ثقافة وفن

همسة وصل

العيش على الذكريات ... إقصاء للأنا و اغتيال للسعادة

ياسمين فلاحي

بين عاصفة المستقبل التي تهدد استقرار المرء و تزلزل منطقة راحته، و دوامة الحاضر التي تضع أمامه الخيار الأبدي إما بأن تتلاعب به كلعبة ”الماريونيت” فيصير دمية تتحرك دون بصيرة أو بأن يفرض خطواته على أوامرها فيستشعر زفير الحرية من قيود الظروف،  بين الحقيقتين  يقبع ذلك الماضي المهيب.

مزيج من اللحظات تغادر حياة الشخص منا كالشمس  بغروبها و تعود إلى ذهنه على هيئتين، إما قمر يضيء وسط سواد لحظة الآن أو غيمة تحجب عنه صفاء حاضره بظلامها.

يظل الماضي ذلك الركن الذي تعود إليه النفس إما لترتاح به أو ليكون عدو راحتها و في الحالتين يبقى كيانا يلم شتات الذكريات التي تراكمت على مدار سنوات و كونت الشخص الذي غدا المرء عليه فترسم بسمة الأمل المنبعث من جديد أو على عكس ذلك تقسو به و تحوله لقشرة صلبة تحتك بعناد في وجه من يعاديها، لكن في بعض الأحيان تُفَقد السيطرة و تُشَل الحركة و تَأخذ الذكريات زمام الأمور و تصير قبطانا في سفينة الحياة، بدلا من كونها مجذافا حاجته محدودة و آفاقه معدودة.

الأسوء أن يعيش المرء على الذكريات وحدها، و على أعقاب ذلك يصبح كالزاهد بلا إيمان و كالمركبة بلا مقود، عشوائية في عشوائية، تيهان وسط تيهان، و غرق عميق في بحر الأيام التي ولت، أن يتغافل عن لحظته الحالية و الآن المستمر و الدقيقة القائمة من أجل أخرى انتهت مدة صلاحيتها و صارت مجرد فترة تستحضر للامتنان لها كانت ذكرى سعيدة أو درسا صعبا لا يهم!، أن يفضل ماض عاشه في الأصل على حاضر لم تتسنّ له الفرصة ليستشعره بلحظاته المريرة و الممتعة، بصباحاته و أمسياته التي ستغدو هي الأخرى ذكريات حينما تلقي به الحياة في مستقبل غامض، أن يقتات على ما فات و يجعله مخدرا يقيه مواجهة القدر الحتمي و درعا حديديا أمام ذلك المستقبل المرعب الذي يتلاعب بذهنه بقسوة و يضع له موعدا مع كل ما له علاقة بكلمة ”سلبية”، هكذا يفكر المرء منا حينما تتغول فيه الذكريات و يغفل عن أنها سيف ذو حدين ككل شيء في هذا العالم المؤقت، حينما تُقصَى الأنا و يعلو الإنسان الذي كان عليه المرء سابقا فيتربع على العرش بسطوة دونما أي رغبة في أن يعطي أنا الحاضر أي فرصة لتحقق ذكريات أخرى مختلفة، إذ إن الإنسان في هذه الحالات يُسقِط بقلة حيلة التجارب السابقة على قادمة لا تشبهها، قد تمتلك نفس المفهوم و الإفادة، لكنها قطعا ليست بنفس الشعور و الحيثيات و التفاصيل و الإدراك، ليست بنفس النظرة و الأهم أنه و إن أمكن إسقاطها فتجارب الحاضر نسخ مجددة مما مضى و انتهى، لا ضير من خوضها بنفس جديد لا تقتطعه عثرات الرجوع للوراء و لا يخيفه بريق الندم.

و لعل الخضوع للماضي و إعطاءه أكثر من قيمته سبب رئيسي لهذه المتاهة المغلقة التي لا سبيل للخروج منها سوى بمحوها من الأساس من المخيلة، ليكتشف المرء أنها لم تكن في الحقيقة متاهة، بل كانت تلك زاوية نظره المشوشة لقطار الزمن.

و ختاما، في إحدى وصاياه، يقول الكاتب و الصحفي ”محمد الوطيان”:[ مهما تقدمت بالعمر؛ لا تجعل ذكريات الماضي تتفوق في احاديثك على احلام المستقبل]، لأنك ما أن تتهور و تفعل ستكون السبب الوحيد لاغتيال سعادتك التي ستظل أنت تتنفس فقط لتحاول استذكار حالك عليها و لن تستطيع حتى ! لأن ماضيك كان هو أيضا حاضرا لك في وقت ما و أهملته كما تفعل الآن بلحظتك الراهنة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق