ثقافة وفن

في حوار مع اﻷديبة العراقية باهرة عبداللطيف

ديوان لي منزل هناك ... ذاكرة وطن لاتنتهي

شخصية ثقافية استثنائية ربطت الشرق بالغرب من خلال الثقافتين العربية والإسبانية وامتداداتها اللاتينية.

وهي تعد من أهم الشخصيات النسوية العربية الثقافية بشبه الجزيرة الأيبيرية. 

هي كاتبة وأكاديمية ومترجمة وشاعرة وناشطة في حقوق المرأة عراقية وتقيم في مدريد منذ عام 1995. ولدت في بغداد و حصلت على البكالوريوس في اللغة والأدب الأسباني من كلية الآداب بجامعة بغداد عام 1979 بتقدير امتياز، كما حصلت على دبلوم عالي في الترجمة الفورية ودبلوم عالي في الترجمة التحريرية وبتقدير امتياز من جامعة أوتونوما بمدريد عام 1982. تحمل شهادة ماجستير في أدب أمريكا اللاتينية من جامعة اوتونوما بمدريد ودبلوم في دراسات الهجرة والتفاعل الثقافي. عملت أستاذة للغة والأدب الإسباني في جامعات عديدة من بينها جامعة بغداد وجامعتي أوتونوما وكومبلوتنسه بالعاصمة الإسبانية مدريد، وحاضرت في العديد من الجامعات والمعاهد الأخرى. تكتب باللغتين العربية والإسبانية، ولها العديد من الكتب المطبوعة بكلا اللغتين. تعد الضيفة  من أفضل المترجمات المتخصصات في اللغة الإسبانية على مستوى العراق والوطن العربي وإسبانيا. وقد حازت ترجمتها لكتاب “الغابة الضائعة” وهي مذكرات الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي، على جائزة أفضل كتاب مترجم في العراق عام 1993. كما حازت دراستها المعنونة “رجم” والصادرة بمدريد، على إشادات الكثير من الكتاب الإسبان المتخصصين في قضايا المرأة.

خلال أكثر من عشرين عاماً من إقامتها في مدريد، قدمت الكاتبة العشرات من المحاضرات عن الأدب العربي والإسباني وعن وضع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية، كما شاركت كأكاديمية وتدريسية ومثقفة في نشر الثقافة العراقية والعربية والإسلامية وساهمت بشكل فعال في ترسيخ ثقافة التعريف بالتراث العربي والإسلامي في الغرب من خلال تواصلها مع المثقفين الاسبان عبر مئات الندوات والدورات والكورسات والمهرجانات. بدأت بالنشر كصحفية وكاتبة من خلال مجلة “المرأة” العراقية أواخر السبعينيات، وأستمرت في النشر في أهم المنابر الثقافية الورقية والألكترونية منذ ذلك الوقت

ضيفة هذا الحوار المميز  ولأول مرة هي الدكتورة باهرة محمد  عبداللطيف للتحدث لنا عن عملها الأدبي الجديد والمتميز ديوان  لي منزل هناك / Un hogar tengo allí”

حاورها عبد الحي كريط

< لي منزل هناك، هي آخر دواوينك الشعرية لماذا اخترت هذا العنوان وماهو الدافع الرئيسي الذي دفعك إلى كتابة هذا العمل الأدبي المتميز ؟

> هذا الديوان هو استكمال لديواني السابق “حرب تتعرى أمام نافذتي” الذي تناولت فيه ثيمة الحرب بمعناها المجرد، والحروب التي خاضها بلدي العراق تارة ضد إيران وأخرى ضد الأمريكان لينتهي بأن يحتله الاثنان ويشيعا فيه الفوضى والدمار والميليشيات الطائفية التي تتسيد المشهد الآن وتكمم الأفواه بقوة السلاح.

تحت وطأة هذه الظروف يصعب الحديث عن وطن، عن منازل باعها أهلها مضطرين للنجاة بأنفسهم من أسباب الموت المتكاثرة التي تتهددهم في كل يوم، مع انعدام أبسط مقومات العيش الكريم لوطن كان يزهو -برغم الديكتاتورية- بنسيجه الاجتماعي المتعايش، القائم على التنوع والتعددية الدينية والعرقية والمذهبية.

في ظل هذا المشهد المأساوي، ما الذي تبقى من الوطن؟ على المستوى المادي، قليل. لكن على المستوى المعنوي، كل شيء، فهو الذاكرة والحلم، الأمس والغد، وسلسلة لا تنتهي من آلاف التفاصيل التي تتشكل منها الهوية وسماتها ومحدداتها وممكناتها. 

ما أقوله ليس مجازاً أبداً حين أتحدث عن القليل المادي المتبقي من الوطن، فنزوح العراقيين بالملايين نحو الخارج لم يتوقف يوماً، وترويع الأهالي الآمنين على أيدي الميليشيات الطائفية -الأذرع الترهيبية الضاربة لأحزاب الإسلام السياسي الحاكمة- لم ينقطع أيضاً. وكذلك المهجّرون، وهم بالملايين، من بيوتهم وقراهم يوم اجتاح إرهابيو داعش عام 2014 ثلث مساحة العراق -بتواطؤ مكشوف من ساسة متخادمين مع المحتلين- لم يعودوا حتى الآن إلى منازلهم، وما زالوا مع أطفالهم يعيشون في العراء في قيظ يصل إلى أكثر من 50 درجة مئوية صيفاً وتحت رحمة شتاء زمهريري قاسٍ. ناهيك عن جميع أشكال الفساد المستشري من اختلاس ونهب المال العام، وشيوع الرشوة واستغلال المنصب، وانعدام الرقابة المالية والقانونية وتسيد الطائفية في  كل مناحي الحياة. صحيح أن الفساد آفة النظم السياسية في العالم، وفي بلادنا العربية تحديداً، إلا إن ما بلغه في العراق من أرقام فلكية وأساليب مستحدثة، منذ الاحتلال الأمريكي وسقوط الديكتاتور عام 2003 حتى اليوم يعد ظاهرة فريدة في تاريخ الدول. فالدولة الفاشلة التي خلّفها المحتلون ويديرها عملاؤهم تقوم أصلاً على الفساد، ولن تنهض ثانية إلا باجتثاث الفاسدين ومحاسبتهم واسترداد المليارات التي نهبت جهاراً نهاراً. والأنكى في مأساة العراق، إن السراق معروفون والقتلة مشخّصون، تسيدوا سدة الحكم وتسلطوا بقوة الميليشيات وغياب سلطة القانون. في العراق اليوم تجد كثرة كاثرة من أحزاب سياسية مهيمنة، ولاؤها المطلق لأعداء العراق، قتلت الآلاف وشتت الملايين وسرقت وبددت في أقل من عقدين من حكمها أكثر من 1200 مليار دولار من عائدات النفط بينما معظم أبناء الشعب يتضورون جوعاً وفاقة.

قطعاً في هذا السياق تغدو كل الأشعار فقيرة وشاحبة في وصف المشهد القاتم المربك للروح الذي يتسيد منذ أعوام في  بلادي، إلا أن الشعر المقاوم للقهر والظلم لا يستسلم للواقع مهما بلغت بشاعته. وهذا ما يعول عليه كل الذين تتوق نفوسهم للحرية والكرامة الانسانية من الشعراء والكتاب. وهو الدافع والمحرض الأساس لكتابة ديواني الجديد هذا.

في ديواني “لي منزل هناك” ثمة رغبة للتشبث بمعادل الوطن: المنزل، بوصفه الملاذ الذي يوفر لنا الدفء والأمان. وعلى الرغم من كوني واحدة من هؤلاء الذين لم يعد لهم منزل في الوطن بمعناه المادي، لأني أعيش منذ ربع قرن في أسبانيا وأتفاعل مع الحياة فيها، فإن منزل الروح مقيم هناك، وسيبقى ما حييت.

< قرأت بعضا من نصوص ديوانك الشعري الجديد ولمست فيها حنينا إلى وطنك العراق مهد الحضارة الإنسانية، مامدى صحة هذا التوصيف

>نعم أنت محق، الحنين ثيمة ملازمة للشاعر وتكتسي أهمية أكبر حين يكون المرء بعيداً عن الوطن. هذا الحنين إلى الوطن يغدو حالة مرضية تعتل معها الروح حين تدرك ما يحدث من تخريب متعمد لتاريخه وحاضره، وتغييب لآفاق المستقبل فيه. حالة الخراب المرسوم بعناية على أيدي المحتلين، ومن والاهم وتقاسم معهم المغانم من الفئات الطفيلية، هو جرح راعف في قلب العراقيين الذي أخلصوا لتاريخهم وحضارتهم الإنسانية العريقة، وآمنوا بدورهم الخلّاق في التقدم والارتقاء بالانسان والإسهام في إغناء الثقافة العربية، والإنسانية على وجه أعم.

“حزنُ جلجامش”

أرضُ ما بينَ فِكْرَتيْن

تتلوّى عُمْراً بينَ جُرحيْن

تنزفُ أبناءَها

تباعاً

لتروي

أحفادَها

الظامئين.

أي عراقي، على قدر من الوعي، يدرك أن جرح الوطن النازف الذي يبكينا اليوم فنغضب منه وله، قد أفرحنا طويلاً بتاريخه وإسهاماته الإنسانية، بسرب بنيه من مفكرين وعلماء، من فنانين وأدباء وشعراء، وما زال  يسري في عروقنا ويتجول في ذاكراتنا بأجمل الاسماء: العراق، بلاد الرافدين، وأرض السواد… وهو أيضاً الأمل الدائم بالقادم والباعث الخفي والدافع لنا لكتابة الأشعار.

من هنا فإن نصوص ديواني الجديد “لي منزل هناك” تتحدث عن هذا الوطن بخرابه وأحزانه، لكن من خلال الأمل الذي انبثق بتظاهرات شبابه وشيوخه، نسائه ورجاله، قبل عامين في “ثورة تشرين الثاني/ أكتوبر” التي أوشكت أن تغير المعادلة السياسية على الأرض، لولا جائحة كورونا التي أعادت الجميع إلى بيوتهم بعد فرض الحجر الصحي.

وعلى الرغم من الهجمة الشرسة التي شنتها السلطة الحاكمة عبر أذرعها الأخطبوطية الميليشياوية من قتل قرابة 800 شهيد وجرح أكثر من عشرين ألف عراقي وإعاقة نحواً من خمسة آلاف مصاب -ترفض مؤسسات النظام علاجهم- وملاحقة وسجن الكثير من المحتجين، فالثوار هم أمل الوطن المستباح وشرارة الضوء التي تنير القلوب والعقول. كانوا وسيبقون أول الغيث الذي يبشر بالتغيير القادم، وهم بشارة الحرية وغدها المضيء ليعود العراق حراً سيداً كما كان دائماً. 

من هنا تجد أن نصوص الديوان تتحرك ما بين قتامة الواقع الراهن والأمل بالقادم وقد كتبت بعضها في أيام ثورة تشرين/اكتوبر الخالدة، وبعضها الآخر استشرفت فيه تلك الثورة إذ كتبتها قبل انطلاقها بأعوام، فالشعر يبشر دوماً بالثورة والشعراء أول الحالمين بها.

< ماهي التمثلات الفنية التي سطرتها في ديوانك؟

> في نصوص ديواني هذا تلمس الفكرة والموقف، بعيداً عن الحذلقات اللغوية والإسراف البلاغي، فالهم العام يشغلني كثيراً، سواء على مستوى الإنسانية أم في ما يتعلق بأوضاع بلادنا العربية من العراق حتى المغرب.

من هنا فالشعر بالنسبة لي ليس ترفاً أبداً، إنه حاجة ملحّة وتعبير عن لحظة انسانية-ضميرية عميقة. ونصوصي تطمح دوماً إلى تحريض القارئ على التفاعل معها ودعوته إلى التفكير العقلاني عبر أقل الكلمات، لأن الكتابة أياً كان جنسها لها هدف، والشعر الذي يخلو من الهدف يصبح محض تراكم لغوي لاجدوى منه.

أما ما حرصت عليه، وهذا هو ديدني في كل ما أكتب من نصوص شعرية ونثرية، فهو التكثيف اللغوي والاختزال، وترك مساحة من التأمل للقارئ كي يعمل خياله وفكره في النص. ما اكتبه ليس غنائياً، بل يطرح مشاهد أو التقاطات ومواقف تحرض على التفكير.

تعلمت من بورخيس العظيم -الكاتب الأرجنتيني الذي أحببته وتعمقت في شعره وعوالمه القصصية منذ أكثر من عشرين عاماً وتخصصت في أدبه- ضرورة الاختزال في الأدب والابتعاد عن الأسلوب الباروكي. ومع أنه بدأ حياته الأدبية باروكياً إلا أنه تخلى عن هذا الأسلوب المزخرف وغدا موجزاً عميقاً في كتاباته.

تعلمت منه أيضاً أن يكون للنص الشعري فكرة تدعو للتأمل وتستحث التفكير، وهذا ما كان يفعله هو شخصياً في شعره. لاكتشف لاحقاً أنه كان شديد الإعجاب بالفيلسوف والشاعر الأمريكي إميرسون، لأن شعره على حد قوله: “حافل بالأفكار”.

هذا النزوع نحو النص الشعري المشحون بالأفكار هو ما أسعى إليه، ربما لأني متعبة من غنائية شعرنا العربي المزدحم بالصور والاستعارات البلاغية والمفردات المتكلفة، ربما لأني أريد إيصال فكرة ما للقاريء بأقل الكلمات لأن جراحنا ساخنة والجمر يتقد بين أصابعنا ولا وقت لتسويد المطولات التي يعجز حتى القارئ عن قراءتها، لضيق الوقت وتزاحم الأولويات الملحة المتصلة بصميم حياته وكرامته الإنسانية.

< ماهي المدرسة الأدبية التي تأثرت بها في إخراج هذا المولود الشعري؟

> أقول بتواضع إني قرأت الشعر العربي بعناية، قديمه وحديثه، ولي اطلاع وقراءات شعرية بلغات عدة، وخصوصاً المدارس الشعرية الأسبانية المتعددة والمعروفة بغنى أصواتها الشعرية العالمية، كما أني أكتب الشعر بالعربية والأسبانية. وقد وجدت أن التيارات الشعرية في الغرب أكثر وضوحاً منها لدينا، الحديثة على وجه الخصوص، لأنها تلقى عناية ومتابعة سريعة وتخضع لدراسة متعمقة من قبل النقاد والباحثين. على خلاف ما يجري في بلداننا العربية التي تتأخر فيها العملية النقدية وتتخلف عن ملاحقة الأصوات والتوجهات الجديدة في الشعر، وغالباً ما تأتي هذه الجهود النقدية فردية بطيئة.

الشاعر حين يكتب غالباً ما لا يشعر بتأثره بهذه المدرسة أو تلك، ليأتي دور النقد لاحقاً في تشخيصه. غير أن الأجدر بأي راغب في الكتابة أن يتحاشى التقليد من خلال عملية التأثر.

في هذا الصدد أذكر أن ورشات الكتابة الأدبية الغربية تخضع الطلاب المنخرطين فيها لبعض التمرينات الكتابية. من بينها على سبيل المثال، كتابة نص أدبي على غرار هذا الكاتب المعروف أو ذاك، أو بتقليد أتباع هذه المدرسة الأدبية أو تلك. وحين يتقنون هذا التمرين تماماً، يطلب منهم الأستاذ بعد ذلك أن يكتبوا نصهم بعيداً عن أي من تلك الأساليب.

بهذا المعنى أنا أحاول الكتابة بعيداً عن التأثير الذي يمارسه علي كتاب أحبهم. وأحسب أن نصوصي تشبهني في بساطتها وتأملها، في حرارتها وعاطفتها المسوسة بالعقل.

< ماهي القيم الإنسانية التي جاء بها لي منزل هناك؟

> الانتصار للانسان المغلوب على أمره بفعل العسف ومنطق القوة والهمجية التي تسود في حقبة ما، والدعوة لتغيير الواقع مهما اشتد التنكيل يمثلان هاجسي الأكبر. أنا فزعة من هذا المشهد الدامي، من القتل في عز الظهيرة بالرشاشات أو بالمسدسات الكاتمة للصوت التي أنهت في لحظات حيوات واعدة لشباب وفتيات رائعين في العراق على مدار الأعوام الماضية وما زال. لذا تحدثت عنهم، وتوقفت عند الفتيات الغاضبات اللواتي قدن مسيرات وتلقين الرصاص بشجاعة عز نظيرها. كما أشارت إلى زيف أحزاب السلطة المتأسلمة والمتحاصصة طائفياً التي أحالت التقويم الوطني إلى مناسبات لا تنتهي من البكاء والعويل على رموز دينية لها مكانتها على مدى التاريخ لكنها تستخدم اليوم لبث النعرة الطائفية واستعداء نصف الشعب على نصفه الآخر.  وجوه وأحزاب تلفعت بعباءة الدين وأساءت إلى الإسلام وقيمه، هي نفسها تتسابق هذه الايام لتجري قريباً انتخابات تجدد فيه بقاؤها جاثمة على صدور الشعب المقهور.

تحدثت أيضاً عن الخوف وانعدام الأفق الذي يدعو الشباب للبحث بضراوة عن فرصة للهجرة، عن أمهات واجفات يرتعدن قلقاً على أبنائهن، كما أني تحدث عن مشاعر الخوف والخذلان، عن تواطؤ الانسان الجبان الذي يتآلف مع عبوديته… وكثير من التفاصيل اليومية التي يحياها الانسان في عراق اليوم والتي يشترك فيها كثير من مواطني البلاد العربية الأخرى والتي هي هموم وقواسم مشتركة لإنسان كوكبنا.

لا يفوتني هنا الإشارة إلى أن ثيمات الشعر في مجتمعات الغرب المستقرة باتت أقل تنوعاً بعد أن وفرت مجتمعات الديمقراطية والرفاهية للغالبية احتياجاتها الأساسية. أما قضايا الحرية وصراع الانسان ضد الاستبداد وقوى التسلط والعسف التي هي وقود الشعراء في اي زمان ومكان فلم تعد تشغل سوى قلة منهم لا تزال متضامنة مع الشعوب الأخرى. لذا تجدهم الآن يتوجهون بأشعارهم إلى انشغالات شعرية تخص البيئة والأرض بوصفها الأم التي يسيء إليها الإنسان من خلال قطع الغابات الجائر والانبعاثات الحرارية التي تهدد الكوكب..إلخ.

< باعتبارك كأبرز الوجوه  العربية الاكاديمية والأدبية بشبه الجزيرة الأيبيرية من خلال أعمالك الغزيرة في القصة والأدب والشعر وباللغتين العربية والإسبانية ،ماهو مستقبل الكتاب العرب الذين يكتبون بالقشتالية ؟

> عدد الكتاب العرب من المشارقة ممن يكتبون باللغة الأسبانية قليل جداً من العراق وسوريا وفلسطين ومصر والأردن ولبنان…، أما من المغاربة فالعدد أكبر بحكم عاملي التاريخ والجغرافية وهناك علاقات ثقافية أكثر حضوراً ما بين أسبانيا وكتاب المغرب تحديداً، وكذلك مع الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا.

أما عن مستقبل هؤلاء الكتاب فما زال هامشياً إلى حد كبير، باستثناء حالات نادرة تماماً يتسنى لها الحصول على جائزة أدبية ما، تمنحها بعض الدعاية الإعلامية المحدودة التي سرعان ما تخفت.

< الذين يكتبون بالاسبانية لم ينالوا الشهرة التي حضي بها الكتاب الذين كتبوا بالفرنسية أو الإنجليزية ،علما ان الثقافة الاسبانية هي الاقرب بل وتوأم الثقافة العربية ،أين هو الخلل برأيك ؟

> السبب يكمن في كون أسبانيا بلد منتج للأدب والفن في شتى الفروع، فهي منجم للإبداع لا يسهل معه تميز الأجنبي الوافد بسهولة، وثمة طوابير من المبدعين الأسبان في شتى الميادين، يليهم كتّاب أمريكا اللاتينية من المقيمين فيها، وكلاهما يسبق الكتّاب العرب.

بينما نرى أن بعض الكتاب العرب الذين استقروا في البلدان الأوروبية الأخرى وجدوا منافسة أقل ودعماً أكبر من المؤسسات الثقافية القائمة فيها، كما وفرت لهم دولهم الحاضنة ظروف اللجوء المناسبة من سكن وضمان صحي واجتماعي مهدت لهم مسيرة الإبداع. على خلاف الحال في أسبانيا حيث يندر الدعم المؤسسي ويجد الكاتب العربي نفسه محاصراً بشروط الحياة المكلفة ومتطلباتها التي ينوء بها لأكثر من عشرة أعوام في الأقل، قبل أن يصبح مواطناً له حق العمل وتأمين متطلبات حياته وحياة أسرته، ومن ثم يتفرغ لإبداعه. ويبقى النشر هو المعضلة الكبرى، ما بين دور النشر العربية وحقوق المؤلفين الضائعة، ودور النشر الغربية المغالية بكلفها واشتراطاتها.

في حالتي وحالة زملائي من الكتاب العرب، جميعنا ناضلنا طويلا كي نسوي أوضاعنا الحياتية، ونبقى أوفياء لمهمتنا الثقافية وتوقنا الأدبي والمعرفي. وقد نجحنا إلى حد ما، فنحن معروفون ومقدرون في الدوائر الثقافية والأكاديمية، لكننا ما زلنا بعيدين عن القراء العاديين.

< كلمة أخيرة؟

> كثر الشعر في زماننا هذا بفضل وسائل النشر المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي وفرت الفرصة لأي شخص لكتابة ما يريد وفي الوقت الذي يشاء، بعيداً عن أي غربال فني أو ثقافي باستثناء ما يتوفر عليه الشخص من عدة نقدية-معرفية. وهذه الكثرة من الشعر أو -ما يزعم كونه شعراً أحياناً- جعل القارئ الجاد يعزف عن قراءة الشعر لاختلاط الغث بالسمين، ولا ألوم أحدا على عزوفه. ولا ننسى عاملاً آخر، وهو انتشار الرواية العربية على نحو بات فيه ينافس الشعر.

هذا الاستسهال في النشر زاد الكم على حساب النوع، وهي مشكلة حقيقية لأي شاعر جاد يجد نصوصه ضائعة في بحر من النصوص التي تفتقر إلى أبسط مقومات اللغة العربية السليمة، قبل الحديث عن مستلزمات الشعر.

وتبقى المهمة الأصعب لمن يكتب الشعر في إيجاد صوت خاص به، من خلاله يعرفه الآخرون. صوت يخفف قليلاً من وحشة القارئ ويمنح الشاعر شيئاً من رضاً عابر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق