ثقافة وفن

مالطا أم مليته…!؟

منيرة الشايب (صحافية تونسية مقيمة في لندن)            

قمت في الآونة الأخيرة بزيارة خاطفة الى جزيرة مالطا لاستراحة قصيرة كنت أتوق إليها منذ أن بدأ ت جائحة كوفيد 19 في مارس 2020لماذا مالطا؟  لأنها واحدة من بين بلدان قليلة جدا على قائمة المملكة المتحدة “الخضراء” وقواعد السفر إلى هناك ليست طويلة او مكلفة كما هو الحال بالنسبة للبلدان على القائمة ‘ الحمراء ‘ وحتى ‘البرتقالية’.  إضافة الى قربها الجغرافي من وطني الام.  وأنا هناك كنت اتساءل عن كون مالطا على القائمة “الخضراء” في حين ان العديد من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الأخرى مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان ليست كذلك وان كانت له علاقة بالسياسة أكثر من الوضع الوبائي.  تقع مالطا في البحر الأبيض المتوسط على بعد ثمانين كم فقط جنوب إيطاليا، وهي واحدة من أصغر دول العالم وأكثرها كثافة سكانية. ورغم صغر مالطا الجغرافي، فأنها تعد واحدة من أثرى الأماكن في اروبا ثقافة وتاريخا ولغة. فلطالما وصفت مالطا بأنها بلد غربي بنكهة شرقية، بينما وصفت تونس بأنها البوابة العربية إلى العالم الغربي. أوجه الشبه بين البلدين لا تعد ولا تحصى، وتتجاوز القرب الجغرافي والطقس والمناظر الطبيعية. فقد غزا كلا البلدين الفينيقيون، والبيزنطيون، والرومان، والأتراك، والعرب، فضلا عن الفرنسيين.   مالطا كانت أيضا جزءا من الإمبراطورية البريطانية لأكثر من 150 عاما، لذلك ليس من المستغرب أن الأعمال التجارية والقوانين والتعليم لا تزال كلها متأثرة بالنظام البريطاني. فاللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية ومثل المملكة المتحدة، يقود المالطيون على اليسار. وتثير هذه التأثيرات وخاصة العربية والبريطانية منها حفيظة المالطيين الذين تفاعلت معهم، فهم يعتبرون أنفسهم أوروبيين جنوبيين وجزيرتهم الصغيرة “مركز العالم”.

تقع تونس الى الجنوب الغربي  لمالطا وتعتبر أقرب دول المغرب الكبير لها، وأوجه الشبه بين البلدين لا تتوقف عند هذا الحد. فاللغة المالطية هي مزيج من الإيطالية والعربية واللهجة التونسية تحديدا. وعلى الرغم من كتابتها بالخط اللاتيني، إلا أن اللغة المالطية مصنفة كلغة سامية، وأي تونسي يقوم برحلة إلى مالطا مثلي، سيندهش لدى سماعها ويلحظ أوجه الشبه العديدة مع اللهجة التونسية.  لقد أذهلتني هذه الحقيقة عندما زرت مالطا لأول مرة في أواخر التسعينات للعمل وأردت أن انجز تقريرا قصيرا حول هذا الموضوع، ولكن لم يكن هناك ما يكفي من الوقت

Elminstro Ta Lafariyet elbarrania:  اذ أول ما لفت نظري في ذلك الوقت تسمية وزارة الخارجية   هذه المرة، زاد اندهاشي عندما سألني سائق سيارة الأجرة الذي أقلني من المطار الى الفندق عما إذا كنت أفهم المالطية وقبل أن أرد، كانت المالطية التي تحدث بها نسخة تكاد تكون طبق الأصل من اللهجة التونسية! فالزائر التونسي والعربي لمالطة سيجد الكثير من الأسماء والأماكن بالعربية كمليحة وسليمة ومدينة والرباط وغزيرة (جزيرة) كما أن الشارع عندهم يسمى «طريق…»  قائمة الكلمات المتشابهة لا حصر لها: الأرقام، أيام الأسبوع، الأفعال والصفات. أينما كنت: في الشارع وفي المطاعم وفي محطة الحافلات، كنت أشعر وكأنني أسمع تونسيين يتحدثون بلكنة خفيفة.

شمش، يعني شمس، ‘شتا” يعني مطر،” اشرب”، ‘كول’ “بالموت “يعني ببطء ‘جورناتا طيبة’، ‘ esh ech ismek inti’،  ‘حبيب” يعني صديق،  “حفنة” يعني الكثير’ , فلوس’ يعني يوم سعيد يعني ما اسمك، وغيرها كثير جدا.  العناصر اللغوية المشتركة تتجاوز المفردات لتشمل أيضا قواعد اللغة وحتى الأمثال. حتى أنه يعتقد أن اللغة المالطية هي “الطفل الأكبر” للهجة التونسية.

وتمتد أوجه الشبه بين البلدين لتشمل المزاج العام أيضا.

فالمالطيون مثل التونسيين سريعو الانفعال ويعبرون عن مشاعرهم بلا تردد. ويعتقد أن اسم البلاد في الأصل مليته، وهي منطقة في جزيرة جربة على الساحل الجنوبي الشرقي لتونس تحمل حتى اليوم نفس الاسم، وهناك عائلات مالطية تقيم في تونس منذ عقود يعرفها التونسيون من القابها ولم تعد الى مالطا أبدا. ألم يكن من المفترض أن تكون مالطا وتونس بلدا واحدا؟

المؤتمر الذي حضرته في أواخر التسعينات كان سريا للغاية لم يسمح لنا بالإعلان عنه إلا بعد الحدث. وقد نظمته مجموعة من الأكاديميين مقرها في الولايات المتحدة الامريكية لإيجاد “أرضية مشتركة” في الشرق الأوسط، أي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من خلال وسائل الإعلام. ولم تمثل وسائط الإعلام الحاضرة هذين الطرفين فحسب، بل العديد من بلدان العالم العربي. كما كان هناك صحفيون عرب مقيمون في الغرب

كانت الدعوة توجه الى البي بي سي للمشاركة في هذا الحدث السنوي، وكانت تلك المرة الأولى التي ارافق فيها رئيس تحرير البرامج الوثائقية التي كنت اعد وأقدم بعضها.  الرجل الأمريكي المسؤول عن تنظيم المؤتمر السري، الذي كان بالكاد ينام ليلا وفي النهار يشرب أكوابا كثيرة من القهوة حتى لا يفقد تركيزه، توقع مني أن أوافق على توجيهاته بكيفية إدارة النقاش الذي كنت أسجله لبرنامج إذاعي خاص للبي بي سي. كان علي أن أذكره أن لدي محررا أصلا، واشير اليه. لم تتم دعوتي مجددا منذ ذلك التاريخ.

مالطا جميلة حقا وكل ركن فيها يشهد على تاريخها العريق، ولكن تماما مثل السرية التي كانت تحيط بالمؤتمر، شعرت أن هناك قدرا كبيرا من السرية تحيط بالجزيرة الصغيرة التي بالكاد تظهر في الأخبار وهي عضو في كل من الكومنولث والاتحاد الأوروبي أيضا.

فقد استضافت مالطا العديد من المؤتمرات حول مستقبل البلدان جنوب المتوسط، خاصة ليبيا قبل الحرب الأخيرة وبعدها، ولا شك ان بلدي الأصلي هو أيضا على جدول الأعمال، حيث أنه على مرمى حجر من مالطا. فالهجرة السرية من شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى هي دائما على رأس جدول أعمال الحكومة المالطية. منذ آخر مرة زرت فيها الجزيرة، لاحظت تغيرا كبيرا: فهناك الكثير من المهاجرين في كل ركن من أركانها بينما إجمالي السكان الأصليين لا يتجاوز نصف مليون شخص. المهاجرون هم من أوروبا الوسطى والشرقية

وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والمغرب الكبير ومصر والسودان وسوريا وتركيا وحتى من بدان أبعد بكثير وبالتحديد شبه القارة الهندية والشرق الأقصى، ويقومون بجميع أنواع الاعمال والوظائف وبعضهم يملك محلات تجارية ومطاعم خاصة بهم. 

كما وصلت مظاهر العولمة إلى مالطا أيضا: فالمقاهي والمطاعم الامريكية للوجبات السريعة لها حضور كبير لا سيما في العاصمة فاليتا والمناطق السياحية المحيطة بها.

السياحة مزدهرة وهناك أعمال بناء كبيرة في كل مكان تقريبا: اذ يتم توسيع الطرق وتشييد الفنادق والعمارات الشاهقة والشقق الجديدة إضافة الى بناء مدينة ذكية، وبعضها يفسد الطابع التاريخي للجزيرة ولكنها جميعا علامة على الازدهار واستثمار الأموال. 

فيما يتعلق بالتقارب اللغوي مع وطني الام، يعتقد أن هناك أكثر من 1300 كلمة مشتركة.

هذا التقارب اللغوي بين تونس ومالطا لا يكشف ويسلط الضوء على التاريخ العربي الإسلامي لمالطا أو الحقبة التي غزا فيها التونسيون البلاد وسكنوها فحسب، بل يكشف أيضا أن تونس محكومة بجغرافيتها أكثر من أي شيء مهما كان الموقف التاريخي او الرسمي

ولكن لأسباب قد تكون ثقافية او سياسية او اجتماعية، تعتبر العامية التونسية لهجة عربية، في حين أن اللغة المالطية،

على الرغم من الرأي القائل بأنها ليست إلا لهجة تونسية بنطق مختلف قليلا، اكتسبت استقلاليتها اللغوية، وبالتالي فهي غير مصنفة على هذا النحو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق