ثقافة وفن

همسة وصل

ملامح المجتمع بيد السينما

ياسمين فلاحي

إن السينما و إن كانت الكثير من منافساتها تلعب نفس الدور لكن بزوايا و طبق معايير مختلفة، هي وسيلة تعبير تفسح المجال أمام وجهات النظر المتعددة التي تحملها كل نواة لها قدرها الخاص من الأهمية في بناء المجتمع و تشكيله، كما أنها ساحة كبيرة تمنح القرار لكل شخص بأن يجعل من كل شيء بسيط دنيوي عملا فنيا فقط من خلال زاويتيْ عينيه فيستطيع بذلك أن يرسل التعبير لكل مخلوق بصرف النظر عن الاختلافات القدرية التي قد تقف عائقا أمامه في حالات أخرى كحين يعبر المرء عن رأيه بلسانه فقط.

و يمكن اعتبار هذا الفن تلك العدسة الدقيقة التي ترينا بوضوح مباشر أو غير مباشر حقائق و أفكار يصبو صاحبها لترسيخها في عقول غيره على حساب خلفيته الوثيقة و المؤمن بها أن على وجهة نظره أن تصل العالم و توضع بعين الاعتبار مهما كانت غريبة أو مختلفة أو حتى محرمة في نظر البعض.

و على نفس المنوال يأتي الجانب المجتمعي داخل عالم السينما الشاسع حيث يقتضي هذا الأخير أن يكتسح الأفراد لا ليعري عن حقيقتهم اليومية و يكشف ما بهم إيجابا و سلبا لأهداف تختلف حسب تفكير المرء و اعتقاده، بل بدل ذلك أن يخلق عالما آخر يعتبره صندوق متمنياته و يوضح من خلاله معالم مجتمع يسعى لأن ينتمي له، فيرسم صورة لعالم مثالي فريد ذي مميزات عالية و يحث غيره على أخذ العبرة من هذا الحلم الصغير الذي يبقى الفنان طامحا لأن يحصل عليه في آن ما، فالأهم من أن ننقل الوضعية الحالية للأفراد داخل القوقعة الآدمية هذه أن نرسخ في أذهاننا قوقعة أفضل بحالتين لا أكثر ، الأولى كيف نريد أن نرى المجتمع و هذه الحالة لا شك في أنها طريق مباشرة لكلمة «رغبة» إذ على هذا المنوال تتمثل رغباتنا و أمانينا في أن يحكم الأفراد معايير محددة من طرفنا لا يهم إن كانت نافعة أو ضارة كما لا يهم إن كانت تمثل ذات الأهمية و القدسية لدى شخص آخر و لذلك فإنها ستختلف من طرف لغيره حتى و إن كانوا من عين المجتمع، أما الحالة الثانية فهي كيف على المجتمع أن يكون، أي سنفرق بين الصالح و الطالح بغض النظر عما يلقى استحسانا عند الأفراد الذين قد تغيب عندهم ملكة الضمير و استشعار الصحيح من الخطأ و إن هذه الحالة لخاضعة طبعا لمعايير دولية عميقة يصعب شملها بين حروف الكلمات لكنها بالطبع قادرة على أن تدفع مجموعة الناس هذه نحو الأمام لا العكس.

لهذا فإن السينما حري بها أن تقدم للمتفرج عالما يجب أن لا يكون عالما يعيشه هذا الأخير أصلا، فبما أنه يستنشق هواء عالم غير مثالي فبالطبع هو أكثر من قادر على أن يستوعب كم السلبيات التي تعترض طريقه كما أنه ليس بحاجة لمن يرصد هذا الواقع البائس أمام عينيه فهذا لن يعالج قضايا مجتمعية بقدر ما سيجعل عينيه مظلمتين دوما في وجه العالم الخارجي، و على عكس ما سبق الفن السابع يتحمل كامل مسؤوليته في وضع نقاط الواقعية و الالتزام و الصواب على حروف الصورة السينمائية التي لا شك أن تأثيرها قوي بالقدر و الطريقة التي يجعلها تتشرب عقل المشاهد و تتنفس داخل وعيه فتصير فعلا لا قولا و تخلق ظاهرة نوعية تخالف الخطأ و تقضي على المرارة التي تستعمر عقولنا بقوة.

و في الأخير إن الكشف عن مساوئ عالمنا لا يعني بالضرورة انه شيء لا نفع فيه لكنه يظل مجال عمل أشخاص محددين لا ينتمي لهم الفنان السينمائي طبعا، هذا الأخير يعمل ببوصلة الإبداع و يحمل دوما و هو يشق طريقه مشعل الخيال و يسترق ملكة الحلم من غياهب لا وعيه ليصبها في عقول الآخرين و على نفس النهج تستمر المسيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق