سياسة

من داخل أخطر مكان في الجزائر (2/2)

أبو بكر زمال

ينتمي الضابط السامي إلى أولئك الرجال الذين خبروا الإرهاب وليله الدامي والأسود، تمركز خصوصاً في الغرب الجزائري، حيث معاقل إرهابيين من القادة الدمويين للجماعات الإسلامية المسلحة. تعرّف على دهاليز الموت وواجهه كما واجهه غيره. والأكيد أنه فقد أصدقاء له ورآهم بأم عينيه وهم يستشهدون برصاص الإرهاب. طويل، أعسر، ويضع نظارات الرؤية تساعده في النفاذ بسلاسة إلى المتحدّث، ذو ملامح تشي بالحذر والذكاء والفطنة والانتباه.

في مكتبه المرتب والأنيق، والأكيد أنه يحوي خفايا وخبايا كثيرة، جلس قبالتي، مبتسماً ومرحّباً وبشوشاً. سؤال عن الأحوال والصحة والعافية، تواردت في ذهني آراء ومواقف عديدة، مسبقة ومركبة ومربكة عن مثل هؤلاء العسكريين. عن شدّتهم وقسوتهم وألاعيبهم وسطوتهم وتغلغلهم المرعب في حياة المجتمع، وفي نفوس المواطنين. خطفني صديقي من شرودي السابح في تيه الأفكار وأمواجها التي تتلاطم عند عتبة عقلي، بالجملة التالية: أنتم دوماً تقولون فلنلتق بأحد الذين يشتغلون في الخفاء ووراء الستار، ويعرفون الخيط الأبيض من الأسود وكل صغيرة وكبيرة في البلاد. ها أنت أمام واحد منهم، قل ما تريد وما تشاء وما ترغب فيه.

.. تكلّم بشكل عادي وبلغة بسيطة دارجة ممزوجة بالعربية الفصحى وكلمات بالفرنسية، تملّكته كما الكثيرين ممن هم في موقعه الحيرة والقلق من الصورة المخيفة التي تشكلت عنهم، وأضيفت إليها الأكاذيب والافتراءات، وقد زادت شدّتها خلال الحراك الذي انفجر يوم 22 فبراير/ شباط، حيث لعلعت الشعارات ضد المؤسسة العسكرية، وتعرّضت المخابرات لهجوم كاسح لم يألفوه لا هم ولا الرأي العام، وتحوّل المركز الذي أنا في داخله إلى مرمى وساحة تلقى عليه شتى صنوف النقد والاتهام والتجريح، وصلت إلى حد وصفه بالإرهاب. بل قال لي الضابط، بنبرة صوت فيها كثير من الحيرة والأسف والحسرة والامتعاض، إنهم يحسون بالألم جرّاء تعليق التهم عليهم، وحدّة التكالب الغريب والغامض الذي يسمعونه يصطك بين أسنان الحراك.

لم أشأ أن أعطي للأمر أهمية قصوى، كي لا يتفرّع الحديث إلى هوامش وزوائد لا طائل منها ولا تؤدي إلى أي أفق، فالذين وراء هذه الأمور معروفون بالأصل والفصل والشكل، لهم حساباتهم المريبة ونواياهم الخسيسة، وحتى أطماع تتعدى مجرد شعاراتٍ تمسّ بالجيش. أوضحت، وأعتقد أنهم يدركون جزءاً من هذا ويعرفونه، أن الأحوال، كما تُجمع آراء وتحاليل وتفسيرات كثيرة، تصب في فضاءات مكفهرّة ومضببة وهشّة، وتحتاج مسحاً شاملاً، وإعادة صوغ ملحمة جديدة تخرج عن المألوف والمكرّر والمستهلك والرديء والمغشوش والاتكالية التي تفشّت في الحياة العامة للمجتمع، وأخبرته، مثلاً، أن المعركة الإعلامية الجزائرية، بأشكالها المتعدّدة الحالية متخلفة وفاشلة وغير ناجعة، وتافهة ورديئة وخارجة عن النطاق، وأن “الكارتيلات” الإعلامية التي اعتمدتها الدولة أو النظام، ودعمتها بالأموال والغطاء السياسي والأمني في الدفاع والهجوم أو ترويج منجزاته نقصها الاحترافية العالي، وتفتقد معيار التميز الحقيقي، ويهرب منها عامل التأثير القوي، مثلما هي عليه وسائل إعلامية تلعب جنبنا، وهو ما انعكس على النتائج الكارثية لهذه المعركة، حيث تداعت قلاعها وحصونها في مواجهة جيوش تزحف بكل أريحية في وسط “السوشيال ميديا”، وفي وسائل أخرى.

الوضع نفسه بالنسبة لمن يقال إنهم النخب المتوزعون على كل المجالات. كيف يقبل هؤلاء على أنفسهم أن يُقادوا في مسيراتٍ يتقدمها فتيانٌ لم يبلغوا بعد سن الرشد. هذا ما لم يستوعبه الضابط، وسألني عنه. طنّ سؤاله في أذني، واستعدت، في تلك اللحظة، صورة فلان وعلان، ممن ملأوا الشاشة هرجاً ومرجاً. كانوا يُساقون إلى ميدان الحراك مخدّرين كأن على رؤوسهم الطيور، نخب كان من المفترض أن يشيدوا خطاباً عقلانياً ومفتوحاً على مآلاتٍ تأخذ بيد الحراك، وتنتشله من تيهانه وتعقيداته، وتضعه في ربوع أكثر رحابةً وبساطة وشرعية وصدقية، ولكنهم آثروا الاصطفاف خلف العبث واللامعنى والحلول الوهمية والشعارات الملتبسة والآفاق المريبة والخلافات التافهة، منصاعين لأحلامٍ طوباويةٍ، ممتثلين لطواطم تضربهم على أيديهم، وتضغط على عقولهم، وتُفرغ أرواحهم، وأكثرها مسلّمة لقوى مشبوهة تتلاعب بهم كيف شاءت، وتوجههم أنّى أرادت.

قلت، فيما معناه، إن هناك خللاً في طرق معالجة الوضع، وأخطاء كان يمكن أن لا يتم التغاضي عنها، حتى لا يتم الوقوع فيها ولا تتعقد أكثر، ويصبح تفكيكها مستحيلاً، سواء أكانت معالجة تنزع من السلطة أو تفرض من بيده القرار. والنتيجة أن لا أحد استطاع أن يهدّئ روع الشارع القلق، بعد أن كسر عقدة الخوف والكسل والخنوع، الرافض والمتمرّد والمثقل بالمشكلات والصعاب، كل ما تم بدا في أعين الشارع تحت درجة الصفر.

يومئ برأسه أو يتوقف لحظة، يعطي ملاحظة ورأياً ثم يصمت. لم أعرف إن كانت حركة رأسه دلائل على الموافقات أو المرفوضات. كان عليّ، في كل الأحوال، أن أقتنص هذه الفرصة السانحة، السابحة في هذا العالم الواسع لمن يصنعون بأيديهم (كما أعتقد دوماً ويعتقد غيري) القرار ويؤول إليهم، البعيد عن الأضواء التي تبقى خافتةً بحكم العقيدة والمنطق والطبيعة، والوصول إلى اختراق مغاليق مضروبة حولهم بالحديد والأسلاك، يحتاج إلى قوة ناعمة ووقت وصبر وجهد.

تكلمت بكل حرية عما نشرتُه، خصوصاً في مقالي المشار إليه، ووضعت بين يديه ما كنت ألمسه، خصوصاً في تلك العيون الهامشية التي تكاد تلاحقني من أول الحراك البريء الصاخب إلى آخره المموه والمقنع بشتى الأقنعة، وغيرها من القضايا والمشكلات التي أقف عليها، وألاحظها في اليوميات والواقع. كان أهم سؤال شغلني، وأنا أنتقل من موضوع إلى آخر، عن مدى قناعة من يمثلهم الضابط بما آلت إليه الأحوال العامة، أولئك الذين لا ينطقون إلا نادراً، ولا يعطون الرأي السديد إلا في نطاقاتٍ ضيقةٍ جداً، المبني على معطياتٍ دقيقةٍ ومعلوماتٍ حقيقيةٍ فائقة السرّية؟ كيف ينفذون إلى هذا كله؟ وكيف يتطوّرون معه؟ وما هي استشرافاتهم الواضحة والصحيحة، البعيدة عن القراءات المسبقة وردود الأفعال الهزيلة وسفسطائيات النظام ورجالاته وكل أركانه؟

على هذا الأساس، قلت للضابط السامي إن الحلول ليست مستحيلة ولا صعبة، تبدأ بفتح السلطة الحقيقية كل المجالات الممكنة لحل حبال العقد بين السلطة والحراك. وقصدت بالسلطة الحقيقية: العسكر، لأنهم الوحيدون من يمكنهم أن يفرشوا الطريق نحو عودة الثقة والطمأنينة إلى النفوس، فالمكونات الأخرى، وغيرها من القوى، أضفت، فشلت في تبريد سعير الاحتقان والتخفيف منه، فلا الحكام ولا الساسة ولا رجال الدين ولا النخب ولا أي طرف أمكنه تغيير مجرى التدفق الهائل للتذمر والسخط والضيم المتنامية قوته في كل زاوية وزقاق وحي وشارع وبيت، ولا استطاع ترميم الأعطاب المتشققة في النفوس والأرواح والعقول وفي الحياة… هذه قناعتي، وإن كانت ستبدو خيالية، أو فيها شيء من السريالية، ولكنني على يقين أن لا حلّ من دون أن يكون العسكر هو الأساس والمركز والفعل. ولكن بشرط أن ينتج ويبدع حضوره بشفافية من دون مواربة وعلى العلن، وليس مثلما كان يفعل سنين، حين كان يتحكّم ويحكم في الخفاء، ويعيش في الظلال وهو يقرّر المصير ويرسم المستقبل.

لربما كانت وراء فكرتي هذه وقناعتي ما يبدد، ولو لحظة، تاريخاً مضطرباً من الجدل والصراع والاحتدام الذي رافق العلاقة بين العسكر والدولة والشعب، مع الفرق في النتائج التي تصل إليها الخيارات بين جميع الأطراف، إيجابية أو سلبية، نافعة أو ضارّة.

لست أدري إن رأى الضابط السامي في أفكاري هذه ضرباً من خيال، أو أنها لامعة برق، يمكنها أن تتحقّق وتتجسد في ظل سيطرة مفاهيم تقليدية وأنماط من التفكير، مرّ عليها الزمن وشاخ، وما زالت تعشعش كالعنكبوت في بيت الحكم والسلطة عندنا.. المهم عندي أنني أوصلتها طازجة بدون لفٍّ ولا دوران.

لم يكن يهمني أن أقول كل هذا الكلام للضابط السامي، لأثير فيه شيئاً، أردتُ فقط أن يتنصر كلامي، وأن أُسمعه قولاً مختلفاً بنكهة جديدة جادّة وصادقة، بعيداً عن الغوغاء والابتذال والتفاهات الجارفة التي تقبض على رقاب العباد والبلاد، أو التي تتكاثر في “السوشيال ميديا” وفي صالونات معتمة أو وهمية. شعرت برهة بأنه يقاسمني بعض ثرثراتي، ولو بشيء من التردّد والتأمل والصفاء، فالسعي لشقّ مساراتٍ جديدة، وأنت تدرك أنك تسير على أرضٍ مفروشة بالألغام والمطبّات والعراقيل، ومحوطة بقطّاع طرق من كل صنف ونوع وجنس، يحتاج إلى أنفاس جديدة، وصبر جميل وخيال خلاق وصدمة مفاجئة، لا بد أن نصدم.

هل صدمتُ الضابط السامي؟ لا أدري. قد يكون الجواب أيضاً صادماً. حمل هذا اللقاء بالنسبة لي أكثر من معنى. ساعتين أو أكثر، ساد هذا الحديث مبدأ الصراحة والوضوح في مكان أضمر الكل له عداءً شديداً وشيطنوه، وكأنه جهنم فيها ملائكة غلاظ، مكان اقترحت على الضابط السامي أن يتم فتحه لوسائل الإعلام، لتمزيق “الأفيش” المرسوم عنه، فهو، في النهاية، جزء من مؤسسة عريقة رسمية ملك للشعب، يوجد مثله الكثير، سواء في داخل الجيش الشعبي الوطني أو في كل جيوش العالم، وله سببٌ نبيلٌ ووجيه وجادٌّ والحضور والفاعلية، ومهامه منوطةٌ ومحدّدة بالدستور والعقيدة العسكرية، فيه رجالٌ هم أبناء وطن واحد، يسكن جلّهم في أحياء شعبية ومناطق ظل عميقة. يعودون إلى بيوتهم وأسرهم وأبنائهم متأخّرين في أحيانٍ كثيرة، متعبين ومرهقين، وقد نفذوا مهامهم بحرفية تامة، مطمئنين أن لا غلبة إلا للواجب المقدس الذي أقسموا بحياتهم على حمايته، مهما كانت الصعاب والتحدّيات.

ودّعت الضابط السامي عند الساعة السادسة مساء. صادفت على السلم، وأنا أهم بالنزول، قطة جميلة تتجول بين جنباته، قيل لي إنها تربت هنا. قلت في نفسي: هذه أعظم علبة سر هنا، فماذا لو نطقت، ماذا كانت ستقول؟ خرجت من المركز.. رفعت رأسي إلى السماء، لمحت بين غيومها سيوف عنتر، يشقّ بها صفوف الأعداء، أكانوا الأقرب منه أو الأبعد عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق