ثقافة وفن

من الخيمة إلى الروابي

لطالما كان المجتمعُ الأردني متكوّرًا على نفسه وخجولًا من الانخراط الجريء في استحداث القصص الدرامية والتلفزيونية. المتمعّن الجيّد يرى أن الدراما الأردنيّة اقتصرت لطويلٍ من العقود على حياة البادية وعاداتها وتقاليدها والزواج المقيّد على أبناء العمومة في أغلب الأحيان. أمّا إذا كان المخرج يتحلّى بنوعٍ من الشجاعة فإنّه يضيف بعض المشاهد العاطفيّة ذات الحُب العذري الكامن باستراق النظرات بين بطل المسلسل وفتاة من البادية دائمًا ما تكون حسناء الوجه، سمراء البشرة، كحيلة العينين، ذات شعرٍ أجعد طويل وكأنّه لفرسٍ عربية، واللقاء يكون عند بئر الماء. هذا وبالإضافة إلى محدوديّة الأعمال الأردنيّة التلفزيونيّة والتي غالبًا ما تكون محليّة ولا تخطو  أعتاب العالمية. إنّ هذا الوصف للإنتاج الدراميّ البدويّ ليس مدعاةً للخجل أو الاستغراب لأنّ السينما هي مرآة مجتمعيّة تعكس الواقع في كل حقبةٍ زمنيةٍ على حدى.

ارتوى المُشاهِد الأردنيّ من المسلسلات ذات الطابع البدوي وبدأ يشقّ نظره من الخيمة البدوية نحو السماء التي تضم بين ذراعيها العالَم أجمع باختلاف عقائده ومعتقداته وألوانه وجنسيّاته. ففي الآونة الأخيرة كَثُرت الأعمال الكوميديّة مع استمرار خلوِّها من الجرأة في طرح المواضيع, ويعود ذلك للمُشاهِد الأردني اللاذع في نقده إلى حدِّ الإهانة والسخريّة والتنمّر. لذلك إذا وضعنا الأعمال السوريّة والمصريّة في كفّة ميزان والأعمال الأردنيّة في الكفّة الأخرى فإن الأخيرة ترتفع لندرتها عددًا وهشاشتها جودةً ونوعًا. فالدراما الأردنيّة لا زالت تلهث راكضةً خلف الأفلام والمسلسلات والمسرحيّات السوريّة والمصريّة في ماراثون السينما, فهي تسبقنا عقود وعقود.

فئة من المجتمع الأردني لا زالت تفتقر إلى النقد البنّاء بالرّغم من حِسّ الثقافة العالي والوعي الذي يتمتع بهما غالبية المجتمع. هذه الفئة الضئيلة بارعة في التنمر -بعلمٍ أو بدون علم- وهذا ما دعا المخرجة الأردنية تيما الشوملي بالتعاون الدؤوب مع شيرين كمال لاختلاق مسلسل محدود يتألف من  حلقات ست تحت مسمّى “مدرسة الروابي للبنات” يتناول العديد من القضايا الاجتماعية الأساسية, كان من أبرزها الواسطة وتجاوزات القانون وغياب دور الأهل وتبعات وسائل التواصل الاجتماعي وجرائم الشرف مع التركيز على الفكرة الرئيسية التي  تتبلور حول التنمّر وعواقبه الوخيمة. هذا المسلسل الفريد من نوعه محليًّا يكشف الستار عن طاقات شبابية و مواهب أردنية يافعة ولكنّها دفينة وتستحق التحليق نحو العالمية. كان نوعًا من الذكاء أن يتم احتواء المسلسل في منصة الأفلام العالمية (نتفلكس) كفرصةٍ ذهبية لخروج السينما الأردنية من الشرنقة ومساعدة الوجوه الجديدة في الخطو على سُلّم الشّهرة والانتشار السّريع في زمنٍ ضجّت فيه الأفلام والمسلسلات وقلّت فيه الفُرَص.

الجهود المبذولة في هذا المسلسل الأردني مُدهشة سواء على الصعيدين الماديّ والمعنويّ بالمقارنة مع الإمكانيات المتواضعة للأعمال السابقة للمخرجة تيما الشوملي بشكلٍ خاص أو الأعمال السينمائية الأردنية بشكلٍ عام. إنّ التمكّن والخبرة قد صُبّت جميعها في هذا المسلسل فناتج التجارب السابقة لا يقتصر على الفكرة العامة، بل بالتفاصيل الصغيرة والانتقاء الدقيق للأغاني المحشوّة داخل المَشاهِد، فهي ليست للتسلية والترفيه فقط بل ذات معنى ثريّ يتلاءم مع المشهد المعروض والإحساس المطلوب إيصاله للمُشاهِد.

إنّ تباين الآراء والصراع على موضوع واحد هو أمر أزليّ قديم, يحدث كما حدث مع  الأخوة قابيل وهابيل فلا عجب ولا استغراب. فكم كان الأمر مقبولًا لولا أن قابيل قد قتل أخاه هابيل؟ وهذا ما ندعو إليه: رد التنمر والارتقاء بالنقد. فالمشاهِد الذكي يستطيع أن يميّز بين الأفكار التي يؤيدها وتلك التي يعارضها، فلا ينجرّ وراء ما يناقض فكره الثقافي وانتماءاته الروحانية. فعلى سبيل المثال لا الحصر فِكْر المخرجة هو فِكرٌ نسويّ بحت فخُذ منه ما يلائم معتقداتك وأفكارك واترك ما لا يستهويك جانبًا. إنّ تنافرك مع أفكار معيّنة لا يعطيك الكرت الأخضر للتنمر على الآخر وشتمه والتقليل من قدره وكرامته.

السينما الأردنية بعد “مدرسة الروابي للبنات” لم تَعُد كقبلها؛ فقد قفزت قفزةً طويلة وأمسكت بطرف السينما العربيّة كالمصريّة وغيرها. اللوم الأخير يقع على عاتق المشاهدين الأردنيين بعدم التصفيق لمحاولة جيدة كهذه, بل إنهم يتنمرون على مسلسل يحارب التنمر! إنّ التشجيع والتحفيز المستمرّين قد يخلقان فرصًا مستقبليّة مشرقة تُساهم في صناعة أفلام أردنيّة تنافس السينما العربيّة بل والعالميّة وتصل إليها وتسبقها في الماراثون.

(نقلا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق