سياسة

سفينة بَوْح

شرق السودان بين الحق والحقيقة ..!

هيثم الفضل

أما الحقيقة التي لا تقبل الجدال فهي أن الناظر ترك من حقه الدستوري والعُرفي والإنساني أن يتبنَّى قضايا إنسان الشرق بغض النظر عن خلفياته السياسية الشخصية أو حتى مدى إتساع دائرة تمثيلهُ لأبناء الشرق بكافة انتماءاتهم على أرض الواقع، فهو الآن لا يتحدَّث باسم المؤتمر الوطني المحلول، ولا يتبنَّى برنامجاً سياسياً يمكن إرجاعهُ لأية أجندة حزبية على الأقل في الإطار الظاهري لما بين أيدينا من برامج حزبية، هذا طبعاً عبر النظر إلى مُجمل القضية من منطق أنها (مسوَّدة) تُعبِّر عن حقوق وتطلُّعات إنسان الشرق على عموميات انتماءاته القبلية والثقافية والفكرية والسياسية، أما ما لا يمكن الجِدال فيه هو مضمون ذلك السؤال الذي بات يفرض نفسهُ كلما استفحل النقاش حول (السُبل) التي يمكن أن يوصل بها أصحاب الحقوق والشاكون من المظالم قضاياهم ورسائلهم إلى أصحاب القرار والحل والعقد في البلاد، هذا السؤال منطوقهُ هو (هل من سبيل إلى تغيير أشكال ومضامين الاحتجاج والثورات (المشروعة) وفقاً لاختلاف الظرف السياسي وتغيُّر المبادئ التي تنبني عليها قرارات القائمين على أمر الحكم في البلاد ؟)، فالاحتجاج في زمان الإنقاذ البائدة كان يُكلِّف الكثير من الخسائر التي تبدأ بالأرواح وتنتهي بالتعذيب والتشريد والاعتقال والمضايقة والمحاربة في الحصول على سُبل العيش الكريم عن طريق الإفقار المُتعمَّد وتعميم مبدأ عدم العدالة في توزيع الفُرص والموارد.

أما أشكال ومضامين الاحتجاجات الآن وعبر حيثيات الواقع السياسي الراهن وارتباطه بإرادة الشعب السوداني الذي بذل دون تحقيقها الغالي والرخيص، فقد حدَّدتها مسارات واضحة ومُعلنة ومُتخصِّصة في معالجة أخطاء وجراحات الماضي وإيفاء الحقوق لأهلها وإزالة المظالم عن كاهل المُهمَّشين وتعزيز سُبل التوافق بين الخصوم، فدولة المواطنة السودانية أصبح قوامها العدالة والمساوة وقداسة مؤسسية الدولة واستتباب مبدأ الانحياز اللا مشروط للمصلحة الوطنية العامة التي ليست سوى إرادة جماهير ثورة ديسمبر المجيدة، فمن كان عنده دلائل ضد الناظر ترك فيما يُقال عن دوره في صندوق إعمار الشرق المشوب بفساد الإنقاذ البائدة فليُدلي بلدوهِ ويُبرز الدلائل دون تردَّد وليكُن ذلك باسم المصلحة الوطنية التي لن يجرؤ على مناوئتها (جهراً) فيما توفَّر من شفافية كائناً من كان، ومن يقول أن ما يحدث الآن في الشرق من تهديدات للأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والتنمية القومية هو أجندة تقف خلفها وتدعمها وتموِّلها الخلايا النائمة لفلول النظام البائد فليدعو جهات الاختصاص إلى إثبات ذلك والعمل على منازلتها عبر ثنائية المنهج السياسي والأمني لدى سُلطات الحكم الانتقالي، على أن لا يكون ضمن أدوات تلك المُنازلة (إنكار) الشعارات الظاهرية التي يرفعها الناظر ترك باسم إنسان الشرق أو التهرَّب من الاعتراف بأنها مطالب شرعية وواقعية ومُستحقة، فالأوضاع الآن في سودان المسار الديموقراطي لا تسمح بمعالجة مثل تلك الأحداث مهما بلغت خطورتها وتداعياتها بالعُنف الرسمي ولو كان مشفوعاً بأسانيد القانون والدستور، وإلا أدَّى الأمر إلى طامةٍ كُبرى يتمنَّاها أعداء الثورة والمُتضررين من تقدُّم مسيرتها نحو العبور، أما اتفاق جوبا وما ورد فيه من بنود والتزامات بخصوص مسار الشرق فهو اجتهاد بشري وليس أمراً ربَّانياً مُنزلاً، لذا من (الواجب) ومن المصلحة الوطنية إعادة صياغته ثم التوافُق حولهُ في دائرة أكثر اتساعا تشمل جميع أصحاب المصلحة بما فيهم من يمثلون المصلحة القومية والمركزية لهذا الوطن الذي بإذن الله سيظل صامداً وشامخاً رغم المحن والابتلاءات.

جسْ نَبْض ..!

* تابعتُ بالأمس كل ملابسات وتداعيات الانقلاب الفاشل الذي حاول بغباء مُحكم مقاومة إرادة الشعب السوداني ودواعمها الدولية والإقليمية والأممية التي تُحيط بمخاض ولادة دولتنا الديموقراطية إحاطة السوار بالمعصم، وبالنسبة لي لا جديد في الأمر فيما يخُص المحاربات المُستميته التي يتعرَّض لها مشروع بناء السودان الجديد، فالانقلاب على المسار الديموقراطي لا يأتي فقط من بؤرة الجيش والقوى العسكرية، فقد يأتي من مُستنقعاتٍ أخرى مثل تلك التي تُحاك فيها العقبات والمشكلات المُصطنعة والمُدبَّرة، فالانفلات الأمني المُتعمَّد والمُخطَّط له ليس سوى بؤرة انقلابية، وافتعال الأزمات والضوائق المعيشية أيضاً يُعتبر شكلاً من أشكال الانقلاب، وكذلك أيضاً إشعال وتمويل ودعم أسباب الفتن القبلية، لكن الجديد في أمر انقلاب الأمس أن الدبابات خرجت فيه إلى الشوارع مرةً أخرى، وفي ذلك نقلة كبيرة وغير مسبوقة في (المُجاهرة) بالتحدي لإرادة الشعب السوداني الذي قدَّم الشهداء والجرحى والمفقودين قُرباناً لانعتاقه، فضلاً عن تهديدهُ بقوة السلاح ليدخل إلى دهاليز الظُلم والظلام مرةً أخرى ولكن وكما قال عادل إمام في أحد أفلامه الكوميدية (الله سلَّم).

في اعتقادي الشخصي وبالنسبة إلى هزالة الجانب التكتيكي للمُخطَّط الانقلابي وسهولة إحباطه وسُرعة إعلان السيطرة عليه، أن ما حدث بالأمس كان مُجرَّد (بروفة) أولية لجس نبض الشارع السوداني ومحاولة توقُّع ردة فعلهِ في إطار تخميناتهم المُتعلِّقة بمثول حالة اليأس والإحباط في نفوس السودانيين من كل ما ورد من شعارات ومبادئ ومطالب نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة، وبعدها ستكون المحاولة الانقلابية الحقيقية ماثلة وربما ناجحة ولو لأيام معدودة، لذا نصيحتي لقوى الحرية والتغيير ومجموعة الأجسام السياسية والمجتمعية والمهنية التي خاطبت ونظمَّت الجماهير إبان الثورة، أن تدعو فوراً وبلا تأخير إلى مليونية يتنادى لها كل الحادبين على تحقيق حُلم السودان الجديد، ليقول فيها الشعب السوداني كلمته مرةً أخرى والتي نأمل أن تكون الأخيرة، وفي ذلك أيضاً إشارة للمُتشكِّكين في أن قوى الثورة وفي مقدمتها لجان المقاومة ما زال في يدها إيقاع الشارع، وهي مَن تتحكَّم في حراكه، وتوجيه فعالياته نحو دعم أجندة التحوُّل الديموقراطي.

* أخيراً أقول و(بالواضح المِفتشر) كما يحلو لإخوتنا في شمال الوادي التقديم لما يُسمى عندنا (دق الصفائح ونشر الفضائح) أن أيي شخص يُعلن كراهية ومحاربة لجنة إزالة التمكين أو يدعو إلى حلها لا يخرُج تصنيفهُ عندي عن ثلاثة أنماط من البشر، فهو إما كوز حرامي، أو مهموم وخائف على أحد المُقرَّبين اللي برضو حيكون كوز وحرامي، والثالثة أن يكون ناقماً من كافة منظومات الحُكم الانتقالي وذلك (برضو) لأنو كوز لكن ممكن يكون ما حرامي، بناءاً على ذلك يقوم عقلي الباطن ومعهُ الظاهر أيضاً كُلَّما واجهني خطاباً أو حِراكاً من هؤلاء بدفعي دون هواده ولا إرادة نحو الإيمان الصادق بأن هذه اللجنة بالفعل مثلَّت روح الثورة وكانت ضرباتها المُحكمة في (مُخطَّطات) الفلول هي مُجمل ما يتناولهُ الشعب السوداني من (دواء) مُقاوِّم لجائحة الإحباط التي فتكت به منذ أن تأكَّد لهُ أن طريق القضاء على الفلول لم يزل طويلاً وأن معركة إزالتهم وكل ما يتعلَّق بعهدهم البائس لم تزل تتطلَّب المزيد من التضحيات والإيمان بالتغيير وسِعة الأُفق واسترسال جريان بحار الوعي الجماهيري، كل ما سبق ذكرهُ يُمثِّل إجابتي الشخصية للذين يسألون عن أهداف ما يقوم به الناظر ترك تحت ستار (إنقاذ إنسان الشرق من التهميش) مع وضع خط أحمر تحت مطالبته بحل لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو.

جمهورية الإرتجال العشوائي ..!

خطابات الزعماء والنافذين في المنابر الرسمية ، على المستوى البروتوكولي يجب أن تعِّدها جهات إختصاص من نواحي  لغوية ودبلوماسية وسياسية ، والتي يجب ان تتوفَّر لديها القدرة على صياغة المُفردات والجُمل وتحديد مدلولاتها وما يُراد منها من رسائل مباشرة أو غير مباشرة ، هكذا تعمل الدول التي تحرص على (مهنية) الخطاب السياسي مثله مثل حرصها على أضخم ما بين يديها من ملفات إستراتيجية ، إذ أن الخطأ أو الإلتباس الذي يمكن أن يدفع لتفسير كلمة أو جُملة في خطاب سياسي لقائد أو نافذ مهم ، يمكن أن تندلع بعد إلقائه الحروب وتنهار تحت عباراته المصالح الوطنية والإقليمية والدولية ، أما عندنا نحن أهل جمهورية (الإرتجال) العشوائي في إطلاق الكلام على عواهلهُ إلا من رحم ربي ، فلا نكترث لما يُقال في الجهر وفي الخفاء ، وقد تعوَّدنا منذ الأزل في عالم الخطابات والتصريحات السياسية للنافذين ، على التباري في عقد المؤتمرات والمنتديات وجلسات الونسة العادية لتفسير وتحليل و(فك ألغاز) ودهاليز ما يتم ( قذفهُ) في الهواء الطلق من تُرهات وأوهام وكلمات وأفكار لا علاقة لها بالمواضيع التي نُصب من أجلها المنبر ، وأحياناً لا علاقة لها بالواقع ولا الوقائع ولا حتى المُسلَّمات التي يُعتبر الجِدال حولها نوعاً من الجنون.

فعلى سبيل المثال لو تمَعَّنا في خطاب الفريق أول ركن / عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد الأعلى للقوات المسلحة الذي ألقاهُ أمس بسلاح المُدرعات عقب المحاولة الإنقلابية الفلولية الفاشلة ، لوجدنا فيه الكثير من الأخطاء التي تمثل إشارات تُناهض ما يتطلَّبه الموقف من إثبات ولو (صُوري) لتناغُم وتآلف الشقين العسكري والمدني في الحكومة الإنتقالية ، خصوصاً في مجال الإتفاق حول مباديء أساسية لا يمكن أن تكون محل خلاف ، ومن بينها طبعاً الرفض القاطع وغير المشروط للإنقلابات العسكرية ، وذلك وفق تبريرات بسيطة وغير قابلة للمُتاجرة والتسويف والمُزايدة ومن أهمها كون الإنقلابات أصبحت عبر المنظور الجديد لما بعد ديسمبر المجيدة (مُناهضة) صريحة لإرادة الشعب السوداني التي دفعتهُ لكل تلك التضحيات الجسيمة التي حقَّقت إنتصارهُ في ديسمبر المجيدة ، ومن بينها أيضاً النأي بالبلاد من الوقوع مرةً أخرى في (شرك) المقاطعة الدولية والإقليمية والعقوبات الإقتصادية التي ستكون بالتأكيد ردة فعل عملية وواقعية لكافة القوى الدولية والإقليمية التي طالما أعلنت ثم باشرت دعمها لمسيرة الإنتقال الديموقراطي ، كل تلك الإشارات الآنفة مطلوبة بالضرورة في خطاب رأس الدولة عقب إنقلاب حاول مرتكبوه تغيير مسار إرادة الشعب عبر تقويض رغبته في حكم ديموقراطي و(مدني) يكون فيه الجيش السوداني الموحَّد مهني النزعة وفي حدود مهامه الدفاعية والإستراتيجية ، وبعيداً كل البُعد عن منصة الحُكم السياسي ، يقول البرهان في خطابه الهُتافي المُرتجل وبالنص (القوات دي هي البتحمي التغيير وهي البتسوقو سواقه ومحل ما دايره تودَّيهو) ، وأنا من هذا المنبر أقول أن جيش السودان الموحَّد و(المُطهَّر) من الخونة وأصحاب الأجندات السياسية ، من واجبه (الحتمي) أن يحمي إرادة الشعب السوداني لأن الجيش لم يوجد إلا  لأجل الشعب ، أما التغيير والإنتقال فلن يُساق إلا عبر (عرَّابي) السياسة من المدنيين ووفق ما تُمليه عليهُم إرادة الشعب السوداني ، وليس لأحدٍ مهما علا شأنهُ أن يعتقد أن هذا الإنتقال وهذا التغيير (مُنساق) إلى وجهة غير معلومة مثل (دمية) مُستسلمة لمن بيده السلطة والقوة (عشان يوديها محل ما دايِّر يوديها) ، هذه المسيرة المباركة يا سعادة الفريق تعرف على أيي طريقٍ تسير وأين ستحُط رحالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق