ثقافة وفن

قصة قصيرة

أرض الجنتين

أحمد الفضلفي*

بداية ثمانينات القرن الماضي كانت هناك أفواج ودفعات من خيرة معلمي السودان التأموا وتنادوا من أطرافه في الشمال والشرق والوسط وانتشروا في السهول والوديان وجبال اليمن السعيد. بعد ثورة ديسمبر 1962م وفي فترات متقطعة كانت النزاعات القبلية الدموية والتداخلات الخارجية وتم اغتيال الرئيسين (الحمدي والغشمي) ثم انعدلت الأوضاع وعم الاستقرار عهد العقيد (علي عبد الله صالح) رمزاً للتصالح وبدء وضع لبنات النهضة الحديثة في التعليم والصحة والثقافة وفتح المعابر والطرقات بين الجبال الوعرة الشاهقة ثم إعادة بناء سد مأرب التاريخي.

وفي منتصف عقد الثمانينات كنا في أواسط البلاد لواء – المحويت) الواقع ما بين صنعاء والحديدة وضع – الحمدي- أساسيات تلك النهضة وانفتح اليمن علي الخليج وسائر بلدان العالم وبدأ اليمن ينتعش ويخرج من صراعاته القديمة بإعجاز! كان هناك اليمن الشمالي قبل التئامه مع جنوبه الذي كان تحت سيطرة الإنجليز حضرموت ومحميان الجنوب العربي يخرج من هنا معلمو (المرحلة الوسطي) للتدريس هناك منذ أواخر الأربعينات وطيلة فترة الخمسينات كمعارين ولابد ان يكون المنهج واحداً. ويأتي الطلاب اليمنيون يدرسون في بخت الرضا وحنتوب ووادي سيدنا وكلية الخرطوم الجامعية! وخرج من هنا زعماء وقادة.

ودخلت الهجرات اليمينة من جور الأئمة طلباً للمعايش في ميناء بورتسودان والمدن الكبيرة والصغيرة في الإقليم السوداني.  عملوا في التجارة – البقالات والمخابز والمقاهي والمطاعم فتكاثر عهدهم ودخل بعضهم علي الأسر السودانية فجاءت البنات والأولاد المخلطين وكان في ودمدني (يحي حسين الشرفي) رئيساً للجالية اليمنية في عموم البلاد وتزوج من آل جاد كريم وأنجب (محمد) الذي صار فيما بعد وزيراً في الحكومة اليمنية.! بعد الثورة ورجوع الكثير من المعارضين ضد نظام الحكم الإمامي. وطلب الإمام من السودان تسليم المحرض الكبير (سعد سعيد أنور) وكان قائداً في المنفي تجمع اهالي ودمدني من الأعيان في زمان حكومة الفريق ابراهيم عبود ضد تسليمه ولم ينفذ الامر الصعب علي الناس. وقد امتلك الشرفي وسعيد المواطنة السودانية. وقد مر من هنا المناضل ابو الاحرار محمد محمود الزبيري وجاء لبيت يحي الشرفي الطالب ثم الشاعر والاكاديمي عبدالعزيز المقالح. كان هناك وقتها الامام احمد بن يحي حميد الدين وكان موقف مدينة ودمدني صلباً وعلى رأسهم الوزير احمد خير!

ويخرج اليمنيون ايضا لبلاد الحبشة والصومال يقول الشاعر (مطهر الإرياني) عن مطاردة رجال الإمام لأبناء الشعب في قوتهم ومالهم:

ذكرت اخي كان تاجر أين ما جا. .. فرش

جوا عسكر الجن. .. شلوا ما معه من بقش

وبعد بكره مسافر لا بلاد الحبش

واليوم قالوا مقضي. . حالتو ناهية

(البقش هو المال)

(هذه حالة صعبة)

اكتسب المعلم السوداني سمعة طيبة لعطائه وإخلاصه وتفانيه وأدي رسالته بنشاط ومحبة. .. كان الطبع والمزاج السوداني متميزاً لدي اليمنيين وقدم ما استطاع من خدمة مخلقة وحسن مخالطة فيدخل البيوت من ابوابها بعفته ومكارم اخلاقه. . حبذ واستطعم اليمنيون المائدة السودانية المسبوكة ثم زينة وعطور المرأة السودانية! وكان امتياز المعلم السوداني قوياً مؤثراً ومثالياً في البيئة المدرسية وخارجها وضمرت المسافات بين قارتي آسيا الصغرى وإفريقيا بحميمية التواصل المثمر. . وقديماً جاءت مجاميع اليمنيين من باب المندب وسواكن من محميات الجنوب العربي ونواحي زمار والحديدة ومأرب وبعض جيوب المناطق الداخلية ورجع بعض أفراد اليمن مع عوائلهم السودانية علي عقد القائد الحمدي لليمن الجديد.

وقد نقل السودانيون عاداتهم المتوطنة في الزيارات والتواصل فيما بينهم فيلتقون ويوثقون عراهم يتآزرون في المناطق المتباعدة بين الجبال والوديان ويجمع بينهم الحنين والمودة الفائقة.! يقضون في تجمعاتهم مع بعضهم ليلة الخميس ونهار الجمعة من عدة مدارس متقاربة من ناحية واحدة.

وقصدنا في زيارتنا تلك المعلقة بين الجبال الراسية. كان الجو مفعماً بالجمال والطقس المنعش والخضرة وهندسة البيوت الحجرية الملونة صعدنا العلالي في بطء لاهثين نتصبب عرقاً ونري المحلة امامنا وعلى مرمي حجر ولكنها تتباعد في المسافات. فندور ونصعد ثم نهبط. .! القري متناثرة أكاليل في النهار وعند دخول الليل تشتعل وتنير الفضاء مصابيحاً كالنجوم الخاطفة والرهق قد بلغ منا المنتهي ثم وصلنا لزميلنا الاستاذ المشلخ في وضاءة حمد النيل من أهالي جزيرة توتي فخرج لاستقبالنا مع جيرانه المصاحبين له في الجوار مع أفراد العائلة اليمنية رب الاسرة وأطفاله وبناته. بيتهم ملاصق للمدرسة تحت تجويف الصخرة الكبيرة.وكان بينه وبين الأسرة كل التوافق والمداخلات المتينة. وفي التو جاء علي الخاطر نظم الشاعر الشعبي اليمني: علي الخفنجي :

وقد نزلنا اليوم وادي رحاب

وكان البرد يعني فيه شديد

وقد تلقونا بحسن الخطاب

وهات كم عبوا محبك عصيد

وبعد الضيافات والترحيب والحمد الكثيف بالمحبة تناهي لمسامعنا الشريط الغنائي السوداني الجميل المرح خفيف الإيقاع فهذا – صلاح محمد عيسي- يشدو داخل البيت اليمني وهيجتنا المشاعر مع الطرب الطليق البسيط التراكيب مع اللحن الدائري بعذوبته في الكلام المموسق. وتحرك وجدان تلكم البنات اليمنيات العذراوات الضامرات العسليات يشيلن معه النغمات في ابتهاج وتحنان

تعال بكرة او بعد بكرة

بس ما تنسي ميعادي

ثم يجري كلامنا المحكي على ألسنة البنات ونعجب لهذا التكامل والشريط يدور بأغنيات أخريات فكان الصوت في فتوته وعرام تألقه الفني المخضر وفي ضيافة ذلك اليوم السعيد البهيج ننظر حوالينا ونستمع لكورال البنات العصافير وقد نضون عن فتنة الحسن الحجابا!

وهذا الشاعر (محمد سعيد جرادة) حاضراً في مجلسنا نترنم معه منسجمين:

أيها الشادي الذي أسمعنا من كتاب الفن أسني السور

صوتك الساحر في موجاته دقة الحس وعمق الفكر

لك شكري أنت قد أنسيتني قسوة الدهور وظلم القدر

إنما رفقاً بقلب شاعر

يتلاشى عند قرع الوتر

والشعر الغنائي السوداني في مربعاته ونقلاته الحديثة يتميز بالبلاغة والصور الباذخة والفن والتسامي العاطفي وقد قال شاعرنا (محمد احمد عوض الكريم أبو سن) وكأنه يصف معنا البيت اليمني السعيد:

شعراً ريش نعام

والوجه سمح مصقول

وعنقا صب قزاز

صانعنو في إسطنبول

نشم في تلك الجبال رائحة الفراديس بأرض الجنتين ونحن تحت اقدام العمائم والجلابيب البيضاء نتأمل في حسن الظباء الباهر والحاظها الفاتكة مع صفاء الفطرة.!

والشاعر الشعبي (زاهر عطشان) في تناص مع الشاعر (ابراهيم العبادي) والفنان (محمد احمد سرور) اغنية (يا سائق الفيات) وكان في رحلته على السيارة مع جماعته والتقي بسرب الفتيات حاملات الجرار للسقيا فكانت حواريه طلب السقيا منهن وخرجت الأغنية المسموعة حتى اليوم والشاهر (زاهر صلاح عطشان) يعمل في مهنة البناء وقد ذكر عنه الشاعر (عبد الله البردوني) ان له قدرة علي سحر النساء بتأثير شعره الغزلي. بالحس الشخصي بتركيب الصور وانبثاق الصوت. وكان على الطريق فصادفته فتاة حسناء تحمل جرة الماء وطلب منها السقيا وتمهل لكي يقلب عينيه في بستان وجهها الصبوح. ثم استعجلته للشرب من الجرة مباشرة فوق رأسها حتى لا تضيع وقتها حين تطرحها على الارض. وكان تحايله البريء عن عطشه لصاحبة الجرة بوحاً لها!

يا قادحة فوق وادي (جبر) يا قادحة

اسقيتني، أسقاش، قالت ما شنا طارحة

تعال من فوق رأسي غير قيام سارحة

شربت ما كنت عاطش عطشتي بالحة

ما هو عطش ماء ولا قهوة عطش (صالحة)

وقتها كان في اليمن الشاعر الدبلوماسي – سيد احمد الحردلو عميد سفراء العرب هناك وحضوره متميز وقد جاء لمدينة الحديدة والتقي بجماعة المعلمين في جلسة تعارف ونقاش كان يخاطبهم بأريحيته وحديثه الأنيس ولم أقترب منه فماذا عندي لأقوله وشخصي ضعيف وعاد للوطن من بعد محاربة عنيفة أذاقها له الإنقاذيون! وسمع من (عيدروس) أنى كنت هناك ولم اقصده في صنعاء.  وكثير من الناس كانوا يأتونه! وفي سنواته الأخيرة كان يشكو من العلل وعبر التلفون كان لومه وعتابه في عدم التواصل!

وعند كل محادثة يعيد نفس الملامة ومن جانبي أحس بأسف كظيم ولماذا كل ذلك لرجل دمث ونبيل!؟

انه نوع بليد من الغفلة والخسران!

وليتقبله الله بغفرانه ورحمته.

* (مربي سوداني عمل باليمن في الثمانينات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق