سلايدرسياسة

المستقبل السياسي في السودان والخيارات الممكنة

محمد حسن التعايشي

على أقل تقدير فإن آخر ما تحتاجه هذه البلاد هو هذا العراك الأحمق والهرولة العمياء نحو الخيارات العدمية.

ليس من الممكن بل ومن المستحيل استدعاء خيار الانقلاب العسكري لحسم خيارات المستقبل السياسي في السودان، مرت ثلاثة نُظم انقلابية وعشرات المحاولات للانقلاب على السلطة كان حصادها ضعف الدولة وتكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد، هذا قبل ان يكون في السودان أكثر من ثمانية جيوش لا تجمع بينها هيئة قيادة مشتركة، ولا يحكمها قانون أو عقيدة قتالية موحدة، وبالطبع ليس لديها قيادة موحدة، مجرد التفكير في الانقلاب العسكري هو جهل بالواقع ومغامرة حالمة لن تنجح مطلقاً في بلد أنجز أعظم ثورة قبل أقل من ثلاثين شهرًا ليكتب نهاية لهذا الخيار الأحمق وغير المسؤول.

ليس من الممكن الانقلاب على الشراكة السياسية القائمة، فالصيغة السياسية التي افرزتها تداعيات الاتفاق السياسي لم تكن مقبولة للغالبية العظمى من السودانيين الذين صنعوا الثورة ولم تكن محل إعجاب لمعظم من هم على رأس هذه الحكومة نفسها وانا واحد منهم. ظروف سياسية معلومة اقتضتها هذه الشراكة أدت إلى قبول معظم من اعترض عليها إبتداءً، لذا يجب ان تستمر وتُحترم لتنتهي إلى غايات متفق عليها دون ردة من أي طرف من أطرافها، التراجع عن الصيغة السياسية القائمة سيولد مناخ سياسي يستحيل معه تحقيق الاستقرار، وأقل سيناريو متوقع هو مواجهات داخلية وخارجية عالية الكُلفة سوف تورث هذه البلاد هشاشة على هشاشتها القائمة ومواجهات مفتوحة ونيران لن ينجو او يتحكم فيها أحد حتى من اشعلها.

الوثيقة الدستورية هي المترجم القانوني للاتفاق السياسي وهي القانون الأعلى الذي يحكم البلاد إلى جانب اتفاقية جوبا للسلام التي تم إدراجها أصلًا في الدستور والتي لم تُغير كثيرًا في الميثاق السياسي والاستحقاقات الدستورية المرتبطة به بما في ذلك انتقال رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين وفق ما هو منصوص عليه قبل وبعد ادماج اتفاقية جوبا في الوثيقة الدستورية وهو أمر معلوم بالضرورة، فليس هناك أي مشكلة دستورية أو قانونية حول متي وكيف يتم الانتقال، إن انتقال الرئاسة للمدنيين في مجلس السيادة هو اختبار مهم لجدية الشراكة وللانتقال المدني الكامل لأول انتخابات قادمة.

من لم يستطع ان ينظر إلى أن هذه الفترة الانتقالية يجب أن تنتهي إلى انتخابات حرة ونزيهة بعد تحقيق سلام شامل مع كل المجموعات المسلحة وكتابة دستور دائم يحدد شكل ونظام الحكم في هذه البلاد، عليه ان يبحث عن حكومة غير حكومة ديسمبر، ويلزمه تحديد أسباب دعمة للفترة الانتقالية دون تلك التي تواثقنا عليها في الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي واتفاق جوبا لسلام السودان.

لا يمكن بل ومن المستحيل إجراء انتخابات مبكرة في هذه البلاد قبل تنفيذ بند الترتيبات الأمنية وهيكلة وبناء المنظومة الأمنية وإكمال ملف السلام مع من لم يكتمل معهم الحوار، ودون كتابة دستور دائم متفق عليه وتمكين النازحين واللاجئين من العودة إلى مناطقهم الأصلية وغيرها من التزامات التأسيس في الفترة الانتقالية التي تقوم على بناء نظام جديد على أنقاض الدولة القديمة. دون تحقيق هذه الاولويات؛ تكون الانتخابات المبكرة تكرار أعمى لتجارب لم تورث هذه البلاد سوي مزيد من عدم الاستقرار السياسي والمزيد من الحروب الأهلية والتظلمات الجديدة.

من غير الممكن ومن المستحيل ان نحقق نجاح والتفاف عريض حول أجندة الفترة الانتقالية دون الإلتزام الصارم والعمل الجاد والمستمر تجاه قضايا معاش الناس وحاجياتهم الأساسية وبناء قاعدة حوار مفتوح في كل قرى ومدن السودان تقوده قيادة الدولة بشقيها السيادي والتنفيذي. استمرار إدارة البلاد من الخرطوم يشكك في السمات المطلوبة لقادة فترات الانتقال التي نحتاج فيها إلى إلهام وتبصير المجتمعات بالأهداف الكلية للانتقال.  من غير الممكن بناء نموذج سوداني مستقل وقابل للحياة والتطور الا إذا تعاملنا مع التحالفات الإقليمية التي من حولنا بمسؤولية واستقلالية ووعي وطني كبير، فالبلاد التي من حولنا والمحاور التي تتنافس وتتصارع شكلتها عوامل عديدة وممتدة إلى ما وراء البحار والمحيطات، نمت في مناخات سياسية مختلفة عن مناخاتنا وفي تربة مختلفة عن تربتنا وتنازعات تاريخية واجتماعية وايدلوجية لا تمت إلى توجهنا الوطني الأصيل بصلة الا الحقبة الاستثنائية المنبتة خلال الثلاثين عام الماضية. ثم إن الثورة السودانية تختلف في كثير من منطلقاتها ووعيها وطاقاتها الذاتية عن تلك التي وقعت في الربيع العربي، فثورة ديسمبر ثورة تحرر من التبعية والاستعمار الداخلي ومن التبعية للنماذج الاقتصادية والسياسية والجاهزة، لكل ذلك فإن تعريف المصالح الوطنية والاتفاق عليها والاتفاق على إستراتيجية للعلاقات الخارجية الاقليمية والدولية ضرورة لبناء نموذج وطني قابل للحياة والتطور.

الطاقة التي نهدرها في التشفي والتشظي يجب أن تُستغل لبناء أسس القيادة الجماعية التي تقود المجتمع السوداني نحو التحول والانتقال الذي يفتح تاريخ جديد لهذا البلد العظيم ويحدد بوضوح أجندة ومطلوبات الانتقال، من الممكن جداً قيادة الانتقال من خلال منصة يوفرها تحالف سياسي عريض قائم على أجندة وطنية خالصة تحمي مصالح الشعب ويعمل على إنفاذ مهام الانتقال ومطلوباته المحددة في الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي، على الرغم  من قصر فترة الانتقال مقارنة مع كثرة المهام التي يجب إنجازها واتساع طموحات الجماهير وتعقيد وهشاشة ظروف الانتقال السياسية والاجتماعية نتيجة سياسات التقسيم التي عمل عليها نظام العهد البائد، وضعف أداء المنظومة السياسية نتيجة للأسباب السابقة ذاتها، يصبح هناك ضرورة ان تضطلع القيادة بدورها الروحي والوطني والوظيفي في توحيد الوجدان السوداني وتشكيل الوعي الجمعي وبناء طاقة بل طاقات إيجابية تحوِّل هذا الاستياء العام إلى أمل، يزيل الفجوة بين مجتمعات الريف الذي يشعر بالاستبعاد والتهميش مع المجتمعات المدنية التي نالت قدر كبير من الاهتمام بقضاياها رغم المعاناة التي تسيطر على طبقات كبيرة منها، تسعي هذه القيادة لبلورة اتفاق وتماسك مطلوب ومهم بين أطراف العملية السياسية، يعتمد تغيير أدوات الاتصال الجماهيري وتغيير طريقة موظفي الخدمة العامة إلى نموذج القادة الملهمين وما أكثر نماذجهم في القارة والإقليم، ان كان من غير الممكن تحقيق الكفاية الاقتصادية في الوقت الراهن وتلبية كل حاجيات مجتمعاتنا فليس من المبرر ان لا نصنع الأمل والثقة في المستقبل وسط السودانيين.

متابعة ومراقبة والإشراف على أداء مؤسسة الدولة البيروقراطية على المستوى المركزي والإقليمي/الولائي، ومراقبة الاداء العام لولاة الولايات، إن ضعف الاستجابة للحاجيات الضرورية للمواطن السوداني البسيط ناتج ليس فقط من ضعف الموارد المالية للدولة بقدر ما هو ناتج من الضعف الإداري وانعدام الإشراف المباشر على مؤسسات الدولة الخدمية والإيرادية، معظم السخط على الحكومة الانتقالية وتعثر ظروف السودانيين العاديين ناتج من الضعف البائن في الأداء الإداري وانعدام المحاسبة والإشراف على المؤسسات خاصة الايرادية والخدمية. وهو ما نتج عنه هذا السخط السياسي الذي أوشك ان يخلط ما بين واجبات الدولة تجاه شعبها وواجبات الشعب تجاه مبادئ ثورته وقضايا الانتقال الكبرى.

لكل ذلك أصبحت هناك ضرورة موضوعية وعاجلة لإنجاز ما يلي

١. تشكيل المجلس التشريعي وإكمال مؤتمر نظام الحكم الذي يتيح للمجتمعات المحلية الاصطفاف في حكومات محلية محددة الصلاحيات والسلطات ومحددة الموارد تمثل الحصن الآمن لفترة الانتقال والديمقراطية القادمة.

٢. استعجال تنفيذ اتفاقية جوبا وخاصة بند الترتيبات الأمنية وبدء هيكلة وبناء المنظومة الأمنية بحيث تستكمل كل مراحلها قبل الانتخابات العامة.

٣. استكمال ملف السلام مع القوى التي لم توقع بعد.

٤. استكمال ملف تفكيك التمكين السياسي والاقتصادي الذي مارسه النظام السابق ومعالجة آثاره.

٥. استكمال تشكيل المفوضيات المستقلة لاسيما مفوضية الانتخابات، إصلاح الخدمة المدنية، العدالة الانتقالية ومفوضية مكافحة الفساد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق