سياسة

الانقلاب وعورات الحكم في السودان

طارق الشيخ

لا تزال أمواج السياسة السودانية تصطخب في الخرطوم، بعد الإعلان عن إحباط محاولة انقلابية جديدة في السودان. حالة انقلاب فاشلة سبقتها حالة من الفوضى السياسية التي عمّت البلاد، وهذه المرّة من شرق السودان. ويبدو أن الحكومة السودانية قد قرّرت الاستثمار في هذه المحاولة الأخيرة سياسيا كما لم يحدث من قبل، وسخّرت الآلة الإعلامية الرسمية بكثافة غير مسبوقة. الثابت أن المحاولات الانقلابية قد تعدّدت منذ الثورة التي أطاحت نظام عمر البشير، ونسبت جميعا إلى عناصر الحركة الإسلامية داخل الجيش. والثابت أيضا أن كل تلك المحاولات، وقد وعدت السلطات بالكشف عن أسماء الجهات والشخصيات المتورّطة بها وتفاصيل تلك المحاولات، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدُث، كما لم يقدّم أيٌّ منهم للمحاكمة أو المحاسبة، بل لا يعرف مصير أي منهم.

من الناحية السياسية، ثمّة أزمة سياسية شاملة راهنة في السودان، ولو أن الجيش كان في الفورمة (الصيغة) الانقلابية المعهودة له تاريخيا في السودان، لحدث بالفعل انقلاب بكل المبرّرات للبيان الأول، فكل ما خرجت لأجله الجماهير وأطاحت بسببه نظام البشير موجود وماثل ومحاطٌ بحالة إحباط شديدة من المسار السياسي المتخبط الذي تسير عليه الحكومة، بقيادة عبد الله حمدوك. وبشكل أكثر تحديدا، ما جرى في الأيام الماضية في شرق السودان، بقطع مجموعة إثنية يقودها أحد قادة قبيلة الهدندوة (الزعيم ترك) الطرق، وتبعه توقف العمل في ميناء بورتسودان، المنفذ البحري الوحيد وشريان الحياة لكل السودان. أحدث هذا الحراك، المحدود حجما، ضجّة سياسية واسعة، سلّطت الضوء على أحد الأخطاء الكبيرة. وقد أثار الاتفاق الجزئي الذي كرّسته الحكومة للوضع في إقليم دارفور في مؤتمر جوبا حفيظة مكونات عديدة في شرق السودان وشماله وغضبها، باعتبار أنها استُثنيت من عملية التنمية الشاملة، وهذه مطلب قوى كثيرة، كما أغفل معالجة قضايا الجوع والفقر في شرق السودان، وهي في الواقع أكثر تأثيرا على إنسان هذه المنطقة مما هي عليه في دارفور.

وقد جاء تعاطي الحكومة مع هذا الاحتجاج في الشرق ضعيفا، بل أثار مجدّدا حالة التجاذب بين الشقين، المدني والعسكري، داخل الاجتماع المشترك الذي كُرّس لتدارس الوضع. أهم ما خرج عن ذلك الاجتماع هو التلاسن الساخن بين رئيس مجلس السيادة، قائد المكون العسكري في الحكم، الفريق عبد الفتاح البرهان، ووزير مجلس الوزراء المدني خالد عمر. إذ تقدّم البرهان بطلب تفويض صريح للقوات المسلحة، لمعالجة الوضع، وحصانة من المحاسبة لأسلوب معالجته التمرّد في الشرق، فيما طالب خالد معالجة الأمر بالتفاوض والحوار الديمقراطي. وقد أبرز هذا التلاسن، مجدّدا، الخلاف بين المكونين، المدني والعسكري. بل اعتُبر طلب البرهان للتفويض محاولة ثانية لطلب التفويض، بعد محاولته الأولى الخجولة، على خلفية تطوّرات الوضع في منطقة الفشقة على الحدود مع إثيوبيا. من هذه الزاوية التي تكشف عن طموح العسكريين بوضع كامل اليد على الحكم في السودان، رأى كثيرون في الشارع السياسي السوداني التحرّك الانقلابي مجرّد بالون اختبار لانقلاب محتمل، تحضر له المجموعة العسكرية بقيادة البرهان.

مجمل القول هنا إن تعامل حمدوك مع هذه الأزمة جاء باهتا ومثيرا للأسئلة بشأن مدى جدارة رئيس الوزراء في مجابهة الأزمات، فقد اختفى حمدوك تماما، ولم يصدر عنه بيان يوضح حقيقة ما يجري في شرق السودان، ما جعل الشارع السوداني عرضة للشائعات والتكهنات والأخبار المضللة التي تسيدت وسائل التواصل الاجتماعي، وكان أغلب مصادرها عناصر النظام القديم.

.. والحقيقة أن الحكومة الحالية قد فشلت في معالجة القضايا الحياتية الملحّة للشعب، من تردّ اقتصادي ومالي، وفي محاربة الفساد ومحاربة التمكين لأنصار النظام القديم في كل مفاصل الدولة الحيوية. وثمّة أيضا خيبة كبيرة ناجمة عن المحاصصة في المناصب الوزارية التي نجم عنها أداء وزاري متواضع، أقلّ كثيرا من طموحات الشارع الثائر، فقد تقلّد المناصب وزراء كثيرون بلا رصيد معرفي أو قدرات، بل أيضا يفتقرون الروح الثورية التي يعيشها الشارع. وبالتالي، تراجعت الحماسة الكبيرة والأمل الذي كان يعلقه الشارع على قيادة حمدوك، وازدادت الفجوة اتساعا بين الحكومة، بمكوناتها، والشارع الثوري خصوصا. الفجوة الأخرى هي الحادثة بين المكونين، المدني والعسكري، وتسيد الأخير المشهد في مواقف كثيرة، وسيطرته الظاهرة على القرار في مجلس السيادة، ما جعل للعسكريين اليد الطولى في مقابل ما ينظر إليه كثيرون أنهم ناشطون سياسيون يفتقرون لأبسط مقومات المعرفة السياسية والقدرة على اتخاذ القرار.

أخلص إلى القول إن الأداء الحكومي السيئ، وحالة التيه التي تعيشها الحكومة بلا برنامج واضح المعالم، في أيٍّ من الاتجاهات، يجعل حتى أمر تقويمها مسألةً تحتاج صبرا كثيرا. وما يحصّن تجربة الحكم الانتقالي الحالية من الانقلابات العسكرية يكمن في أن أي عمل انقلابي لن يجد القوة السياسية الحاضنة، وفقا للتجارب السودانية التاريخية، فكل الانقلابات التي وقعت في السودان كانت، على الدوام، مشفوعة بالأزمات السياسية ذاتها المتكرّرة، ولكن مع وجود حاضنة سياسية تدعمها وتوفر لها السند المدني. هذا الواقع يصعب توفره اليوم. ولهذا فإن سعي عبد الفتاح البرهان الحثيث إلى توفير التفويض هو أقصر الطرق وأحدثها للوصول إلى السلطة. صحيح أنه جرى في السنوات القليلة الماضية تطهير الجيش السوداني من كل القوى السياسية التقليدية داخل الجيش، ومن الحركة الإسلامية التي غرست عناصرها في مفاصله، ولا يوجد حاليا من قوى لها وجود داخل الجيش سوى قلة من حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي وقلة أصغر من البعثيين (جناح العراق)، ولهذا عمليا، ليس من قوة قادرة على الانقلاب العسكري سوى الإسلاميين، بحكم وجودهم في كل مفاصل الجيش، ولكن أمامهم عقبة كبرى، أن رصيد العقود الثلاثة يغلق كل باب لهم مع الشارع السوداني الذي يمكن القول إنه أغلق صفحة الحركة الإسلامية في السودان، وربما إلى فترة ستطول كثيرا. ولهذا، يبقى السؤال: ماذا ستفعل الحكومة الآن مع المجموعة الانقلابية التي قامت بالمحاولة الفاشلة أخيرا، ولديها انقلابيون عديدون سابقون لم يصدر بعد بحقّهم شيء. والأرجح أن الحكومة سوف تستثمر، كعادتها، هذه المحاولة لضجة سياسية، سوف تطغى على مشاعر الخيبة وسط الشارع من الأداء الحكومي، ولكنها حتما لن تكون كافية لستر عورات الحكم في السودان، وما أكثرها هذه الأيام.

(٭ نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق