
توطئة:
سوف أرجأ مقدمتي عن البروف عبد الله التوم، هذا الرجل المتفرد والقامة العلمية إلى إحدى الحلقات القادمة والتي سوف نسلط الضوء فيها على موسوعيّته. حتما يعرفه البعض منَّا وقد تغيب معالمه عن البعض الآخر من أهلنا بالسودان. اسمحوا لي يا سادتي ولكي يدخل القارئ من أول وهلة في أجواء غرب السودان الحالمة وسحر السرد المتفرّد أن أغيّب مقدمتي فيه لحلقات تالية وسوف نتبع هذه الحلقة بحلقات عديدة شيقة متميزة وحصريّة للمدائن بوست كما سنبحث في هذا السياق عن حيواته وعن آثاره ومآثره الجليلة، هذه الشخصيّة علّمت نفسها بنفسها وبلغت من درجات المعرفة العلى.
د. محمد بدوي مصطفى
> من هو عبد الله التوم، النشأة، الشباب، الحياة نين الاهل:
< من هو عبد الله التوم؟ هذا السؤال كان حرياً به أن يوجه لأحد معارفي حتى تأتي الإجابة أكثر صدقا وحيادا. أنا من مواليد قرية بروش، شمال دارفور، وضعتني أمي بمساعدة قابلة أمية لم تسمع بالتاريخ الميلادي. ولكني ولدت أسعد حظا من غيري في المنطقة فبعد أكثر من عقد بعد ميلادي، فحص أحد الممرضين أسناني، تماما كما يفعل تاجر الماشية لتحديد عمر الحيوانات التي تباع في الزرائب، وقرر أنني ولدت في ١/١/١٩٥٦.
تقع بروش في ريفي أمكدادة، ١١٦ ميل شرق الفاشر وقد ارتبط اسم أمكدادة بمقولة شهيرة صِيغت في جرائد الخرطوم “أمكدادة ما ذنبها؟ “؛ قد يتيقن بعض قراء صحيفة المدائن أن هذه المقولة قد أشارت وقبل أكثر من جيل لوضع إحدى لبنات التهميش في السودان فقد جاءت المقولة عقب استيراد مرشح من خارج الدائرة ليفوز في أول انتخابات السودان المستقل ويصبح رئيسا للجمهورية وقد كان نائبنا المخضرم هو عبد الله خليل. عفا الله عن عبد الله خليل، أما أنا، فلا أستطيع أن أعفو عنه أي أعذره. لقد شغلته مهامه الجديدة فلم يستطع الرجوع لناخبيه ليشكرهم على تمكينه لتسلم رئيسا الجمهورية فاكتفي بإرسال صورته الجميلة الي أمكدادة لتحل محله!
نشأت في بيئة بعيدة عن الفقر:
لقد نشأت في بيئة سعيدة وطيبة وآمنة وبعيدة عن الفقر المقعد. لم نكن فقراء وما كنا نعرف أن هناك منظمات عالمية تستهدف الفقراء من أجل مساعدتهم وما كنا نعتقد إننا قد نكون من بين الشعوب التي تحتاج إليهم، إن وجدو. لا، وأبدا لا، فقد كان في وسع جميع الأسر أن تؤمّن مؤنتها من الزراعة والرعي ويتولى الأقارب والجيران رعاية من أقعدتهم الإعاقة أو المرض. كان يحدوني الأمل في صغري وكان ذلك حلم الجميع في عمري أن ينهض السودان الجديد والمستقل ويصبح من الدول التي تعرفنا عليها في رحلات مادة الجغرافية الوهمية وما كنا نتخيل أن الفاجعة في انتظارنا، فقد تبدد حلمنا بجدارة.
بروش أمكدادة وعلوم أهلها وفراستهم بالطبيعة:
تدرجت في الدراسة وكنت أبتعد أكثر من بروش كلما تقدمت في مراحل التعليم: بروش، أمكدادة، الفاشر ثم الخرطوم. لم يكن هذا التباعد جغرافيا بحت، بل كان فكريا فجا عصفت بانتمائي إلى بروش وأولويتها، ومعرفتها ببيئتها، ان لم نقل وقراءتها للعالم. لقد عرفت لاحقا ان النظام التعليمي في السودان حضري المنحى ومتعمق في احتقار الريف وثقافته. نجاح طفل الريف في ينزعه نزعا من ثقافته فيأتي بزي جديد ولسان جديد ومذاق طعام جديد أيضاً. لقد تضاءلت خجلا مرات ومرات عندما تابعت أهلي في بروش وهم يتحدثون بدراية وحماسة عن طباع الأغنام وطباع الجمال وأنواع الجراد، المأكولة منها والسامة. كنت في حينها مهموما بنتيجة الانتخابات الأمريكية وفرص فوز جيمي كارتر أم هزيمته وبمباحثات التسليح النووي. أرني خريج جامعي واحد في السودان يستطيع أن يجاري أهلي في بروش في الحديث عن طباع الماعز لأكثر من عشرين دقيقة. الهم أرفق بالسيد عمر القراي، الوزير الحالي للتعليم، في مهمة إعادة صياغة المنهج المدرسي في السودان.
بين جامعات بلفاست (إيرلندا الشماليّة)، سانت أندرس (أسكتلندا) وكيس وسترن (أوهايو):
تحصلت على درجة الماجستير في جامعة الملكة ببلفاست في إيرلندا الشمالية (١٩٨٠)، والدكتوراه من جامعة سانت أندرس في إسكتلندا (١٩٨٣)، قضيت سنة ما بعد الدكتوراه في جامعة كيس وسترن، أوهايو في الولايات المتحدة الامريكية، وجميعها في علم الاجتماع.
> القراءات التي دعمت مسيرتك العلمية حتى طافت بك في كل انحاء الدنيا:
< لا أدرس كيف أصبحت وراقا، أي مؤلفا للكتب في أنني نشأت في بيت من بيوت الكتاب الواحد وهو المصحف الكريم. يظل المصحف وحيدا في المنزل حتى يأتي المولد النبوي حين تحط علينا كتبه ومدائحه ومعظمها من تأليف الأمام الميرغني الأكبر. بعد فترة المولد تختفي هذه الكتب تماما فلا مكان للميرغنية وحزبها في بروش. نعم، نشأت في مجتمع شفوي يحصر القراءة والكتابة في حيز الدين وكل كلمة او حرف فهو مقدس. أذكر أن بعضا منا يقوم بحرق أي ورقة ملقاة على الأرض حتى لا يطأها أحد فكل كلمة عربية تشمل اسم الله أو مكوناته من الحروف الأبجدية. قد أكون أفضل حظا من غيري فقد نال والدي شيئا من التعليم الاولي وقد كانت والدتي أول بنت يدفع بها والدها للمدرسة وتبعتها بعد ذلك أختها ست الأهل، أمد الله في عمرها. لقد ساعد التعليم الابتدائي الذي تحصل عليه والدينا في تعليمنا بل وتعليم أبناء أقربائنا أيضا.
ثقافة المشافهة:
شفوية مجتمعنا تعني أن التعليم لم يحدث تأثيرا في الحياة اليومية فلا جرائد محلية ولا مكتبات عامة ولا ندوات ثقافية وقد ظل استغلال العلم في دفع الاقتصاد أيضاً ضعيفا لحد ما. والغريب أنه بالرغم من ذلك، فان أمكدادة الكبرى هي من أعظم منارات التعليم في دارفور، فهي مدينة ولا يخلو حي من أحيائها من وجود عشرات المعلمين والمعلمات ويندر أن تجد متعلما في دارفور لم يتتلمذ على يد أحد معملي ومعلمات أمكدادة.
رأس المال وكارل ماركس:
أطلت الحديث عن معلمي أمكدادة لأنهم مصدر جل الكتب التي قرأتها في يفاعة عمري فأقرب المكتبات كانت في مدينتي الفاشر والأبيض، أي على بعد يومين أو ثلاثة بالناقلات وهي قليلة الجود. في اللغة العربية وفي مجال الأدب، قرأت بعض الكتب لنجيب محفوظ والمنفلوطي والعقاد وبعض ترجمات أرسين لوبين. أما من الكتاب السودانيين، فقد تأثرت بكتابي حسن نجيلة وهما “ذكرياتي في البادية” و”ذكرياتي في دار العروبة”. قد كان الكتاب الأول أقرب إلى واقعنا أذ أنه عُني بمجتمع تعاشرنا وتصاهرنا معه وقد ألهمني الكتاب بحلم مجاراته بالكتابة عن منطقتي وهو ما فعلته لاحقا بجهد متواضع. حاولت قراءة “رأس المال” وأنا في المرحلة الوسطي ولم أفلح في فهمه وكمال قراءته لأنه يتطلب الماما عميقا بعلم الاقتصاد. لم أعد لرأس المال إلى أن التحقت بالجامعة حيث درسنا بعضا من علم الاقتصاد السياسي وقد كنت في حينها أيضا عضواً في مكتبة المركز الثقافي الروسي في الخرطوم. وأعترف أني إلى الآن أفضل أن أقرأ عن كارل ماركس أكثر من أن أقرأ له.
رحلتي مع الأدب الإنجليزي:
أما باللغة الإنجليزية فقد أعجبت بقصص الأدب الإنجليزي وهي كانت متوفرة لمقررات مرحلتي الوسطي والثانوية. لقد كان تشالس دكنز هو أحب الكتاب إلى نفسي ولم أتمكن حتى الآن من قراءة مؤلفاته الكاملة والكتب التي قرأناها جاءت مبسطة ومتماشية مع ما اكتسبناه من مستوى في اللغة الإنجليزية. لا أدري كيف تحصلت على كتاب الكاتب الفرنسي دوركهايم “الانتحار” وهو أول عمل أقرأه بلغة الكاتب وإن كان ترجمة خالصة من الفرنسية الي الإنجليزية. قرأت هذا الكتاب وأنا في صف أولى ثانوي والغريب أني قمت بتدريسه عدة مرات فهو ضمن مقررات علم الاجتماع في جامعات كثيرة.
أنا والإخوان المسلمين والكتب الدينيّة:
أما في الجانب السياسي فقد كان جهدي ضعيفا في مرحلتي الأوسط والثانوي فقد كانت الكتب السياسية تكاد تكون معدومة في المنطقة. أقول ذلك لأني لم أكن أعلم وأنا في الأوسط أن الإخوان المسلمين يمثلون حزبا سياسيا في السودان. قد يكونوا كذلك في الخرطوم وليس في أمكدادة. بالرغم من ذلك، انتشرت كتب الإخوان المسلمين في المنطقة وقد أتى بها إخواننا الكبار والذين وصلوا مرحلة الجامعات والمعاهد العليا. لقد تعاطف جيلي مع هذه النخبة الجديدة، ربما بسبب القرابة أكثر من التقارب الفكري أو الحزبي. قد قرأت معظم كتبهم المتداولة مثل “جاهلية القرن العشرين” لمحمد قطب، و”العدالة الاجتماعية في الإسلام” لسيد قطب وبالطبع “معالم في الطريق”، أيضا لسيد قطب والذي أعتقد أنه أصبح بمثابة منفستو لحكومة الإنقاذ. كيف لا والكتاب يوصي بثلاث أعمدة لأنشاء المجتمع الاسلامي وهي: التصورات الاعتقادية، والشعائر التعبدية، والشرائع القانونية وقد بذلت حكومة الإنقاذ جل جهدها في هذه المحاور. ومن الطريف أنني عندما وصلت الصف الأول في المدرسة الثانوية، بعثت مجموعة الإخوان المسلمين بأحدهم لتجنيدي كما تفعل كل الأحزاب بالطلاب الجدد. جاءني يحمل بعض الكتب التي ذكرت بعضا منها وارتبك غير مصدق حينما أخبرته قرأت كل هذه الكتب ولا رغبة لي في الانتساب إلى مجموعته. تحدثت معه واستخلصت أنه لم يقرأ بعض الكتب بعد ولم يكن ذلك غريبا فالإخوان المسلمون ليسوا قارئين ولم يترك لهم محاولة حفظ القرآن الكريم وقتا لقراءة الكتب، ولا سيما الأدبية. أقول هذا ولا اعتراض لي على حفظ القرآن وقد كان والدي، عليه الرحمة، من حفظة القرآن.
> أنتم على علاقة وطيدة برئيس الوزراء حمدوك، ماذا تعرف عنه من سمات يجهلها المواطن العام:
< نعم أعرف السيد رئيس الوزراء حمدوك وذلك من زياراتي العديدة لإثيوبيا وقد التقينا مرات ومرات سواء كان ذلك في بيته أم في أحد مطاعمه المفضلة. أما على الصعيد الرسمي، فقد شاركت معه في عدة ورش أعمال في دول عدة، بعضها تحت قيادته. ليست لي اتصالات مباشرة معه وأكتفي ببعث رسالاتي الشخصية عبر طرف ثالث في طاقم وزارته. أتفهم أن صعوده لمنصب رئاسة الوزراء يحتم عليه إعادة تنظيم شبكته الاجتماعية الخاصة، وقد كان، فقد أصبحت الآن خارج الشبكة الجديدة. يمكنني وصف حمدوك بأنه خلوق ويتمتع بعلاقات واسعة على نطاق السودان وأفريقيا والعالم أجمع. أما كفاءته وجدارته في مهامه الرسمية فيكفيني أن أشير إلى واقعة سمعتها ولم اتشرف بحضورها: في حفلة وداعه من مكتب الأمم المتحدة في أديس أبابا، فُرشت له الطرح ليمشي عليها وهو في طريقه إلى المنصة وهذه عادة أثيوبية قديمة مخصصة فقط للملوك والأمراء العظماء. أضيف أيضا أن حمدوك ورد أسمه كأحد المرشحين لمنصب نائب السكرتير العام الحالي للأمم المتحدة ولكن لم يحالفه الحظ في الفوز بالمنصب. إن كان لحمدوك منقصة فهي تكمن في طيبته المتناهية، فالسياسة أحيانا تتطلب المكر ودفعْ الخلق الطيب جانبا وهذا ما لم يتطبّع عليه سيادته بعد.
> تحدثت في بعض أبحاثك عن الصراعات النفسيّة أو لنقل العرقيّة وطرحت قضية الهوية وتداعياتها ومآلاتها في سياق السودان الوطن؟ ماذا يمكن لنا أن نتعلم من ماضي السودان وما هي الخلاصة لحاضره القريب والبعيد انطلاقا من قراءة سايكو- أنثروبولوجية لهذا البلد القارّة؟
الهويّة:
ترددت كثيرا في الاستجابة عندما طلب مني الأستاذ محمد بدوي مصطفى، رئيس تحرير جريدة المدائن بوست الأدبية، أن أتحدث عن الهوية في السودان. تدعونا سيكولوجيتنا أن نتحدث بتفاخر عما يجمعنا مثل الكرم واستضافة الغريب ومساعدة الفقير ومعاطفة المكلوم. أما سوءاتنا والتي نمارسها في حياتنا اليومية، فالحديث عنها يندرج في عداد المحرمات. لقد أبدع الكاتب السوداني فرانسس دينق عندما عبر عن معاناتي بقوله “إنما يفرق بيننا في السودان هو ما لا نتحدث عنه”.
لقد تجاهلنا مسألة الهوية لقرون حتى عصفت بوحدة البلاد. ذهب عنا حديثاً جنوب السودان وما زلنا نناضل للحفاظ على جبال النوبة وجمعينا نعرف أن الخلل يقبع في الهوية العوجاء والتي فرضها قادتنا علينا منذ الاستقلال. أقول إن هويتنا عوجاء لأنها لا تسع تنوع السودان وتعدد إثنياته. الهوية الوطنية ليست مجرد دعابة فكرية لتحديد ذاتية المواطن ولكنها إطار لتنمية المجتمع وبكل مشتقاتها السياسية والثقافية والاقتصادية وتحدد نصيب الإثنيات المكونة للسودان للتعاطي مع هذه المشتقات. دعني أعالج مسألة الهوية في السودان في محاور محدودة. وإن افتقد تحليلي روح المهادنة، فقد سبقني في ذلك مفكرون أفذاذ مثل محمد جلال والعفيفي ومادبو وشريف حرير.
البعد الإفريقي:
قد نشأت الهوية السودانية باستقصاء شقها الإفريقي ويعني ذلك تجاهل غالبية إثنيات القطر من عملية نسج الهوية القومية. لقد أصر قادتنا أن يصبح السودان دولة عربية صرفة وليت هذا المنحى شمل كل عرب السودان وليته أيضا قوبل بالرضى في العالم العربي. أما داخل السودان فقد بنيت العروبة على ثقافة مستعربي الإقليم الشمالي حصريا مع استبعاد قبائل عدة، بعضها أكثر عروبة مثل الكبابيش والرزيقات والرشايدة والمسيرية بحكم أن عروبتهم متخلفة وقد تقعد بالمشروع الجبار. أما فيما يخص نجاح هوية السودان في العلم العربي، فحدث ولا حرج. عندما تقدم السودان للانتساب إلى منظمة الجامعة العربية، تم رفض الطلب بإصرار لا يخلو من الاستهجان. ولعل الدول العربية كانت أذكي منا حينها فالسودان دولة إفريقية ولا مكان لها بينهم. لم يتمكن السودان من دخول الجامعة العربية إلا بعد الجهد الجهيد والذي قامت به مصر لعلاقتها التاريخية بالسودان. ليتنا اقتنعنا برفض الانتساب فالسودان الآن عضو مستخف به في الجامعة العربية والعلم العربي أجمع. سل السودانيين الذين أفنوا حياتهم في الخدمة في السعودية ودول الخليج، فلكل قصة تعكس النظرة العربية والدونية للوافد السوداني.
عفا الله وأجزل عطاءه للمفكر الإفريقي على مزروعي حينما قال إن السودانيين آثروا أن يكونوا أسوأ العرب من أن يكونوا أفضل الأفارق. قد ألهبت هذه المقولة مشاعر بعض المفكرين السودانيين فرددوه بنوع من التفاخر. نعرف تماما ما الذي يجعل السودانيين أن يكونوا أسوأ العرب وذلك لتغولهم على نادي لا يعتبرهم أعضاء على حد سواء. ولكن ما الذي يجعل السودان أفضل الأفارقة، يا سيدي بروفسير مزروعي؟ هل هو الإسلام أم عمق الثقافة العربية أم هو اللون الذي تحايل عليه السودانيون بشتى الطرق فوصفوا بشرتهم بالأخضر والأسمر والأزرق، كلها لتفادي اللون الأسود وهو ما اشتق منه إسم السودان؟ هذه الخصائص الثلاثة لا تعطي السودان أية أفضلية على الدول الأفريقية وليست هي حكراً عليه. صحيح أن الثقافة العربية قد ربضت اللون الأسود بكل ما هو سيء وقد أصبح هذا مداعاة لعقدة “الأم السوداء” كما عبر عنه الأستاذ العفيفي فمستعربي السودان يرون أنهم نتاج أب عربي وأم إفريقية. برزت أصوات عدة تتحسر على اشتقاق أسم السودان من لون بشرة سكانه وهذه حقيقة تاريخية أذ أن كوش وكرمة ونوبيا وإثيوبيا، جميعها ترمز الي البشرة السوداء. والغريب أن قائمة المتظلمين من هذه التسمية شملت بعضا من كبار مفكري السودان مثل الطيب صالح والذي لم يرتبط اسمه بهوس المركز الإسلاموعروبي، فهو القائل مستنكراً أن السودان هو الدولة الوحيدة التي سميت باسم لون بشرة سكانها. حتى علم السودان لم يسلم من نكران الذات الأفريقية وإيلاج السودان في لب البلاد العربية، ففي عام ١٩٧٠، ألغي علم السودان والذي ساد منذ الاستقلال واستبدل بعلم آخر أكثر عروبة. تعجب الكاتب جلال هاشم أن العلم الجديد قد بني على بيت واحد من قصيدة الشاعر العربي صفيّ الدين الحِلّي والذي ولد في القرن الثالث عشر حيث قال:
بيضٌ صنائعنا، سودٌ وقائعنا – خضرٌ مرابعنا، حمرٌ مواضينا
غني عن القول إن معظم السودانيين لا يعرفون حتى القليل عن هذا الشاعر الذي أوحى لنا بألوان علمَنا ولا يمت هذا الشاعر إلي السودان بأية صلة.
لقد قسمت الهوية السودان إلى أسياد يستأثرون بالسلطة والثروة وآخرين أقل حظا وبينهم من قال عنهم شريف حرير أنه يمكن استرقاقهم. صحيح أن الهوية الحالية عززت عقلية النخاسة في السودان وللرق تاريخ طويل في السود ان لا يسمح المجال لسرده. أن إلغاء الرق فُرض على السودان ولم يتأتى من قيادته سواء كان ذلك في المهدية أم غيرها. أشار نقد في كتابه “علاقات الرق في المجتمع السوداني” إلى المذكرة التي رفعها “الأسياد” الثلاثة: علي الميرغني والشريف يوسف الهندي وعبد الحمن المهدي ١٩٢٥. تقدموا بهذه المذكرة ألي مدير المخابرات البريطاني في السودان يستجدونه فيها بعدم المضي قدماً في تحريم الرق والسماح لمزارعي أبو حمد بمواصلة ملكيتهم للرقيق واستغلالهم في الزراعة. نعم، كان هذا في القرن السابق ولكن الروح باقية في رمزيات شارع الزبير باشا في الخرطوم والذي لقب بملك النخاسة. ليس أدل على قوة وجود الزبير في مخيلة بعض السودانيين أن البروفسير عبد الله الطيب نفسه استجار به وبنبرة عنصرية عقب مجزرة طالت أهله في جنوب السودان:
ألا يدري قبر الزبير بأننا
نذبح عند الزنج مثل البهائم
والأكثر غرابة أن الزبير لم يلعب أي دور في محاربة الاستعمار أو تحرير السودان ولقب باشا يفضح تعاونه مع المستعمر أكثر من مناوأته.
في عقدي الثانيات والتسعينات استعاد السودان ارتباطه بالرق وكان ذلك إبان حروبه ضد محاربي جنوب السودان. انتشرت في هذه الحقبة قصص سبي مواطني جنوب السودان وهرعت المنظمات الخيرية الغربية لتحرير الذين تم استرقاقهم بشراء حريتهم. الحق يقال إن هذا لم يحدث في حرب دافور الأخيرة ولكن وصف حركات دارفور وإثنياتهم بالزرقة لها مدلولاتها في معايير الأيديولوجية الإسلاموعروبية. ربما تغالى القوات التي سميت بالجنجويد أكثر في هذا المجال ففي صرخة حروبهم كان بعضهم يهتف: “المات، مات شهيد، والحيا يحل ليهو مال العبيد”. لا أقول إن هذا هو فكر كل الذين حاربوا “الزرقة” في نضالهم ضد المركز في دارفور فنحن ندري أن للحرب منطقها والذي قد يستدعي شيطنة العدو واستلاب إنسانيته. عندما أقدم الهوتو لإبادة التوتسي في رواندا في عام ١٩٩٥، وصفوهم بالصراصير والتي لا يمكن التخلص منها إلا بإزالتها الجماعية، وكذلك الحال في إبادة اليهود بيد الحكم النازي في ألمانيا حيث بدأوا بنزع إنسانيتهم وليس فقط هويتهم الألمانية. وصفوهم بأنهم صئبان أم هوان ولا يستقيم وجودهم بين “الجنس الآري الرفيع”. أود أن أشير هنا أن نمط شيطنة العدو المعتقد سواء كان ذلك الزرقة دارفور أو التوتسي في رواندا أو اليهود في ألمانية الحقبة النازية لا تأتي من فراغ. إنها نتاج حاضنة فكرية تضفو إلى السطح خلال أزمات المجتمع وتظل كامنة في فترات الهدنة الجمعية.
الهوية توزيع السلطة والثروة:
لا غرو أن الهوية هي التي تحدد أطر الحقوق والواجبات في المجتمع وتقرر أولويات توزيع الثروة في البلاد. يعني هذا أن الهوية الشاملة للكل هي التي تضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة، أما الهوية الإقصائية، مثل هوية السودان الحالية، فتنتهي بهضم حقوق غالبية الشعب في المحورين المذكورين. أعتقد إن “الكتاب الأسود” والذي قمت بترجمته إلى اللغة الإنجليزية قد كفاني الحديث عن هذه المعضلة. ليس هذا فحسب، فقد أقتنع الجميع بضرورة مراجعة توزيع السلطة والثروة في مفاوضات أبوجا والمفاوضات الحالية في جوبا. لقد تحدثت في بعض مقالاتي عن رسالة ال ٩٥:٥ ٪ بمعني هيمنة ٥٪ من سكان السودان على ٩٥٪ من الشعب السوداني وتحويل جل موارد إلى إقليمهم الشمالي وضد كل أعراف الإقتصاد ومعايير التنمية. قلل الكاتب مادبو النسبة إلى ٢٪، زاعماً إنهم المهيمنون على سلطة السودان وثروته. وتساءل مادبو عن كيف يستقيم إستصلاح أراضي موري بواقع ٢٠٠٠$ للفدان مقارنة ب ١٠٠$ في كردفان أو دارفور؟
الهوية والتاريخ:
لقد قبعت الهوية السودانية شبه معزولة عن السوان بتنوعه وتعدد ثقافته. وبدلاً عن تعديل الهوية لتتسق مع شعبها، هرع قادتنا لتعديل تركيبة السودان لكي يتماشى مع الهوية. يحضرني هنا قصة الوزير عبد الله محمد أحمد وقد كان وزيراً للثقافة في إحدى حكومتي الصادق المهدي. أمر هذا الوزير مسؤولي المتحف القومي السوداني بإزالة آثار الحضارة النوبية واستبدالها بمعروضات أخرى حتى يعكس المتحف تاريخ السودان، ولاسيما الإسلامي. وتنفيذاً لأوامر السيد الوزير، أزيلت تحف الحضارة النوبية وهي من أعظم حضارات الدنيا وهي سبقت الحضارة الإسلامية بآلاف السنين. أما وزارة التعليم فهي أيضا لعبت دورها في هذا المضمار وكرست مادة التاريخ لدراسة تاريخ الإسلام والدول العربية كامتداد لتاريخ السودان وأصبح تلاميذ المدارس يعبرون البحر الأحمر لكي يتعرفوا على أجدادهم وأسلافهم: العباس وعلي إبن أبي طالب وجعفر المنصور وفاطمة الزهراء. يمكن أن نضيف هنا ظاهرة تغيير أسماء القرى، بالأخص في غرب السودان من قبل الحكومات المتعاقبة مثل عد الغنم والتي أصبحت عد الفرسان وعريجة والتي أصبحت عديلة، وخسار مريسة وغيرها. وألفت النظر هنا إلي أسماء الأحياء الجديدة في الخرطوم وغيرها من المدن والتي نزعت من الدول العربية دون أدنى تفكير. أن أسماء القري والمدن مرتبطة بتاريخ المنطقة ولها مدلولاتها الثقافية ولكنها أصبحت عقبة أمام الهوية الجديدة.
دكتور خليل إبراهيم اسم معروف في الأوساط العامة في السودان ولكن قليلين يعرفون قصة حصوله على إسم “خليل”. ففي أول حصة لخليل، دخل عليهم مدير المدوسة ليتأكد من عضوية الفصل الجديد. وقف المدير أمام الطفل وسأله عن أسمه فرد خليل أن اسمه “هنين”. تعجب المدير من هذا الاسم وفكر ملياً ثم قال: “من اليوم إنت إسمك خليل ولا نريد سماع كلمة هنين بعد اليوم.” تحرك المدير نحو تلميذ آخر وترك هنين يكرر لفظ خليل سراً حتى لا ينساه فلم يسمع بهذا الاسم من قبل ولا يعرف معناه وفقد كان إذ ذاك يتحدث لغة واحدة وهي لغة الزغاوة. أشير هنا أنا التحدث بلغة الزغاوة محظورة في المدرسة ويسري هذا الحظر على جميع اللغات غير العربية. فالمدرسة في زمن هنين تمثل أرض معركة لتحطيم الثقافات المحلية وتعزيز الهوية المختارة.
لم تأتي كل الأسماء المشبوهة نتيجة لأوامر فوقية فقد برع المهمشون أنفسهم في نهش ثقافاتهم المحلية وإحلالها بالهوية الجديدة الإسلاموعروبية. دعني أعطي مثالاً واحدا من مدينتي أمكدادة وقد يظن من لا يعرف موقعها أنها مدينة سعودية لا تبعد كثيراً من مكة المكرمة. أقول هذا لأن أمكدادة تضم أربعة أحياء سكنية وهي مزدلفة، الصفا والتقوى والسلام. أنبه القراء أن كلمة السلام أيضاً لها جرس ديني حيث أنها جزء من تحية الإسلام وختام صلواته. ليس هذا اعتراضا على الأسماء الإسلامية ولكنه إشارة للاستلاب الثقافي الذي نعاني منه.




