ثقافة وفن

قصة واقعية

رجولة مصطنعة وتهجم ذكوري ضدي أسقط كل ذرات الأمل بهذه البلاد ...

يرستين النهمي (اليمن)

البارحة عصراً تمام الساعة الرابعة والربع بتاريخ 20 أيلول 2021، وكنت أرتدي هذه الملابس، اوقفت الباص ثم صعدت في طريقي إلى مدينة حدة، فجأة حدث ما لم يخطر على بالي وربما لم يخطر على بال الكثير منكم ممن يظنون ان الغد سيحمل لنا يمن جديد خالي من الوحشية .

الحكاية هنا، بل ان الرجولة سقطت هنا…!!!

كنت ذاهبة في طريقي إلى حدة فوق الباص، الذي كعادته يمتلئ ويفضي سريعا، بقيت وحدي وفجأة توقف الباص وصعد رجل مسلح، لم أعير للأمر اهتماما، كون السلاح أصبح على ظهور ابناء الوطن، كأنه جزء من ذكوريتهم ومن رجولتهم، عندها بدأ الرجل يتحدث بصوت منخفض وبإشارات على وجهه قائلاً: “مش حلو تلبسي هكذا ”

ـ أجبته بكل احترام قائلة له: “تمام شكراً” لم تمُر سوى ثواني معدودة، حتى شعرتُ بِيده تلامس قدمي بحجة تغطية قدمي، لحظتها؛ شعرتُ بغضب شديد، وقلت له: “ايش تعمل مالك …؟! “

فردّ علي قائلاً: „اغطي رجلش باينه للشارع كله”

فقلت: “وانت ايش دخلك ..! “

فرد قائلاً: “من باب النصيحة “

فقلت له: “النصيحة بالكلام مش بمد اليد”

بعدها انتقل هذا الراكب الوحشي إلى المقعد الأمامي بجوار السائق ، ليطلق بصوته الحقير دندنات من مجموعة كلمات، منها؛ ” هي نصيحة”  وغيرها من الكلمات التي لا احبذ ذكرها، عندئذ كنت لا زلت   في مقعدي اتصفح هاتفي ، لم تمضِ سوى دقائق حتى  أوشك الباص على الامتلاء، وبالفعل امتلئ، حيث صعدت فتاتين إلى جواري، وأسرة أمامي مكونة من أب وأم يحتضنون أطفالهم الأربعة، وبجانبهم شاب في مقتبل العمر ، بعد المرور بعدة شوارع والحديث المتبادل بين الراكب الوحشي و الرجل الأخر ، فجأة ارتفع صوته قائلاً “العفو منكم هذي البنت انا اول نصحتها “

وهذا أثار غضبي ولم اصمت ورددت عليه بالقول: “اولاً دع الخلق للخالق، الله سيسألني لوحدي ويعذبني لوحدي، النصيحة بلسانك مش بيدك ايش دخلك او أنك المحرم “

والرجال امامي يطلقون نظرات بأعينهم وكأنها تقول لي اصمتي، ولكني تجاهلت نظراتهم، ولم اصمت، وكيف سأصمت وهذا الرجل المتوحش لازال يتعدى حدوده معي ويظهرني بكلماته كمن خرجت عارية، حيث أنه تمتم بكلمات لم افهمها، ومن ثم قام برفع بندقيته وفتح النار ووجهها باتجاهي، محاولاً تخويفي وربما قتلي لو اضطره الأمر، في هذه اللحظات شعرت وكأن سريان الدم في جسدي توقف، وأن الدقائق سكنت معي ، هنا اصيب الجميع بالذهول والرعب، وأثار حفيظة الرجل الذي كان أمامي الأمر الذي جعله يقوم دق سقف الباص دقات قوية ومتتالية، يطلب من السائق أن يتوقف، وهذا ما حدث بالفعل، توقف الباص ونزل هذا الرجل الملائكي، وطلب من الجميع النزول ـ مني ومن الفتيات الاخريات واسرته فوراً ـ وكانت عيناه تمتلئان شهامة وعزة وكرامة وإنسانية انعدمت من ذلك الرجل المتوحش، بعد نزولنا، بقي الجميع  معي لدقائق قد تتجاوز الخمسة عشر دقيقة، وقتها كنت اشعر أن العمر توقف، وكنت خائفة جدا، حيث أن الجميع حاولوا طمأنتني ونزع الذعر مني، رغم تجمد ملامحي، إلا أنهم تمكنوا في النهاية من إشعاري بالأمان، وقبل أن يهُموا بالانصراف شكرتهم جميعاً ووجهوا لي الكثير من الدعوات، كما فعلت معهم كذلك واظهرت امتناني الكبير لهم، انصرفوا وكان انصرافهم بمثابة عودة الخوف لي مجددا .

وفي الحقيقة لست بخير منذُ تلك اللحظة حتى الان، هذا الموقف جعلني اتذكر حال كل المظلومين، كل من سلبوا حق الحياة، جعلني في دوامة لا تنتهي من الألم، على وطن لم يعد وطن يحتوي الجميع، وطن صرنا نشعر بالخوف ونحن فيه، بعدها بقيت روحي تنوح على وطني الذي احببته وعلى الرجولة التي تسربت من فوهة البندقية.

إلى ذلك الرجل الملائكي الذي أنقذني من طلقة البندقية، الذي لولاه بعد الله لكنت في خبر كان ولم يعد لي وجود، ألف شكر وامتنان لك أيها الرجل الطيب.

آه ثم آه وألف آه على حالنا، وعلى أوجاعنا المستمرة التي تزداد توسعاً كل يوم دون توقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق