ثقافة وفن

سومانيون

من تاريخ الجالية اليمنية بالسودان

صالح احمد الفقيه *

مع بدايات القرن العشرين في العام 1905م قرر اللورد كرومر بناء ميناء بورتسودان وعندها بدأت أول رحلات اليمنيين من عدن إلى السودان في أعمال التشييد وأعمال الميناء من شحن وتفريغ، وقد أوكلت هذه الوكالة لجلب الأيادي العاملة اليمنية للشيخ علي يحيى الهمداني ولقد كانت عدن ميناءً ضاجاً بالحركة والنشاط وكانت قبلة الهجرة الداخلية لليمنيين وتوافدت عليها جميع مناطق اليمن لكن كان للمنطقة الوسطى وتعز وشبوه نصيب الأسد وعليه فقد كان وجودهم ضمن المهاجرين للسودان هم الأكبر

ثم كانت التجربة الأكبر وهي انتدابهم لبناء خزان سنار وهنا كانت الحركة إلى الداخل فلو تتبعنا وجود اليمنيين الكثيف ستجده في بورتسودان وكسلا ومدني القريبة من سنار وعطبرة التي ترتبط بالميناء والخرطوم أخيراً كعاصمة. لما كانت الكتابة في أمر هجرة اليمنيين إلى السودان تتداخل مع سيرتي الذاتية كوني أحد أبناء المهاجرين من الجيل الثاني وكوني ممن كانوا في مدينة كسلا إحدى أكثر مناطق السودان تواجداً لليمنيين وكانت لي فيها ذكريات الطفولة خصوصا أنني ابن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث تدهورت الأوضاع في مناطقنا في اليمن .

(المنطقة الوسطى يريم)

فكان مني أن التحق بالوالد الذي قدم للسودان في الثلاثينيات ودرست في المدرسة الأولية في كسلا عندها كان اليمنيون يمارسون مهن بعينها كسقاية الماء وكان شيوخهم يمتلكون الآبار مثال الشيخ / عبد الله أحمد على سعد. وهو من مناطقنا في اليمن من عرام حيث توجد أغلبيتهم هنا ومنطقتي التي أنا منها (خاو) ايضاً وقد مثل السودان نقلة جديدة لنا حيث نال البعض منا تعليمه ومارسنا فيها الكثير من المهن كالتجارة والمخابز وتجارة الحدود بين السودان وإرتيريا ولهذه القصة رواية يعلمها قدامي اليمنيون الوافدون حيث كانت رحلاتهم عبر البحر في مراكب صغيرة في رحلة خطرة إلى(عصب_ ومصوع_ وبورتسودان) تأخذ سبعة أيام إلى عشرين يوماً مليئة بالمخاطر كل هذا التجوال جعل منهم جزءً من نسيج هذه الدول (إثيوبيا – أريتريا – السودان) خصوصا شرق إفريقيا. بني اليمنيون أنفسهم وعمرو بفضل مجهوداتهم وتسلموا زمام التجارة في جميع السودان في الخمسينيات والستينيات وحتى أواخر التسعينيات. لا ينافسهم إلا الأغاريق والأرمن تلقي بعض أبناء الجالية تعليمهم بالسودان وشاركوا مشاركة فعالة في عجلة التنمية في اليمن أمثال (أحمد محمد على الخاوي _ محافظ البنك المركزي سابقا) (فتحي سالم البيضاني _ مدير شركة النفط اليمنية سابقا) (ناصر على مبخوت _ البنك المركزي) وشريحة كبيرة من الكوادر المؤهلة التي ادارة عجلة التنمية في الوطن ومن أهمهم (محمد عبد ربه الوسواس _مطاحن البحر الأحمر اليمن والسودان) وغيرهم كثر كما انخرط بعضهم في الشأن السوداني أمثال الأستاذ يحيى على يحيى الذي أسس العديد من المدارس في منطقة كسلا ومن أشهرها مدرسة تاجوج الثانوية والتي ينهل منها الطلاب حتى يومنا هذا وكان له نصيبٌ كبيرا أيضا في تأسيس أخريات،وهو أحد مؤسسي حزب الأشقاء في السودان وتربطه علاقة وثيقة مع السيد إسماعيل الأزهري ومبارك زروق وأبو علي مجذوب ومحمد عبد الجواد الذين قادوا مسيرة الأشقاء العروبي ونال (وسام وحدة وادي النيل) من الدرجة الأولى في عهد فاروق وناله أيضا في عهد عبد الناصر وله صداقة قوية أيضا مع الدكتور مصطفي محمود و فاطمة روز اليوسف وأحمد حسن الباقوري وحسن البنا  وأيضا في تأسيس المدارس سعيد باوارث صاحب مدرسة سعيد باوارث بورتسودان. وعودة لشرق السودان في الأربعينيات والخمسينيات حيث كانت الإدارات الاهيلة كان عمدة كسلا يتعامل مع إدارة المكون اليمني عبر شيخ اليمنيين ومنهم الشيخ عبد الله أحمد على سعد وكان أغلب كبار السن مع النظام الملكي في اليمن الشمالي والسلاطين في اليمن الجنوبي. ومع تبلور الثورة في اليمن انخرط الشباب في صراع الأجيال المعروف بصراع الملكيون والجمهوريون وكنت ممن يدعم الثورة وكان المرحوم يحيى الشرفي داعماً لمشوار الزبيري الذي قدم إلى السودان وانتقل من بعد ذلك إلى اليمن ليكملوا مشوارهم في بناء الدولة اليمنية الحديثة وتخلص (اليمن الجنوبي) من الاستعمار الإنجليزي وحكم السلاطين.  كما يظل انخراط اليمنيين في السودان واضحاً وبارزاً. ومن الرموز الأكاديمية د. محمد عبده غانم وعون الشريف قاسم وغيرهم فمثلا في الثقافة والفنون كان منهم حسين بازرعة والطيب عبد الله وناجي القدسي وعثمان اليمني وجعفر أمان ونزار محمد عبده غانم صاحب (جسر الوجدان بين اليمن والسودان) والذي أوضح ما خفي من ماضي في جسر الوجدان وعندما نتحدث عن جسر الوجدان نضيف إليه شيئاً فطرياً أن الالتقاء الروحي بين الشعبين اليمني والسوداني التقاء قوي لا اليمني يشعر بأنه غريب في السودان ولا السوداني يشعر بغربته في اليمن إحساس لا يوجد في الشعوب الأخرى والذي لا يعرف عن تاريخ الجالية اليمنية في شرق السودان لا يعرف معنى هذا الوجدان. كانت تربطني علاقة طيبة بشخصيات سودانية عظيمة أثرت فينا وتأثرت بنا وأحبت الشعب اليمني بصدق أشهد لهم بذلك من بينهم سيد احمد الحردلو والمسرحي العظيم خالد أبو الروس ومحمد خوجلي صالحين والإمام الصادق المهدي ومصطفي طيب الأسماء وفراج الطيب – صاحب القصيدة النونية التي اصبحت جزء من تاريخنا. قدم اليمنيون نموذجا اقتصاديا رائعا مليء بالثقة والتجويد في السودان وهم كثر ولكن على سبيل المثال (ال باعبود في شركاتهم المتعددة وشركة عبد الحميد على باحفظ الله وشركة على عمر باجابر وشركة السيد محمد الوريث وشركة حسين الحسنى وشركة علي يحيى الديواني ومحمد علي الخياط ومحمد سعيد بن بشر وغيرهم كثر صمدوا اقتصاديا عندما فر الأخرون. لليمنيين أسماء كثيره في حياة السودانيين أمثال سعد قشرة في بحري وحي العرب في كسلا وطردونا في بورتسودان وشارع العدني في امدرمان وسلسله كبيرة تحتاج إلى مساحة أخرى بعد ظهور ثورة التصحيح في اليمن بقيادة إبراهيم الحمديّ في السبعينيات اعتمد على الفئوية وليست الحزبية وتأسست الاتحادات العامة مثل اتحاد العمال واتحاد المغتربين واتحاد المزارعين و. إلخ،  كان لاتحاد المغتربين دوراً فعالاً وقوياً وجد فيه المغتربين كل ما كانوا يفتقدوه أملاً في عودتهم لبناء الداخل ومتابعة قضاياهم واحتياجاتهم وخلق انصهار وجداني بين الشعوب الأخرى. كان تكوين الجالية في السودان على شكل تكتلات وعلى إثرها كانت مكونة من خمسة أفرع هي كسلا وبورتسودان وعطبرة ومدني والخرطوم وقد كان لتكوين الاتحاد العام للمغتربين في العام 1979 أثره البالغ وشكل ما عرف بالهيئة الإدارية العليا الذي جمع هذه الجاليات الصغيرة في أدارة واحده أتشرف انني كنت اول رئيس لها، وكنا بمثابة سفارة متحركة لها وزنها يكفي اننا قمنا بترحيل خمسة وسبعون ألف اسرة يمنية لليمن بعد ان تحسنت الاوضاع الاقتصادية في اليمن الشمالي حينها جبنا ربوع السودان تسهيلا لذلك. اختم حديثي اننا وضعنا رصيدا كبيرا على مدي خمسة وعشرون عاما اضاف الكثير لليمن واليمنيين.

*(رئيس الجالية اليمنية بالسودان سابقا) 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق