أما الآن، ومع سحب صفقة غواصات فرنسية قيمتها 56 مليار يورو لأستراليا  وإعلان بايدن عن صفقة بديلة أميركية – بريطانية لغواصات بدفع نووي لأستراليا، شعرت باريس بالغضب والخيانة من حليفها الأميركي، مع شيء من الذل. حتى أن لودريان استدعى سفيري فرنسا في الولايات المتحدة وأستراليا، وهي خطوة استثنائية مع الحليف الأميركي ولكنها تحظى بتأييد شعبي. والقيادة الفرنسية ذُهلت للأسلوب الذي اعتمده الجانب الأسترالي الذي فاوض مع فرنسا لمدة ثلاث سنوات وكان المسؤولون الأستراليون المكلفون الملف يزورون باريس مراراً من دون الإشارة الى احتمال التخلي عن العقد. منذ ثلاثة أيام أبلغوا فرنسا برسالة أن العقد مع فرنسا انتهى، وأنه سيُعقد مؤتمر صحافي، وهو ما اعتبرته فرنسا أمراً مذهلاً. وتتحدث أوساط ماكرون عن أزمة دبلوماسية تعزز تساؤلات الرئيس الفرنسي في شأن فعالية الأطلسي ومعناه، كما أنها تعزز انطباعه بضرورة تعزيز قوة أوروبا الدفاعية. واعتبرت فرنسا أن العقد الأميركي مع أستراليا هو عقد هجومي على الصين. ففي نظر القيادة الفرنسية، تبدي إدارة بايدن اهتماماً بصراعها مع الصين أكثر من علاقتها مع حلفائها الأوروبيين. وبعدما مثّل وصول إدارة بايدن الى الرئاسة  خبراً ساراً لماكرون بالنسبة لعودة الولايات المتحدة الى اتفاقية المناخ والى المفاوضات على الملف النووي الإيراني، ولكن سرعان ما غلبت الخيبة على العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين. فإلغاء العقد الأسترالي تم تلقيه بمثابة صفعة للجانب الفرنسي، لأنه اتفاق بين حكومتين تم التفاوض عليه منذ عهد الرئيس السابق فرانسوا هولاند. فالأزمة الفرنسية الأميركية عميقة، ولكن حتى الآن امتنع ماكرون من التعليق عليها تاركاً المهمة لوزرائه. فماكرون مدرك لأهمية العلاقة مع بايدن ولوزن فرنسا وأوروبا في أزمات العالم، لذا القطيعة مع الإدارة الأميركية مستبعدة، ومن المتوقع أن يبادر الجانب الأميركي لجعلها غيمة صيف مع فرنسا.

(٭نقلًا عن النهار العربي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق