سياسة

في نبرة الاستعلاء “المغاربيِّ” على “المشارقة”

أسامة أبو ارشيد

واحدةٌ من أبرز مفارقات السقوط المريع لحزب العدالة والتنمية، المغربي، في الانتخابات التشريعية (والبلدية)، أخيرا، هي تلك النغمة الفوقية التي يستخدمها بعض (وليس كلُّ) الكتاب والنشطاء المغاربة (كناية هنا عن الجنسية المغربية وليس هوية الإقليم)، من إسلاميين وغير إسلاميين، في تسفيه آراء “المشارقة” في قراءة نتائج تلك الانتخابات. أبعد من ذلك، بعضٌ من هؤلاء لم يتردّد في انتقاد “الاستشراق” في مقاربة الانتخابات وما ترتب عليها. يرتبط ذلك، أيضاً، بمحاولات بعضهم فرض معطىً في التحليل مفاده أن “المغاربة” (هوية إقليمية هنا وسنضعها من الآن بين شارتين لتمييزها عن الانتماء لدولة المغرب) متقدّمون دوماً على “المشارقة” فكرياً وفلسفياً وسياسياً. واستطراداً في المعطى ذاته، فإن الإسلاميين في المغرب العربي متقدّمون تلقائياً وحتماً على نظرائهم في المشرق العربي. مثل هذه “المُسلَّماتِ” المطلقة والتعميمات الفضفاضة مجروحة، ومصداقيتها معلولة، وهي ذات نَفَسٍ استعلائي، ذلك أنها غير منضبطة وغير مضبوطة وغير مُعَرَّفَةٍ بوضوح.

بداية، يتمتع المفكرون والمثقفون “المغاربة”، في العموم، بميزات إذا ما قيسوا بأقرانهم “المشارقة”، ذلك أن نسبة أوسع بينهم أكثر اطّلاعاً وتمكّناً من المناهج الفلسفية الغربية، التي تنضاف إلى مناهج أخرى نملكها نحن العرب والمسلمين. لكن، هذا المعطى محصور هنا في مقارنة النسب، القابلة للتغيير والخلاف فيها، ولا يشكّل أبداً ميزة حصرية. وكما أن ليس كل المفكرين والمثقفين “المغاربة” متساوين في إمكاناتهم، فإن الأمر ذاته ينطبق على نظرائهم “المشارقة”. ومن ثمَّ، يمكن القول إن الخطاب الفوقي الاستعلائي الذي يمارسه بعض “المغاربة” ممجوجٌ وغير ذي معنى، ويستدعي تذكيراً بأن كثيرين من مثقفي الشرق ومفكريه ليسوا أقل تمكّناً وإبداعاً وامتلاكاً للأدوات اللازمة، والعكس صحيح طبعاً. هذه قدراتٌ ذاتية، لا تخضع لنوعية الدم أو الهوية أو الجنسية أو المجال الجغرافي، وإنما يصقلها الجدُّ والمثابرة والنتاج المعرفي.

لا أريد هنا أن أستغرق في تعريف “الاستشراق”، كحركة فكرية وفلسفية غربية، ومراحل تطورها، فهذا ليس حقلي، ولا هو موضوع هذا المقال. لكن أثار انتباهي رميُ أحد الزملاء المغاربة لنا، نحن “المشارقة”، الذين تجرّأنا على محاولة فهم ما جرى في الانتخابات التشريعية المغربية التي انتظمت أخيرا بهذه “التهمة”. زاوية الاستغراب أن “الاستشراق”، عموماً، منهج فكريٌّ فلسفيٌّ غربٌّي انتقائيٌّ، وكثير منه تزييفي، لمقاربة فلسفات الشرق وثقافاته وأديانه، وهو رافق الاستعمار البريطاني للهند في أواسط القرن الثامن عشر، أو قَدَّمَ له. وبعد ذلك، تطوّرت حركة “الاستشراق” لتكون في خدمة الاستعمار الغربي عموماً. وحسب المفكر الفلسطيني – الأميركي الراحل، إدوارد سعيد، فإن “الاستشراق” موقف غربيٌ متعالٍ تجاه مجتمعات الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا، يرمي إلى تصويرها جامدة وغير قابلة للتطور. وبالتالي، يختلق وجهة نظر للثقافة الشرقية يمكن دراستها وتصويرها وإعادة إنتاجها، لتكون في خدمة “القوة الإمبريالية”. ويشدّد سعيد على أن هذا التلفيق يوحي ضمناً أن المجتمع الغربي متطوّر، عقلانيٌّ ومرن ومتفوّق مقارنة بالشرق الجامد، غير العقلانيِّ والمتصلب والمتخلف. إذا كان هذا هو “الاستشراق” تبسيطاً، فكيف نكون نحن “المشارقة”، كجزء من موضوعه، ممارسين له ضد مكوّن آخر من مكوناته في شمال أفريقيا؟ أليس في هذا عَسَفٌ قيمِيٌّ ودليل على خللٍ في استيعاب المفاهيم والسياقات؟

من أَوَلِيَّاتِ الدراسات المنهجية الابتعاد عن “المُسلماتِ” و”التحيزات”، وقطعاً عن افتراض الفوقية وامتلاك الحقيقة. مثل هذه الأعطاب المنهجية تنتقص من قيمة أي أطروحة أو طرح أو انتقاد وموضوعيته. كيف تتعامل مع من يلغي شرعية رأيك وقيمته ويسفّهه بأحكام متعسّفة وضمن قوالب جاهزة؟ كونك “مغاربيّا” أو “شرقيّا” ليس معياراً بحد ذاته في تحديد قيمة أفكارك وآرائك، تماماً كما أن كون من يطرح رأياً ما كاتبا أو صحفيّا غربيا لا يعطي، بالضرورة، رأيه ميزة خاصة. وكما أن مركّب النقص أمر سيئ، فإن مركب الفوقية المَرَضيِّ لا يقل سوءاً، خصوصاً إذا كان منبعه جهلا وغرورا، لا علما وَتَمَيُّزا مشهودا لهما. وكلمة أخيرة، بعض تواضع وموضوعية يرحمكم الله.

(٭ نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق