سياسة

السودان وقطر … شارع حيوي وانتخابات بمشاركة المرأة

محمد المكي أحمد

الورقة الأولى: حراك الشارع

رغم أن التحالف الجديد بين قوى سياسية و(حركات كفاح مسلح) في 2 أكتوبر 2021 حمل عنوان (ميثاق التوافق الوطني لوحدة قوى الحرية والتغيير) وطرح مسألة (استعادة وحدة قوى الحرية والتغيير) فان ما جرى يعكس عملية فرز جديدة، تؤشر إلى ارتفاع معدلات تشرذم (قوى الحرية)، التي انقسمت إلى جناحين وربما ثلاثة، فكل طرف يرفع لافتة (قوى التغيير) وشعارات (حرية، سلام وعدالة) وفقا لرؤيته للأشياء.

هل تلعب خلافات شخصية وتباين توجهات سياسية ومصالح دورا في عمليات الفرز، أم أن من أسبابه الجوهرية نجاح (المكون العسكري) في مجلس السيادة في استقطاب شخصيات مدنية؟

أيا تكن الأسباب ومسارات العلاقة بين (قوى الحرية) المتصارعة، فان التظاهرات التي بدأت في الثلاثين من سبتمبر 2021 في الخرطوم ومدن سودانية، وصافرات قطاري ثوار (الجزيرة) و(عطبرة)، شكلت الحدث الإيجابي الأبرز، لأنها أرسلت رسائل، تدعم في (الشوارع التي لا تخون) طريق التحول الديمقراطي، وتدين أية محاولة إنقلابية، أو عرقلة للانتقال بأساليب واضحة، أو ملتوية.

التظاهرات غداة المحاولة الانقلابية في 21 سبتمبر 2021 هتفت لـ (الحكم المدني) و (الجيش جيش السودان) و (لا للحكم العسكري) ما يؤكد أن نبض شباب ديسمبر حي وفاعل، وأن قوى الشارع تدفع بعجلة التغيير إلى الأمام، رغم كل التحديات والمؤامرات.

حراك الشارع أرسل أولى الرسائل إلى قادة عسكريين، مضمونها أن (الجيش جيش السودان) وهذا يعكس نضجا في التعامل مع المؤسسات العسكرية والأمنية، لأنها ملك الشعب، وتضم أبناء وبنات السودان، ما يتطلب ابعادها عن السجال، وأي خلط للأوراق بين المؤسسات ومن يتنمر على (شركاء)، وهذا لا يلغي حق النقد للمسؤولين كافة، والمطالبة المشروعة بإصلاح وهيكلة القوات العسكرية والأمنية.

رسالة التظاهرات إلى (المكون العسكري) تدعوه إلى إعادة النظر في موقفه تجاه (شركاء) من دون (وصاية)، وهذا يتطلب أن يُعد ويدرس رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد الدعم السريع الفريق محمد حمدان تصريحاتهما بدقة، ويكُفا عن إطلاق العنان للسان، وهذا ينطبق على بعض القيادات، السياسية، العشوائية، والحل يكمن في خطابات مكتوبة كما يفعل رئيس الحكومة دكتور عبد الله حمدوك، وأحيانا دقلو، لتجنب الكلام العشوائي، والوقوع في أخطاء تضر بأصحابها، وتشعل حرائق سياسية.

التظاهرات وجهت رسالة إلى الحكومة الانتقالية، ورغم الانتقادات التي وجهتها قوى في الشارع والوسط السياسي للحكومة، بشأن بعض الملفات، ومسايرتها لانتهاكات (المكون العسكري) للوثيقة الدستورية، فان (الحكم المدني) ولجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو) تلقيا دعما معنويا كبيرا من المتظاهرين.

الشارع لم يُدر ظهره لـ (الحكم المدني)، رغم الغضب الشديد، هذا يعني أن تفتح الحكومة آذانها، لتسمع كلام من يبكيها لا من ينافقها، ويغض الطرف عن أخطائها، فيضللها، فتتوه في الغياهب.

رسالة التظاهرات وصلت إلى بريد (قوى الحرية) بأحزابها وحركات (الكفاح المسلح) المشاركة في الحكومة، لعلها تعالج سلبيات الأداء السياسي والتنفيذي، في كياناتها، وعملها المشترك، وداخل الحكومة، وهي في مسيس الحاجة إلى استعادة اللُحمة والتماسك، ففي وحدتها قوة، وفي شتاتها ضعف، وفتح لدروب التآمر على الثورة، والاستهانة بهذه القوى التي تتصارع.

من أهم الرسائل أن المجتمع الدولي يدعم (الحكم المدني)، وهذا ما أكده الاجتماع الأممي الذي نظمته الأمم المتحدة والنرويج، الأسبوع الماضي،  إذ برزت مواقف دول كبرى، وفي الإقليم أكدت(أننا ندعم الفترة الانتقالية) و(ندين المحاولة الانقلابية) و(مستعدون لدعم السودان سياسيا وماليا) و(متضامنون مع الشعب السوداني وخياره الديمقراطي) و(نرحب بالخطوات الإصلاحية الاقتصادية والشاملة) و(اتفاقية جوبا للسلام لم تطبق بشكل كامل) و(السواد الأعظم من السودانيين ملتزمون بالتحول الديمقراطي) و(أميركا وأوروبا وافريقيا تدعم السودان) و(قلقون من انعدام الأمن في الفترة الانتقالية) و(شطب الديون بدأ) و(ندعو إلى تشكيل المجلس التشريعي).

هذه مواقف محترمة، لكن المحك الذي يختبر (قوى التغيير) بجناحيها أو أجنحتها و(المكون العسكري) وموقعي (ميثاق التوافق الوطني لوحدة قوى الحرية) يكمن في تشكيل (المجلس التشريعي) كأولوية، للسودانيين، ودول العالم، وستكشف كيفية التعامل مع هذه المسألة، إيجابية المواقف، أو تفضحها.

الورقة الثانية: انتخابات قطر

انتخابات مجلس (الشورى) القطري، التي جرت 2 أكتوبر 2021، واُعلنت نتائجها في اليوم التالي، مهمة للقطريين والحقوقيين، لأنها الأولى من نوعها، وهي استحقاق دستوري، وشكلت حدثا تاريخيا، وخطوة حيوية نحو تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار، واتاحت فرصا للتعبير عن الرأي، بشأن قضايا وتطلعات المواطن، في فترة الحملات الانتخابية.

تابعت الشؤون القطرية يوميا، وميدانيا، على مدى ثلاثين عاما، خصوصا التطورات الإيجابية التي تسارعت ايقاعاتها، منذ العام 1995، وفي صدارتها قرار أصدره أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي يوصف بـ (الأمير الوالد) في 13 يوليو 1999 وتم بموجبه تشكيل لجنة لإعداد دستور دائم.

الاستفتاء الشعبي على (وثيقة مشروع الدستور) جرى في 29 أبريل 2003، وتمت الموافقة الشعبية عليه بـ 96,6 من نسبة التصويت، ثم صدر الدستور في 8 يونيو 2004.

هذا يعني أن انتخابات (مجلس الشورى) هي نتاج دستور، وها هو أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خطا خطوة عملية، بتطبيق بند في الدستور، نص على انتخاب المجلس، وجاء فيه أن (السلطة التشريعية يتولاها مجلس الشورى) وأن (المجلس يتكون من 45 عضوا، يتم انتخاب 30 منهم عن طريق الاقتراع السري المباشر، ويعين الأمير الأعضاء ال 15 من الوزراء أو غيرهم).

من أهم مواد الدستور، الفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، وحق المرأة في الترشيح والتصويت، وحرية الصحافة واستقلال السلطة القضائية، وأن (المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات) وانهم (متساوون أمام القانون، لا تمييز بينهم، بسبب الجنس أو الأصل، أو اللغة، أو الدين) كما حدد الدستور صلاحيات الأمير واختصاصاته.

تميم أوفى بوعده بإجراء الانتخابات، واحترم الاستحقاق الدستوري، هذا يصب في مجرى صدقيته، ويؤكد مواكبته لروح العصر، ووعيه بضرورات مشاركة الشعب، عبر برلمان منتخب، لمناقشة قضاياه، وهذا احترام لحق من حقوق الإنسان، وخصوصا حق العبير، والمشاركة الشعبية.

صدقية تميم بدت في خطاب في13 نوفمبر 2021 في مجلس الشورى (المُعين بقرار أميري) إذ قال (نتطلع لمجلس شورى منتخب في القريب العاجل) ثم حدد موعد الانتخابات، ويرى رئيس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ خالد بن خليفة بن عبد العزيز آل ثاني أن (الشعب القطري بمشاركته في الانتخابات سطر إنجازا تاريخيا جديدا يضاف إلى رصيد بلدنا في توسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار)

كتبت في 21 نوفمبر 2019 تعليقا عن تعهد تميم بإجراء انتخابات مجلس الشورى أن (انتخابات مجلس الشورى ستنقل قطر إلى مرحلة جديدة، لتعزيز وترسيخ دولة المؤسسات، التي وضع حجر أساسها “الأمير الوالد” الشيخ حمد بن خليفة)، وها هي قطر تفتح صفحة جديدة في تاريخها، على طريق بناء مؤسسة تشريعية منتخبة.

حقائق المشهد الانتخابي متعددة …

من الحقائق أن أول تجربة انتخابية،  خاضها (رجال الأعمال) في مارس 1998، ولم يكن المشهد مألوفا في فندق (شيراتون الدوحة)، كنت هناك،  رشحت إمرأة نفسها، لكنها اُستبعدت من خوض الانتخابات، لأنها تعمل في قطاع حكومي، وكتبت في ذلك التاريخ القديم أن حلبة المنافسة خلت للرجال من أصحاب الملايين من الريالات،  والاستثمارات الكبيرة،  لكن وجوها شابه، خاضت الانتخابات، إلى جانب “الحرس القديم” .

من الحقائق، أن مشاركة المرأة،  وهي الأولى من نوعها، كانت في الانتخابات البلدية في 8 مارس 1999، بالترشيح والانتخاب،،  وأثارت آراء متباينة، تراوحت بين مؤيد ومعارض لقرار منح المرأة حق الترشيح والانتخاب.

ضمن الحقائق أن 18 شخصية قطرية اعترضت على قرار الأمير السابق الشيخ حمد بمنح المرأة حق الترشيح والانتخاب في الانتخابات البلدية،  و اعترضت على تعزيز دور المرأة القطرية،  وقام ممثل تلك الشخصيات في أول يونيو 1998 بتسليم (عريضة) إلى مجلس الشورى(غير المنتخب آنذاك) وقال أصحاب العريضة إن (فتح المجال للمرأة على مصراعيه للمشاركة في مختلف الأعمال بلا استثناء، يُسبب الاختلاط المحرم، ويؤدي إلى خسارة المجتمع لدور المرأة الحقيقي واستبدالها لتصبح رجلا آخر).

انتصر توجه القيادة العصري، الذي شدد على ترسيخ دور المرأة في المجتمع، وتابعت عن قرب أدوار الشيخة موزا بنت ناصر المسند، زوجة الأمير السابق الشيخ حمد،  التي لعبت أدوارا حيوية في هذا الشأن، وأدت إطلالتها وصورتها عبر وسائل الإعلام القطرية وقيادتها لهذا التوجه عمليا، إلى تشجيع قطريات للظهور على الساحة، ما شكل حدثا غير مسبوق، و صادما لكثيرين، وهكذا اتسعت دائرة حضور حواء القطرية، فأطلت وجوه وعقول تتمتع بعلم وإرادة وقدرات ووعي في مجالات عدة.

المرأة القطرية التي خاضت انتخابات (الشورى)،  مرشحة وناخبة، سجلت حضورا في لجان الانتخابات التي ترأسها قضاة في 30 دائرة انتخابية، وكان بينهم قاضيات ثلاث، ورغم أن الحظ لم يحالف أيا من المرشحات الـ 26 فان حقوق المرأة الانتخابية باتت مصانة دستوريا.

هذا معناه أن انتخابات (الشورى) تُعبر عن إرادة سياسية،  وتطور مؤسسي، يحترم حقوق المرأة، في مجتمع (محافظ) ويُتوقع أن يعين الأمير وفقا للدستور 15 شخصية، بينها وجوه وزارية وشخصيات وخبراء ولا أستبعد حضورا للمرأة في هذا الإطار.

أتوقع أن تخطو الحكومة ومجلس الشورى المنتخب خطوات تشريعية إصلاحية جديدة، دعما لحقوق القطريين والمقيمين على أرض قطر، في إطار الإحترام لحقوق الإنسان.

برقية:

مبروك  للقطريين.. قيادة وشعبا .. والحقوقيين.. العُرس الانتخابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق