سياسة

سفينة بَوْح

لن يمُر مرور الكرام!

هيثم الفضل

أتضَّح وبعد عامين ونيف من انتصار ثورة ديسمبر المجيدة واستلام الحكومة الانتقالية لمهامها ، أن مقولة (إبعاد) المؤتمر الوطني كحزب وكوادر من فعاليات الحراك السياسي وإدارة شئون الدولة السودانية ، مُجرَّد شعار وهمي لا يمُت إلى الحقيقة والواقع بصلة ، إذ أن الذي يحدث الآن فعلياً وبعد أن بدأت تتكشَّف سُتر المسكوت عنهُ من حقائق ، خصوصاً بعد أن وصلت خلافات المكونَّين العسكري والمدني حد التلاسُن الصريح ، أن المؤتمر الوطني وكوادره ما زالت لهُ الكلمة العُليا وهو الذي يأمر وينهي حتى في أضابير سريان العدالة ، رغم كافة المجهودات التي يبذلها المخلصون في ترسيخ مسار التحوُّل الديموقراطي ، والذين كُنا نعتقد أن أصلبهم وأقدرهم على المواجهة هي لجنة إزالة التمكين ، ولكن وبعد المؤتمر الصحفي الذي عقدته اللجنة أول أمس الثلاثاء والذي أعلنت فيه نجاح فلول العهد البائد بالقضائية في تحدي القانون والدستور قبل تحدي اللجنة ، عبر إلغاءها لقرارات مُتعلِّقة بفصل عاملين وقُضاة في الهيئة القضائية ، آن لنا أن نعترف أن كل ما بُذل من تضحيات لا يساوي سوى القليل من ما تقتضيه ملحمة التغيير وبناء دولة المؤسسات والقانون والعدالة .

القراءة البسيطة وغير المُتعمِّقة للقانون الخاص بمهام لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو ، والتي تتيح (للعامة) من غير المُتخصصين ، الاستوثاق من أن بنودها احتوت بوضوح على قاعدة إجراءات يقوم بإتباعها المُتضرَّرين من قراراتها التي هي في نهاية الأمر مٌجرَّد اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب والتجاوزات ، هذه الإجراءات التي تُعرف بـ (المسطرة الإجرائية) ، ويتم إرفاقها عادةً مع كل قانون  ، تفيد بنودها بوضوح أن إجراءات التظلُّم من القرارات المٌتخذة بموجب قانون التمكين تبدأ بمراحل تنظرها جهات اختصاص مُحدَّدة وعبر تُراتبية مُعيَّنة ، أولها المُراجعة ، وثانيها الاستئناف لدي لجنة الاستئنافات (التي لم يزل قرار تكوينها عالقاً بالمجلس السيادي تحت مغبة المماطلة والتسويف ) ، وثالثها الطعن لدى الدائرة القضائية المُختصة بقرارات اللجنة والتي يكوِّنها رئيس الهيئة القضائية ، والأحكام الصادرة من هذه الدائرة تعتبر نهائية ولا يمكن مُراجعتها ، وما حدث في الأيام الماضية أن بعضاً من فلول النظام البائد الذين صرَّحوا أنهم لا يؤمنون من حيث المبدأ بفكرة إزالة التمكين ، وقد أفصحت اللجنة عن أسماء بعضهم في مؤتمرها الصحفي الأخير ، قاموا أولاً بتجاوز الأسس العدلية التي يقوم عليها تكوين الدوائر القضائية التي تنظر في الطعون وذلك من حيث كونها مٌتعدِّدة (ثلاثة دوائر) وكذلك من حيث عدم تناسب الرُتب والدرجات المهنية لقضاتها ، وثانياً تجاوز مرحلة أساسية من مراحل مسطرة إجراءات الشكاوي والخاصة بالاستئناف لدى لجنة الاستئنافات والتي لم يتم تكوينها بعد ، وثالثاً تجاوزوا بكل تحدي وعدم اكتراث لأعراف ومُقتضيات البحث والتقصي العدلي المنصوص عليه في القانون العام وفي بنود قانون إزالة التمكين والمُتمثِّل في طلب المعلومات والأدلة والقرائن التي يتمكَّن بواسطتها قضاة الدائرة القضائية من استنباط الحقائق التي تتيح لهم إرساء قواعد العدالة لصالح المُستحق سواء أن كان الشاكي أو اللجنة ، والدليل على ذلك إفصاح اللجنة في ذات المؤتمر الصحفي أن المحكمة المعنية والتي هي في الحقيقة ليست جهة اختصاص من ناحية تراتُبية الإجراءات لم تُكلِّف نفسها عناء طلب ملفات القضايا التي نظرتها وأصدرت فيها أحكاماً مفادها إلغاء قرارات اللجنة بفصل عدد من العاملين والقضاة في الهيئة القضائية.

مُجمل المُستفاد أن بالقضائية رجالٌ يؤكِّدون انتماءهم للمؤتمر الوطني وتصديهم للزود عن كوادره فيها، ويستخدمون ذات الأدوات التي صنعها تاريخ من التجاوزات والاستهانة بالقانون والمصالح العليا المُتعلِّقة بإرادة ومطالب الشعب السوداني   إبان حُكم حزب الفساد الوطني، ومن لا يتورَّع عن تجاوز القانون في غضون الحكم الانتقالي الديموقراطي، لا يتورَّع عن قتل المعارضين والتنكيل بهم والتلاعب بحق الشهداء والذين أُغرقوا في قاع النيل مُكبلين في القصاص والإنصاف، الأمر هذه المرة جلل ولا يجب أن يمُر مرور الكرام.

غريب ومُريب ومفضوح!

استماتة المكوِّن العسكري بمجلس السيادة في بذل الجهود الرامية لاستمرار مثول العراقيل التي تحول دون بناء الدولة الديموقراطية المدنية عبر شتى السُبل ، تجعل بعض (الأبرياء) يتساءلون عن الأسباب الدافعة لذلك انطلاقا من كون الوثيقة الدستورية التي تم التوافق والتوقيع عليها ، قد جزم جميع المراقبون وقت تحريرها احتواء بنودها على الكثير من (التغوَّلات) على حقوق وسُلطات الشركاء المدنيين ، أما الإجابات وبالرغم من أنها لا تستند على دلائل ملموسة ومنظورة في الواقع السياسي المُرتبك الذي بات يحيط بمصالح البلاد والعباد مؤخَّراً ، فيمكن استنباطها من واقع تسلسُل أحداث المُخطَّط الانقلابي الذي يتم تنفيذه الآن ، والذي يُشير بوضوح إلى أن كل ما يحدث الآن من تواتُّر(غريب ومُريب ومفضوح) للأحداث المُفضية إلى إرباك الفترة الانتقالية وإفشالها أو إجهاضها لتلد فأراً، أصبح أمراُ مُستغرباُ ومُلفتاً للأنظار بالقدر الذي جعل عامة الناس يستغربون هذا الترتيب المُنظَّم للأحداث المؤسفة والمُحبطة التي أصبحت تتراءى كأنها مسرحية سمجة ورديئة الإخراج ، انطلاقا من سذاجة حبكتها التي لم تحترم عقلية الشعب السوداني بكل ما في جُعبته من وعي وإدراك لمطالبه الثورية الواضحة التي لا تقبل التأويل وفي مقدمتها بناء دولته الديموقراطية المدنية.

(الأبرياء) لا أظنهم محتاجون إلى التساؤل مرةً أخرى إذا علموا وآمنوا بمبدأ ما بُني على باطل فهو باطل ، إذ أن ثورة ديسمبر المجيدة كانت على ما يبدو نصف ثورة ولم تكتمل ، وقد رضي الشعب فيها بالسكون والهُدنة بعد مجزرة القيادة عبر إشارات أصدرتها قياداتهُ الثورية آنذاك تحثهُ وتدفعهُ دفعاً للقبول بأنصاف الحلول حقناً للدماء ، على أمل استكمال مسيرة التحوُّل الديموقراطي إتكاءاً على التمنيَّات بنجاة الثورة والفترة الانتقالية عبر إعمال (معالجات مستحيلة) تعتمد على المثالية و(الرومانسية السياسية)  لرأب تصدُّعات هذه الشراكة المعيبة شكلاً ومضموناً ، والتي لم يدع لها مستنقع الغدر المُستبطن منذ بدايتها سبيلاً للوصول إلى بر الأمان. في البدايات كنا نظن أن العلاقة بين الفلول وبقية مُهدِّدات التحوُّل الديموقراطي وبين المكوِّن العسكري في السلطة الانتقالية ستتلاشى وفقاً لتضاد المصالح تحت افتراض أن القيادات العسكرية في المجلس السيادي قد تعلَّمت الدرس وعرفت واستوثقت من الوجهة التي يقود إليها الشعب السوداني بلاده الحبيبة ، ولكن في النهايات وأقصد بالنهايات ما تبقى من أيام في عُمر رئاسة المكوِّن العسكري لمجلس السيادة ، أصبحت تلك العلاقة في تمّدَّد مُستمر ومُتناغم لا تردعهُ القيَّم الأخلاقية ولا روح الانتماءات الوطنية ولا حتى هواجس الخوف على مصير البلاد والعباد من الفتن والانقسامات ، فباتوا (يُجاهرون) بالعداء لإرادة هذا الشعب المارد الجبَّار ، عبر محاولات إخضاعه قسراً بالعوز والحاجة والمرض والتخويف للاستجابة لابتزازاتهم مستخدمين أشواقه لمدنية الدولة كقُربان يتم التلويح باغتياله كلما ضاقت بهم الدوائر ، هل يتساءل العسكر بالمجلس السيادي لماذا يتهمهم الشعب السوداني بالتواطؤ مع الفلول عندما افتعلت الأزمات الخاصة بالخبز والوقود ، وعندما تشتعل أسعار العملات الأجنبية عقب كل مؤتمر صحفي تعقدهُ لجنة إزالة التمكين ، وعندما تؤرِّق الانفلاتات الأمنية المواطنين في العاصمة والولايات المختلفة وعندما تتكاثر تصريحات رئيس ونائب رئيس مجلس السيادة حول فشل المكوِّن المدني وهو في أوج نجاحاته وإنجازاته الاقتصادية والعلائقية مع العالم الخارجي ، وعندما يطالب الناظر ترك بإلغاء مسار الشرق وتنَّحي الحكومة الانتقالية وحل لجنة إزالة التمكين ، وأخيراً عندما يتم إسدال الستار عن عروض لا يقبلها المُتَتبِّع الفطِن لتاريخ النشاطات المُتطرِّفة في السودان لتستهدف تسجيل اسم السودان في أذهان العالم بأنه دوله غير آمنه ومُدجَّجة بالدواعش ؟ ، هل ما يسعى إليه القائمين على كل تلك المؤامرات ضد الشعب السوداني تستحق ما يُهدر فيها من أرواح وموارد وإحباطات عامة ؟ ، ليتهم يعلمون أن النصر حتماً في النهاية لن يكون إلا لإرادة الشعب التي مهرها بأرواح الشهداء ودماء الجرحى وجلد الذين ما زالوا يقبضون على جمر القضية.

حلول إبداعية!

ما يحدث من تقاعُس للمكوِّن العسكري بالحكومة الانتقالية في مجال مُجابهة الانفلاتات الأمنية خصوصاً في شرق السودان ، يجعل دولة رئيس الوزراء في (محك) حقيقي بين محاولة إيجاد حلول داخلية في أغلب الظن ستُواجه بالمزيد من التعنُّت من قِبل القوى المتآمرة على مسيرة التحوُّل الديموقراطي ، وبين اللجوء إلى معالجات (خارجية) تلعب فيها الولايات المتحدة ودول الترويكا وبقية الدول الأوربية الداعمة للتحوَّل الديموقراطي بالإضافة إلى المنظمة الأممية ومجلس الأمن وبعض المنظمات الإقليمية ، دوراً إستراتيجياً على المستوى السياسي الضاغط في اتجاه مصالح المشروع الديموقراطي المدني ، وذلك من أجل إفساح المجال لتنفيذ مُخطَّط الانتقال الديموقراطي بحسب ما ورد في الوثيقة الدستورية ، دولة رئيس الوزراء المشهود له ببُعد النظر و(ابتداع) الكثير من الحلول لأخطر العثرات التي واجهت المكوِّن المدني في شراكته مع القيادات العسكرية في الحكومة الانتقالية ، ربما ووفقاً لامتناعه حتى الآن عن الإدلاء بأية تصريحات حول تصورَّاته لحلول تخُص انتهاكات المصالح القومية الوطنية بالشرق ، يُبدي من خلف ستار ركونه إلى اختيار سلاح الدعومات السياسية الدولية الضاغطة ، وقد يلجأ أيضاً للاستفادة من بعض بنود الدعم اللوجستي المُتعلِّق باستتباب الأمن كواحد من الشروط الأساسية التي يحتاجها إنجاز مشروع  التحوُّل الديموقراطي ، والتي وردت صراحةً في البند السادس الذي وُضع السودان أخيراً  تحت بنوده عبر حوكمة ورعاية مجلس الأمن الدولي ، حيث يمكن بالرجوع إلى مواده القانونية توفير إمكانية لتدخل البعثة الأممية لحل بعض المشكلات التي تواجه التحوَّل الديموقراطي مثل التي تحدث الآن في شرق السودان ، إذ يتضَّمن الفصل السادس 6 مواد تركز على معالجة النزاعات بالطرق السلمية وتعزيز بناء السلام عن طريق آليات أممية من بينها مفوضية بناء السلام ، وصندوق بناء السلام الذي يتبع مباشرة للأمين العام للأمم المتحدة. ويساعد هذا البند في حل النزاعات بالتسويات والطرق السلمية.

ورغم أن البعد السياسي (العميق) و(المُستتر) لما يقوم به الناظر ترك في شرق السودان من تعديات على المصالح (القومية) ، يُمكن لمكونات الحكم المدني الإفصاح عنهُ للرأي العام السوداني خارج إطار التصريحات الرسمية للدولة ، إلا أن التصريح به للرأي العام الدولي تواجههُ الكثير من الصعوبات المُتعلِّقة بالمصداقية والموثوقية ، كونهُ يحتاج لإطار قانوني  يستند على إثباتات تدعمها الوقائع أو الاعترافات بأن ما يحدث في شرق السودان هو محاولات تستهدف عودة فلول النظام البائد أو تقويض المسار الديموقراطي أو محاولة تأسيس دولة شمولية ، وفقاً لمثول هذه الإثباتات يُمكن للحكومة الانتقالية تبرير أيّ محاولات للمعالجة عبر تفعيل القوة والانتشار الشامل للقوات النظامية والأمنية والدفاعية الرسمية ، ولكن على ما يبدو فإن تلك الإثباتات تظل مُتعذِرة وصعبة المنال ، فالناظر ترك حتى الآن لا يتحدَّث إلا عن تهميش إنسان الشرق وعدم عدالة توزيع الموارد والثروات ، فضلاً عن التوزيع غير العادل للمُعينات التنموية وهي مطالب مشروعة رغم اشتراطاته المُتطرِّفة المُتعلِّقة بالتهدئة والجلوس للتفاوُّض ، وعبر هذا المنظور يظل التكييف القانوني الذي يمكن من خلاله إقناع البعثة الدولية بالسودان بأن ما يحدث من احتجاجات في شرق السودان (يستبطن) إفشال التحوُّل الديموقراطي خلف ستار المطالبة بحقوق إنسان الشرق أمراً صعب المنال ، وهذا ما جعل المكون العسكري بمجلس السيادة يُبرِّر بذكاء عدم تدخُّلهُ كقوات نظامية وأمنية ودفاعية بأن المشكلة سياسية وليست أمنية ، هل يستطيع دولة رئيس الوزراء أن يفاجئ الجميع (بحلول) إبداعية كما عوَّدنا لهذه العثرة الضخمة والخطرة في مسيرة التحوُّل الديموقراطي ؟ ، والتي حسب اعتقادي إن اجتازها بسلام  ستبقى كل المُشكلات والأزمات القادمة في المستقبل (لا قدر الله) أقل وأضعف منها تأثيراً على مسيرة تمكين الشعب السوادني من آماله في الانعتاق والخروج من النفق المظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق