سياسة

من داخل أخطر مكان في الجزائر

أبو بكر زمال

مكان غاصٌّ في الغموض، ومسكونٌ بالهدوء، ملتحفٌ بأسرار وخفايا كثيرة. تأسطر على مر السنوات، وغدا وحدَه يحمل صفة المركز العسكري الأخطر والأهم في المخيال الجمعي للجزائريين. يشاع أنه استقبل عديدين ممن يقال إنهم مناضلو الحراك. لا أحد في وسعه تأكيد الأمر وصدقية الحكايا التي رواها هؤلاء في بعض كتاباتهم وفقراتهم في مواقع إلكترونية أو التقطت من أفواههم، فضباط المركز صامتون التزاماً بمبدأ السرية والتحفظ، وعدم التصريح بأي كلمة أو حديث أو موقف، ما غذّى الشائعات والمفتريات والأكاذيب حوله وعنه، وتركها تترنح على حبال القيل والقال.

هذه زيارة خاصة تحكي عن ساعات نادرة داخل المركز، تخرج به قليلاً إلى فضاء أرحب وأكثر قرباً من عين الحقيقة، بعيداً عن تلك “المشاهد الكافكاوية” التي حاول أحد الإعلاميين إلصاقها به.

لا أحد يعرف من أين جاءت التسمية واستقرت هناك. قيل إنها منسوبة إلى عنتر عنتر، مجاهد من الرعيل الأول للثورة، ابن الغرب الجزائري، من أولئك المتخفين خلف الستار والظلال الذين لا يعرفهم أحد، ولم تُدوّن بطولاتهم بعد أو تكتب. بينما يقول بعض: لا، ليس هو المقصود، لا إشارة تدلّ على ذلك، ولا لافتة مكتوبٌ عليها الاسم في مداخلها المتشعبة والمحروسة من كل جانب واليقظة في الحين والآن، غير أن الاسم مرموز إلى رجلٍ من زمن غابر، قوي وشهم، محاربٍ خرافي، طبقت شجاعته وبسالته وصلابته الآفاق وفاقت الحدود. شاعر، وعاشق منبوذ، خاض المعارك من أجل كرامته وعزته ودافع عن كيانه ووجوده ومواقفه. إنه عنتر بن شداد العبسي، الضارب في المغازي، الجوّال الغريب في فيافي الصحراء والربع الخالي.

لم يكن وارداً أن تُتاح لي الفرصة لدخول المركز من بابه الواسع، مركز شغل حديث الشارع والعقول وأصوات الحراك، وهيمن على ثرثارات رواد “السوشيال ميديا”، تفاقمت عليه الأقاويل، وتدفقت من حواليه الأراجيف، من هنا وهناك، من أفاقين وملل ونحل وساسة وإعلاميين ودوائر ومخابر، وحتى ممّن لا يعرفونه لا بالشكل ولا بالمظهر، ولا حتى أين يقع؟ وفي أي مكان موجود؟

لم يتم استدعائي على عجل. زُرته وفي ذهني أسئلتي: كيف هو؟ من هم الذين يشتغلون هناك؟ كيف هم؟ هل هم بشر؟ هل هم وحوش؟ هل هم من عوالم أخرى؟ هل هم أشباحٌ تختفي وتظهر، أطياف لا تترك ضجيجاً أو أثراً أو شاهدة أو همزة أو فواصل؟ كيف سأجده في العتمة أم في الضوء؟ غريب أم عجيب؟ كل هذه الأسئلة وغيرها طافت في رأسي وجالت، وأنا أتقدّم بخطى وئيدة على الرصيف المؤدّي إلى أول المدخل المتقدّم على ما يبدو لي للمركز.

عندما تقدّمت أمام المدخل، كان هناك جنديان يتفحّصان هاتفيهما. قلت لا شك في أنهما يتابعان “ماتش” كرة، أو فيديوهات مضحكة، أو يلعبان إحدى اللعب الكثيرة المقترحة من التطبيقات أو المواقع، أو ببساطةٍ يقرآن الأخبار التي تتساقط غزيرة من هنا وهناك. جنديان نحيفان مرحان، يتبادلان النظر بعيون متكلّمة، ويبتسمان بخجل. أخالهما ينتظران نهاية الدوام للعودة إلى مكانهما في المركز للراحة والنوم، بعد فترة عمل مليئة باليقظة والانتباه والحراسة، أو يهفوان، بشوقٍ، إلى عطلتيهما السنوية لزيارة الأهل والأحباب هناك، في مدن أو قرى بعيدة منسيّة، حيث لا فوضى ولا صخب يقضّ مضجعيهما. ما إن لمحاني حتى أوجسا مني خيفة.. لمحت في عيونهما تساؤلاً غريباً: من هذا الذي يمشي واثق الخطوة إلى مكان ممنوع وصعب الدخول إليه من دون موعد مسبق؟ من هذا الذي لا يحمل أية علامة تدل على أنه شخصية مهمة؟ قلت لهما: إنني على موعد مع أحدهم داخل المركز… سألاني عن اسمه.. قلت لهما بصراحة: لا أعرف من يكون؟ ألقى أحدهما نظرة على بطاقة هويتي وطلب مني الانتظار. وما كاد يأخذ الهاتف ليجري اتصالاً حتى توقفت أمامنا سيارة الصديق (ع) الذي رتب لي موعداً هناك، بعد أن قرأ مقالي في موقع إخباري عربي “العسكر في مواجهة الحراك .. البحث عن زمن مفقود”. كان المقال رأياً لطالما كتبته في مقالات أخرى نشرت، عن ضرورة أن تغير المؤسسة العسكرية في الجزائر من نمط تعاملها الكلاسيكي مع الأحداث والواقع والراهن، وأن تختبر خيرة ضباطها وتلقي بهم إلى معمعان الحوار واللقاء وجهاً لوجه مع شارع الحراك، لكي يفهموا لماذا رفعت شعارات ضد الجيش، وتحديداً ضد المخابرات، وليفهموا هذا الانقلاب يجب عليهم الاحتكاك مباشرة مع هؤلاء، والوقوف الندّ للندّ معهم، لمعرفة الخلفيات والأسباب والعوامل التي أوصلت الشارع إلى هذا المنعرج الخطير في النظر إلى المؤسسة.

كان المقال واضحاً في مسعاه، وفي خطوط عرضه وطوله، ومبناه ومعناه. لا يلفّ ولا يدور، ولا ينطلق من حسابات ضيقة، أو حتى، مثلما يحب دعاة إطلاق التشهير والدعايات والمناكر، مكتوب تحت الطلب، فأنا كاتب حرّ، مزاجي، وفوضوي. ولا أعرف ما تعنيه الكتابة تحت الطلب، فقد تعاونت مع صحيفة عربية، وكتبت بروفايلات لمثقفين وشخصيات عامة وجنرالات، كان أهمهم الفريق توفيق واللواء قايدي والراحل قايد صالح في أوج قوته، وكذلك الجنرال خالد نزار.

لا أعرف ما الذي أحدثه مقالي هناك، وكيف تم قبوله أو تحليله؟ وفي أي خانة وضع؟ أتصوّر أن الجماعة هناك اجتمعوا كما يفعلون دوماً لتداول ملخصاتٍ لما يكتب عن المؤسسة العسكرية وغيرها، ولفت أحدهم النظر إلى المقال، ربما رأى فيه وجهة نظر مختلفة من كاتب غير معروف أو مألوف، ليس كغيره ممن هم مبصومون لديهم بملامح مكرّرة، ووجدوا فيما أكتبه نبرة مغايرة عما عهدوه في الكتبة والإعلاميين والمحللين، على مختلف أصنافهم وأشكالهم.

كان الوسط الإعلامي الذي اشتغلت فيه متعاوناً منذ التسعينيات يضجّ بإعلاميين عديدين برز بعضهم واختفى بعضهم واغتيل آخرون. كان بعضهم يتوافدون على إحدى الثكنات العسكرية بأعالي العاصمة، للقاء ضابطين، أشرفا على خلية الإعلام والاتصال داخل جهاز المخابرات. حدث ذلك في وقت عصفت بالجزائر رياح مظلمة، محمّلة بالدماء والنار، سقط فيها خيرة الأقلام تحت رصاص الإرهاب والغدر والخيانة والتصفية. توفي الأول بعد مرض عضال، وخلفه كولونيل معروف في الأوساط الإعلامية باسم “فوزي”. كان هذا العرّاب الخفي للإعلام، عمومياً وخاصاً، نافذاً في مفاصله، قوة ساخطة مانعة لأي خط إعلامي ينطق بكلمة ضد النظام السابق، أو يحيد عن صواب عصبه. حجّت إلى صومعته القوافل وانقادت كالقطعان إلى عرينه، بمجرد مكالمة هاتفية تأتي منه، تأخذ الإذن والمشورة والرأي، وخصوصاً الأوامر. وذلك كله في مقابل حفنة امتيازاتٍ ومزايا وعطايا، في مقدمها صفحات إعلانية وإشهارية.

استطاع هذا الكولونيل تطويع أقلامٍ كنا ننظر إليها بفخر واعتزاز واحترام ومثل. لم تكن طاعاتهم وخنوعهم لمصلحة البلاد العليا، بل كانوا، في الغالب والأعم، يلهثون في ساحة المنافع والمصالح. اتضح فيما بعد أنها خاليةٌ من أي شيء يخدم البلاد. اغتنى بعضهم، وأصبحوا أباطرة وبارونات، فتحوا صحفهم على التكالب والنهش والتشويه والابتزاز ضد فلان وعلان، ضد تيار وآخر، ضد فئةٍ ضالّةٍ وأخرى مضلّلة. كانوا وقوداً لنارٍ مبهمةٍ محتقنة، تتلظّى في هرم السلطة. وعندما توشك الغلبة لأحد ما يستعر الجمر من خلالهم ويحوّلون حرائقها ضد الفئة التي تظهر أنها مغلوبة.. وهكذا.

كان يجلس أمام صديقي (ع) شخص يضع نظارة سوداء. اعتقدت لحظةً أنه من سيكون لي شرف لقائه والحديث معه. قطعت السيارة مسافة قصيرة بين المدخل الرئيسي للمركز ومقر المكاتب، أين سألتقي الضابط السامي. كانت تلك المسافة القصيرة لحظة متسارعة ومكثفة لتأمل المكان. شدّت انتباهي نظافته مع هدوئه الصافي. جزء منه متخفّ في غابة، سفح جبل قصير ينبسط على المكان يعطي انطباعاً أنه سينقضّ عليك. بضع بناياتٍ صغيرة الحجم على الجانب الأيمن من الطريق. تدبّ فيها حركةٌ باهتةٌ لرجالٍ قليلي العدد. في ظني أنهم عادوا من مهمات سرّية معقدة، بعضهم يجلس مسترخياً، وبعضهم يتصفّحون هواتفهم، وآخرون يتبادلون الأحاديث. توقفت السيارة أمام مقر ثانوي للمركز. نزلت ونزل السيد الذي كان يجلس أمام صديقي. كان أول ما لمحه فيّ سروالي الأحمر. ربما اندهش لأنه صادف أول مرة شخصاً يدخل هذا المكان مرتدياً سروالاً بهذا اللون. المبنى طابقان، أرضي وأول. بسيط ونقي. مكاتب قليلة بعضها مغلق، وأخرى شبه مفتوحة. لا تسمع فيها أي حديث أو نأمة أو حركة. كأن الذين يشتغلون فيها لا يملكون أيادي أو أصابع أو أرجلاً، أو حتى أصواتاً. تخيّلت أنني في مكانٍ غير الذي تشيع عنه أنواع الأحاديث الملفقة الكثيرة، وتروى عنه الحكايات الغريبة والعجيبة والأساطير والخرافات والضلال. ولم أكن إطلاقاً في واحد من أهم الأمكنة وأخطرها، وفيه أسرار ومعلومات وحقائق كثيرة. صعدت إلى الطابق الأول، حيث يوجد مكتب الضابط السامي. حيّا السكرتير صديقي تحية عسكرية وسلّم علينا، انتظرنا قليلاً ريثما تم إعلامه عن وصولنا. دخلنا المكتب.

في هذه اللحظة، انتبهت إلى أن صديقي (ع) كرّر عليّ، قبل اللقاء، أن التعرّف إلى شخصيات من هذا الوزن أمر عادي وخالٍ من أي تعقيدات أو أوهام. فقط هناك تضخيم متعمد زائف، يتم تسريبه من هنا وهناك عنهم. طلب مني الحديث كما أشاء أمامه، بحرية وبدون تحفظ، فأنت، كما قال لي، لست أمام غرباء جاءوا من كواكب أخرى. أنت أمام عسكري جزائري تعلم في مدارس جزائرية، مثل آلاف من الجزائريين الكادحين الذين يشتغلون ليل نهار من أجل حماية البلاد. يؤمن بالحوار وتبادل الآراء والأفكار بشأن ما يجري وما يحدث. ولست أمام شخصٍ حادّ، وخشن وصلب وغير ديمقراطي أو غير متسامح.

ينتمي الضابط السامي إلى أولئك الرجال الذين خبروا الإرهاب وليله الدامي والأسود، تمركز خصوصاً في الغرب الجزائري، حيث معاقل إرهابيين من القادة الدمويين للجماعات الإسلامية المسلحة. تعرّف على دهاليز الموت وواجهه كما واجهه غيره. والأكيد أنه فقد أصدقاء له ورآهم بأم عينيه وهم يستشهدون برصاص الإرهاب. طويل، أعسر، ويضع نظارات الرؤية تساعده في النفاذ بسلاسة إلى المتحدّث، ذو ملامح تشي بالحذر والذكاء والفطنة والانتباه.

في مكتبه المرتب والأنيق، والأكيد أنه يحوي خفايا وخبايا كثيرة، جلس قبالتي، مبتسماً ومرحّباً وبشوشاً. سؤال عن الأحوال والصحة والعافية، تواردت في ذهني آراء ومواقف عديدة، مسبقة ومركبة ومربكة عن مثل هؤلاء العسكريين. عن شدّتهم وقسوتهم وألاعيبهم وسطوتهم وتغلغلهم المرعب في حياة المجتمع، وفي نفوس المواطنين. خطفني صديقي من شرودي السابح في تيه الأفكار وأمواجها التي تتلاطم عند عتبة عقلي، بالجملة التالية: أنتم دوماً تقولون فلنلتق بأحد الذين يشتغلون في الخفاء ووراء الستار، ويعرفون الخيط الأبيض من الأسود وكل صغيرة وكبيرة في البلاد. ها أنت أمام واحد منهم، قل ما تريد وما تشاء وما ترغب فيه.

.. تكلّم بشكل عادي وبلغة بسيطة دارجة ممزوجة بالعربية الفصحى وكلمات بالفرنسية، تملّكته كما الكثيرين ممن هم في موقعه الحيرة والقلق من الصورة المخيفة التي تشكلت عنهم، وأضيفت إليها الأكاذيب والافتراءات، وقد زادت شدّتها خلال الحراك الذي انفجر يوم 22 فبراير/ شباط، حيث لعلعت الشعارات ضد المؤسسة العسكرية، وتعرّضت المخابرات لهجوم كاسح لم يألفوه لا هم ولا الرأي العام، وتحوّل المركز الذي أنا في داخله إلى مرمى وساحة تلقى عليه شتى صنوف النقد والاتهام والتجريح، وصلت إلى حد وصفه بالإرهاب. بل قال لي الضابط، بنبرة صوت فيها كثير من الحيرة والأسف والحسرة والامتعاض، إنهم يحسون بالألم جرّاء تعليق التهم عليهم، وحدّة التكالب الغريب والغامض الذي يسمعونه يصطك بين أسنان الحراك.

لم أشأ أن أعطي للأمر أهمية قصوى، كي لا يتفرّع الحديث إلى هوامش وزوائد لا طائل منها ولا تؤدي إلى أي أفق، فالذين وراء هذه الأمور معروفون بالأصل والفصل والشكل، لهم حساباتهم المريبة ونواياهم الخسيسة، وحتى أطماع تتعدى مجرد شعاراتٍ تمسّ بالجيش. أوضحت، وأعتقد أنهم يدركون جزءاً من هذا ويعرفونه، أن الأحوال، كما تُجمع آراء وتحاليل وتفسيرات كثيرة، تصب في فضاءات مكفهرّة ومضببة وهشّة، وتحتاج مسحاً شاملاً، وإعادة صوغ ملحمة جديدة تخرج عن المألوف والمكرّر والمستهلك والرديء والمغشوش والاتكالية التي تفشّت في الحياة العامة للمجتمع، وأخبرته، مثلاً، أن المعركة الإعلامية الجزائرية، بأشكالها المتعدّدة الحالية متخلفة وفاشلة وغير ناجعة، وتافهة ورديئة وخارجة عن النطاق، وأن “الكارتيلات” الإعلامية التي اعتمدتها الدولة أو النظام، ودعمتها بالأموال والغطاء السياسي والأمني في الدفاع والهجوم أو ترويج منجزاته نقصها الاحترافية العالي، وتفتقد معيار التميز الحقيقي، ويهرب منها عامل التأثير القوي، مثلما هي عليه وسائل إعلامية تلعب جنبنا، وهو ما انعكس على النتائج الكارثية لهذه المعركة، حيث تداعت قلاعها وحصونها في مواجهة جيوش تزحف بكل أريحية في وسط “السوشيال ميديا”، وفي وسائل أخرى.

الوضع نفسه بالنسبة لمن يقال إنهم النخب المتوزعون على كل المجالات. كيف يقبل هؤلاء على أنفسهم أن يُقادوا في مسيراتٍ يتقدمها فتيانٌ لم يبلغوا بعد سن الرشد. هذا ما لم يستوعبه الضابط، وسألني عنه. طنّ سؤاله في أذني، واستعدت، في تلك اللحظة، صورة فلان وعلان، ممن ملأوا الشاشة هرجاً ومرجاً. كانوا يُساقون إلى ميدان الحراك مخدّرين كأن على رؤوسهم الطيور، نخب كان من المفترض أن يشيدوا خطاباً عقلانياً ومفتوحاً على مآلاتٍ تأخذ بيد الحراك، وتنتشله من تيهانه وتعقيداته، وتضعه في ربوع أكثر رحابةً وبساطة وشرعية وصدقية، ولكنهم آثروا الاصطفاف خلف العبث واللامعنى والحلول الوهمية والشعارات الملتبسة والآفاق المريبة والخلافات التافهة، منصاعين لأحلامٍ طوباويةٍ، ممتثلين لطواطم تضربهم على أيديهم، وتضغط على عقولهم، وتُفرغ أرواحهم، وأكثرها مسلّمة لقوى مشبوهة تتلاعب بهم كيف شاءت، وتوجههم أنّى أرادت.

قلت، فيما معناه، إن هناك خللاً في طرق معالجة الوضع، وأخطاء كان يمكن أن لا يتم التغاضي عنها، حتى لا يتم الوقوع فيها ولا تتعقد أكثر، ويصبح تفكيكها مستحيلاً، سواء أكانت معالجة تنزع من السلطة أو تفرض من بيده القرار. والنتيجة أن لا أحد استطاع أن يهدّئ روع الشارع القلق، بعد أن كسر عقدة الخوف والكسل والخنوع، الرافض والمتمرّد والمثقل بالمشكلات والصعاب، كل ما تم بدا في أعين الشارع تحت درجة الصفر.

يومئ برأسه أو يتوقف لحظة، يعطي ملاحظة ورأياً ثم يصمت. لم أعرف إن كانت حركة رأسه دلائل على الموافقات أو المرفوضات. كان عليّ، في كل الأحوال، أن أقتنص هذه الفرصة السانحة، السابحة في هذا العالم الواسع لمن يصنعون بأيديهم (كما أعتقد دوماً ويعتقد غيري) القرار ويؤول إليهم، البعيد عن الأضواء التي تبقى خافتةً بحكم العقيدة والمنطق والطبيعة، والوصول إلى اختراق مغاليق مضروبة حولهم بالحديد والأسلاك، يحتاج إلى قوة ناعمة ووقت وصبر وجهد.

تكلمت بكل حرية عما نشرتُه، خصوصاً في مقالي المشار إليه، ووضعت بين يديه ما كنت ألمسه، خصوصاً في تلك العيون الهامشية التي تكاد تلاحقني من أول الحراك البريء الصاخب إلى آخره المموه والمقنع بشتى الأقنعة، وغيرها من القضايا والمشكلات التي أقف عليها، وألاحظها في اليوميات والواقع. كان أهم سؤال شغلني، وأنا أنتقل من موضوع إلى آخر، عن مدى قناعة من يمثلهم الضابط بما آلت إليه الأحوال العامة، أولئك الذين لا ينطقون إلا نادراً، ولا يعطون الرأي السديد إلا في نطاقاتٍ ضيقةٍ جداً، المبني على معطياتٍ دقيقةٍ ومعلوماتٍ حقيقيةٍ فائقة السرّية؟ كيف ينفذون إلى هذا كله؟ وكيف يتطوّرون معه؟ وما هي استشرافاتهم الواضحة والصحيحة، البعيدة عن القراءات المسبقة وردود الأفعال الهزيلة وسفسطائيات النظام ورجالاته وكل أركانه؟

على هذا الأساس، قلت للضابط السامي إن الحلول ليست مستحيلة ولا صعبة، تبدأ بفتح السلطة الحقيقية كل المجالات الممكنة لحل حبال العقد بين السلطة والحراك. وقصدت بالسلطة الحقيقية: العسكر، لأنهم الوحيدون من يمكنهم أن يفرشوا الطريق نحو عودة الثقة والطمأنينة إلى النفوس، فالمكونات الأخرى، وغيرها من القوى، أضفت، فشلت في تبريد سعير الاحتقان والتخفيف منه، فلا الحكام ولا الساسة ولا رجال الدين ولا النخب ولا أي طرف أمكنه تغيير مجرى التدفق الهائل للتذمر والسخط والضيم المتنامية قوته في كل زاوية وزقاق وحي وشارع وبيت، ولا استطاع ترميم الأعطاب المتشققة في النفوس والأرواح والعقول وفي الحياة… هذه قناعتي، وإن كانت ستبدو خيالية، أو فيها شيء من السريالية، ولكنني على يقين أن لا حلّ من دون أن يكون العسكر هو الأساس والمركز والفعل. ولكن بشرط أن ينتج ويبدع حضوره بشفافية من دون مواربة وعلى العلن، وليس مثلما كان يفعل سنين، حين كان يتحكّم ويحكم في الخفاء، ويعيش في الظلال وهو يقرّر المصير ويرسم المستقبل.

لربما كانت وراء فكرتي هذه وقناعتي ما يبدد، ولو لحظة، تاريخاً مضطرباً من الجدل والصراع والاحتدام الذي رافق العلاقة بين العسكر والدولة والشعب، مع الفرق في النتائج التي تصل إليها الخيارات بين جميع الأطراف، إيجابية أو سلبية، نافعة أو ضارّة.

لست أدري إن رأى الضابط السامي في أفكاري هذه ضرباً من خيال، أو أنها لامعة برق، يمكنها أن تتحقّق وتتجسد في ظل سيطرة مفاهيم تقليدية وأنماط من التفكير، مرّ عليها الزمن وشاخ، وما زالت تعشعش كالعنكبوت في بيت الحكم والسلطة عندنا.. المهم عندي أنني أوصلتها طازجة بدون لفٍّ ولا دوران.

لم يكن يهمني أن أقول كل هذا الكلام للضابط السامي، لأثير فيه شيئاً، أردتُ فقط أن يتنصر كلامي، وأن أُسمعه قولاً مختلفاً بنكهة جديدة جادّة وصادقة، بعيداً عن الغوغاء والابتذال والتفاهات الجارفة التي تقبض على رقاب العباد والبلاد، أو التي تتكاثر في “السوشيال ميديا” وفي صالونات معتمة أو وهمية. شعرت برهة بأنه يقاسمني بعض ثرثراتي، ولو بشيء من التردّد والتأمل والصفاء، فالسعي لشقّ مساراتٍ جديدة، وأنت تدرك أنك تسير على أرضٍ مفروشة بالألغام والمطبّات والعراقيل، ومحوطة بقطّاع طرق من كل صنف ونوع وجنس، يحتاج إلى أنفاس جديدة، وصبر جميل وخيال خلاق وصدمة مفاجئة، لا بد أن نصدم.

هل صدمتُ الضابط السامي؟ لا أدري. قد يكون الجواب أيضاً صادماً. حمل هذا اللقاء بالنسبة لي أكثر من معنى. ساعتين أو أكثر، ساد هذا الحديث مبدأ الصراحة والوضوح في مكان أضمر الكل له عداءً شديداً وشيطنوه، وكأنه جهنم فيها ملائكة غلاظ، مكان اقترحت على الضابط السامي أن يتم فتحه لوسائل الإعلام، لتمزيق “الأفيش” المرسوم عنه، فهو، في النهاية، جزء من مؤسسة عريقة رسمية ملك للشعب، يوجد مثله الكثير، سواء في داخل الجيش الشعبي الوطني أو في كل جيوش العالم، وله سببٌ نبيلٌ ووجيه وجادٌّ والحضور والفاعلية، ومهامه منوطةٌ ومحدّدة بالدستور والعقيدة العسكرية، فيه رجالٌ هم أبناء وطن واحد، يسكن جلّهم في أحياء شعبية ومناطق ظل عميقة. يعودون إلى بيوتهم وأسرهم وأبنائهم متأخّرين في أحيانٍ كثيرة، متعبين ومرهقين، وقد نفذوا مهامهم بحرفية تامة، مطمئنين أن لا غلبة إلا للواجب المقدس الذي أقسموا بحياتهم على حمايته، مهما كانت الصعاب والتحدّيات.

ودّعت الضابط السامي عند الساعة السادسة مساء. صادفت على السلم، وأنا أهم بالنزول، قطة جميلة تتجول بين جنباته، قيل لي إنها تربت هنا. قلت في نفسي: هذه أعظم علبة سر هنا، فماذا لو نطقت، ماذا كانت ستقول؟ خرجت من المركز.. رفعت رأسي إلى السماء، لمحت بين غيومها سيوف عنتر، يشقّ بها صفوف الأعداء، أكانوا الأقرب منه أو الأبعد عليه.

(٭ نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق