
الجيش السوداني … لم يعد بحاجة للمدنيين
سميح صعب
منذ استقلال السودان عام 1956 لا يتعدى عدد السنوات التي لم يحكم فيها الجيش عدد أصابع اليدين. وما أقدم عليه الفريق أول عبد الفتاح البرهان من إنقلاب على شركائه المدنيين، كان متوقعاً، ولم يشكل مفاجأة إلا لمن انخدعوا بتعهدات العسكريين بنقل الحكم إلى السلطة المدنية وفق ما جاء في الوثيقة الدستورية الموقعة في آب (أغسطس) 2019، أي بعد أشهر من خلع الرئيس عمر البشير في انتفاضة شعبية عارمة بعدما حكم السودان بيد من حديد منذ إنقلاب 30 حزيران (يونيو) 1989.
في ذروة الانتفاضة، وجد الجيش السوداني نفسه محرجاً بالدفاع عن البشير، فعمد إلى إزاحته من الواجهة لتنفيس الغضب الشعبي وشراء الوقت كي يجد الوقت المناسب للتفرد بالحكم مجدداً. فكانت بدعة المجلس السيادي الذي ضم العسكريين والمدنيين، على أن تكون رئاسة المجلس للبرهان وأن تكون رئاسة الحكومة الانتقالية لمدني. ووقع الاختيار على عبدالله حمدوك لهذه المهمة. وكانت التسوية بين العسكريين والمدنيين تنص على أن تنتقل رئاسة المجلس السيادي إلى مدني في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، في الطريق إلى عام 2023 موعد إجراء انتخابات حرة ونزيهة ينبثق عنها مجلس تشريعي يكون أساس السلطات في البلاد.
وانقضت الفترة الأولى من حكم المجلس السيادي في إبرام اتفاقات سلام مع الحركات المتمردة، بينما انهمك حمدوك في معالجة المشاكل الاقتصادية التي لا تعد ولا تحصى، وفي مقدمها الديون الخارجية. ونال حمدوك رضا الحكومات الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة، نتيجة اتفاقات السلام مع المتمردين وللإصلاحات التي بدأ بتطبيقها على رغم مواجهتها باستياء شعبي. وبعد اتفاق التطبيع مع إسرائيل، شطبت واشنطن السودان من لائحة الدول الداعمة للإرهاب، وبدأت الدول الأخرى بتخفيف أو شطب الديون المستحقة على الخرطوم. وتوطدت علاقات السودان بمصر على خلفية أزمة سد النهضة مع إثيوبيا.
لكن هذه المرحلة لم تكن كلها وردية، إذ بدأت الانشقاقات داخل قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي قادت مسيرة إسقاط البشير. وبرز مكون من هذه القوى يعترض على حمدوك ويطلب منه الاستقالة وتسليم الحكم بالكامل للعسكريين. ومنذ أشهر دخل شرق السودان في عصيان أسفر عنه شل الاقتصاد السوداني بالكامل تقريباً نظراً إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى الموانئ الرئيسية للبلاد وبينها بورتسودان. وكانت الحجة هي الإجحاف التاريخي الذي يعانيه سكان شرق السودان. وعليه كانت هناك مطالبة من هؤلاء بتولي العسكريين السلطة بالكامل.
أصابع الجيش غير خافية في تحريك الاضطرابات في وجه حكومة حمدوك المدعوم من الغرب ومن قوى سودانية لا تريد العودة إلى الحكم العسكري. وهكذا انقسم السودان في الأيام الأخيرة إلى شارعين. أحدهما يؤيد الحكم المدني والآخر يدعو العسكريين إلى تولي السلطة وإدارة شؤون البلاد مباشرة، وإقالة حكومة حمدوك.
وقبل أيام من موعد نقل رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين، تحرك البرهان ليقصي المدنيين ويعلق العمل بالمجلس السيادي ويعلن حال الطوارئ، متذرعاً بالاضطراب السياسي واحتمال اندلاع مواجهات بين شارعين متقابلين.
وهكذا عاد السودان إلى كنف الحكم العسكري بالكامل، وبدلاً من البشير، هناك البرهان، وما الوعد بانتخابات في 2023، سوى خدعة أخرى من العسكريين، الذين وجدوا أن الظرف مناسب لهم كي يستأثروا مجدداً بالحكم من دون شراكة المدنيين. أما الضغوط الدولية فلن يكون لها التأثير الكبير على ثني الجنرالات عن قرارهم، والعزلة الدولية ستزيد من الآلام الاقتصادية للسودانيين العاديين.
ومع ذلك، تبقى الكلمة الأخيرة للسودانيين الذين تجرأوا ونزلوا إلى الشارع لخلع البشير، فهل يعاودون الكرة الآن أم يستسلمون للأمر الواقع في انتظار الظرف المناسب.
الكلمات الدالة
(٭ نقلًا عن النهار العربي)




