سياسة

العلاقات المغربية – الجزائرية … أي جوار مغاربي؟ (4)

عبد الفتاح الزين *

وفي إطار المساندة الفلسطينية، أرجو أن ينورنا النظام الجزائري الحاكم عما قدمه عمليا وميدانيا للفلسطينيين في محنتهم، وكيف تمت ترجمت شعار حكام الجزائر “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” ميدانيا حتى ندعمه ونسانده؟ وذلك اقتداء بما قاله محمود درويش، والذي لا زال صداه يترددفي أذني، وأعمل به : “لا نريد أن نكون أبطالًا أكثر، لا نريد أن نكون ضحايا أكثر، لا نريد أكثر من أن نكون بشراً عاديين”. وأشير هنا – على سبيل المثال لا الحصر – إلى أن الجزائر احتضنت انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1987 غير أنها استغلته بإقحام حضور زعيم البوليساريو عبد العزيز المراكشي (سمي كذلك لأن والده المرحوم الشيخ البشير محمد الركيبيعضو جيش التحرير الوطني المغربي ومتقاعدا عسكريا عاش في المغرب نواحي مراكش ومات ودفن بها) عبر الضغط على المرحوم ياسر عرفات كما صرحت بذلك قيادات فلسطينية؛ حيث ألقى خطابا، وهو ما أشعل أزمة مغربية فلسطينية، حاولت أن تستثمرها الجزائر غير أن وسطاء عرب على رأسهم المرحوم خالد الحسن الذي كان حلقة الوصل بين المغرب ومنظمة التحرير الفلسطينية لما كان له من حظوة لدى الملك الحسن الثاني استطاع رأب الصدع وعودة العلاقات المغربية-الفلسطينية إلى مجاريها.

أشاطر الأستاذ لطرش الرأي، على أنه”بدلا من السعي وراء تحالفات مع البعيد [بالنسبة للجزائر التي كانت المبادِرة، والمغرب الذي كان متريثا إلى حد اليأس]، أن تعزّز قواعد العمل المشترك في كل المجالات مع القريب [الفاعل والمدرك لعواقب الأمور]، أي أن تعزز قواعد الدبلوماسية المرنة والمتوازنة وضبط النفس. ولا عيب في مراجعة الخيارات الحالية، إذا كان ذلك يخدم العلاقات المشتركة بين الدول المغاربية”، وهو رأي حكيم طالما أعلنته أعلى سلطة في المغرب وعلى الملإ في خطابات رسمية، لكن لا حياة لمن تنادي.

وأنا أنهي مقالتي، يصلني خبر إعلان وزير خارجية الجزائر عن رفض أية وساطة لعودة العلاقات مع المغرب، فأستقصي الأخبار من مصادرها فأجد ضالتي على موقع جريدة الشروق الجزائرية التي أوردت على موقعها الإلكتروني بتاريخ 10 شتنبر/أيلول خبرا تحت عنوان “لعمامرة: قرار قطع العلاقات مع المغرب غير قابل للنقاش ولا رجعة فيه”، والذي أقتطف منه للقراء ما يلي :

أكد لعمامرة على هامش أشغال اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد بجامعة الدول العربية بالقاهرةفي إطار لقاءاته التشاورية التي سبقت الاجتماع الرسمي لوزراء خارجية العرب “على أن موضوع قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب لا ولن يندرج ضمن جدول عمال الاجتماع الوزاري، وأن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية ليس قابلا للنقاش أو التداول باعتباره قرارا سياديا ونهائيا مؤسسا لا رجعة فيه”. وشدد “على أن التفكير في أي مبادرة مهما كان طبيعتها تعتبر اختزالية وسطحية لا تعي بل تتجاهل المسؤولية التامة للمغرب في التدهور المزمن للعلاقات الثنائية وتحجب مدى الضرر السياسي والمعنوي الناجم عن الوقائع والآثام التي تؤيدها الأوساط المغربية”، مشيرا إلىأن استضافة الجزائر للقمة العربية حق وواجب. حق عملا بالأحكام المنصوص عليها في ميثاق الجامعة ولوائحها الداخلية والممارسات السابقة ذات العلاقة بمشاركة الدول الاعضاء، وواجب لأن الجزائر لن تتخلى على مسؤوليتها للتجاوب مع الطموحات المشروعة للشعوب العربية التي تعتبر الجزائر تحت قيادة الرئيس تبون مصدر إلهام لترميم وتعزيز التضامن وتفعيل العمل العربي المشترك لا سيما في ظل الأوضاع الجهوية والدولية الراهنة”.

ونحن اليوم أمام تصعيد جديد يتعلق بإغلاق المجال الجوي الجزائري أما الطيران المغربي بشقيه المدني والعسكري بل وكل طائرة تحمل رقم تسجيل مغربي …  فما عسى أن يفعله المغرب أمام العناد والتعنت وديكتاتورية الجغرافيا … لننتظر الانتقال الديموغرافي لعله يجود بخشبة النجاة للحلم المغاربي … وإننا نكن كل الود والاحترام للشعب الجزائري الذي تربطنا به أواصر نادرة في عالمنا العربي وحتى المغاربي، وندعو له بتقرير المصير وحسن العاقبة …

واضح من التصريح الوارد أعلاه أن النظام الجزائري الحاكم ضرب بعرض الحائط كل الأعراف الديبلوماسيةمتعاليا على وساطات عربية تسعى لوحدة الصف في مواجهة تحديات ورهانات صعبة. ويترأى لنا من هذا الموقفومن بين ثنايا صياغته دفع المغرب لعدم حضور هذا المؤتمر العربي الذي تستضيفه الجزائر، وأتنبأ جازما أن قيادتنا الحكيمة لن تفعل، لأنها لم تعد تؤمن بسياسة الكرسي الفارغ الذي يترك أمام حكام الجزائر فرص القيام بمزيد من “الحرائق الديبلوماسية” وفق قول الأستاذ لطرش. وهذا يذكرنا بالتخرصات الإعلامية الرسمية الجزائرية التي واكبت استضافة المغرب بالملعب الكبير بمراكش لمقابلة بوركينا فاسو ضدالجزائر يوم اليوم الثلاثاء 7 شتنبر/أيلول الجاري وفق قوانين كل من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم والفيفا باعتبارهما الهيئتان المشرفتان على المقابلة وفق اختيار بوركينا فاسو لاستقبال الفريق الوطني الجزائري بهذا الملعب. إنه النظام العسكري الحاكم وأبواقه التي نميزها عن الشعب الجزائري الشقيق. ولا بد من التنبيه بين الفرق في المعارضتين المغربية والجزائرية في البلدين، إننا لا نعارض المؤسسة الملكية باعتبارها الضامنة للوحدة والسيادة المغربيتين، ولكنه حوار مفتوح حول مكانتها في النسق السياسي المغربي، وحول المزيد من الحريات، ونوعية السياسات العمومية من أجل مزيد من الديموقراطية التشاركية، والتوزيع العادل للثروة، والعدالة الاجتماعية. والانتخابات المغربية الأخير أبانت عن الانخراط الجماعي والمشاركة الواعية. إن المغرب ليس جنة كاملة الأركان، لكنه بلد ومجتمع ينعم بالأمن والاستقرار، وتنجز فيه مشاريع رائدة قاريا ودوليا … هناك مكاسب نطمح إلى المزيد من استثمارها وإغنائها وتوسيع الاستمتاع بفوائدها، وهناك أيضا عوائق نعمل بشكل جماعي على تجاوزها بما يوفره لنا الدستور المغربي من آفاق رحبة قابلة للتطوير. لقد استفاد المغرب من كوارث ما يسمى “الربيع العربي” الذي تم نزع فتيله بالإعلان عن مراجعة دستورية كانت موقفا سياسيا سجله التاريخ لقادة الشعوب، وتجربة لا زلنا كمواطنين منهمكين في تحويل مكاسبها السياسية إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية. إننا شعب لا يزايد على أحد في المواقف، لكنهيؤمن بالمنجزات، والثقة في المؤسسات المغربية، ويطمح إلى تكتلات جهوية توسع من مساحات الأمل المشترك في المستقبل الذي يجب العمل بجد وتفان لتحقيقه.

وخلاصة القول، إن النظام العسكري الحاكم في الجزائر اختار منذ الاستقلال فرض قطبية أحادية على المغرب في استثمار لموروثه الاستعماري الذي كان من الممكن استعماله قاطرة لبناء الفضاء المغاربي في احترام للتعدديات والأقليات على مختلف مستوياتها وفي تنوع تمظهراتها محترما اختيارات شعوب هذه الأقطار بعيدا عن توظيفها في كسر كل معارضة لقطبيته الأحادية المنشودة وبما يقويها ويفرضها. لقد ولى زمن شعارات الحرب الباردة، وجاء زمن البناء الوطني الفعليضمن تكتلات إقليمية تضمن العيش الكريم لمواطنيها وفق حقوقهم الإنسانيةفي احترام لخصوصيات كل قطر واختياراته. ولنا في سيرورة بناء الاتحاد الأوروبي خير مثال. كما أن درس ثورات وحروب دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي يجب استحضاره في هذا البناء المغاربي. كما أن مجريات الأحداث الداخلية للجزائر وفق ما يصرح به المعارضون تتطلب يقظة مغاربية لأن ما تعيشه الجزائر شعبا ودولة بفعل مخاطر صرعات أجنحة النظام العسكري الحاكم يعني كل جوارها لصون ما يمكن صونه، فلا فضاء مغاربي دون أقطاره الخمسة القوية ليس ضد بعضها البعض، ولكن في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. 

كما أن مطلب”إطفاء نيران الدبلوماسية الهجومية[…] يمكن أن يفتح أمام البلدان عهداً جديداً في علاقاتهما خالياً من التوترات والتهديدات والأزمات المتكرّرة، لأن التحدّيات التنموية والأمنية والبيئية المشتركة لن يتم التغلب عليها بالتحالفات البعيدة أو الحلول المحلية، بل فقط بمقاربة جهوية وإقليمية” كما يقول الأخ عبد القادر لطرش. وهذا إن كان ضروريا فإنه غير كاف؛ إذ على مكونات هذا الفضاءأن تعمل على طمأنة كل مكوناتها على مصيرها ضمن هذا المشترك بما يجعلها تقتنع بأهمية الحلول المحلية عن التحالفات البعيدة وسياسة المحاور. كما أن التخلي عن عقليات القطبية الأحادية وعمليات التطويق من هذا الطرف أو ذاك كفيل بإعادة الثقة في الحلم المغاربي وبجدواه كمشروع قابل للإنجاز ضمن جوار متكامل في تنافسية تقوم على التضامن المغاربي.

وبما أني اعتمدت مبدأ واجب الذاكرة الذي تطرقت فيه لبعض القضايا دون لف أو دوران، وفي احترام لطرف الحوار الذي لم يكن بالضرورة قد كتب المقالة لفتح حوار، غير أن إرسالها إليّ كجواب على إرساليات سابقة مني إليه عبر الواتساب، وشاكرا له صنيعه، وداعيا مثقفينا وباحثينا من إخوة جزائريين ومغاربة أولا، ومغاربين وآخرين غيرهم إلى هذا الحوار الذي أريده مفتوحا وشفاف فيما بيننا باعتبارنا كأحد وسائل إنجاز حلمنا المغاربي المهدور وأول المستفيدين منه. أجد نفسي راغبا في اختتام مقالتي بهذا الاقتباس منالأنثربولوجيمارك أوجيMarc Augé “إن واجب الذاكرة هو الذي يحدثنا عن الماضي”. ذلك أن الحاضر ليس فقط مرحلة للانتقال بين إرث للماضي وتوقّع لمستقبل سواء ضمن التقدم أو غير ذلك فهذه الخطية التبسيطية والاستمرارية اهتزت أمام ظلامية المستقبل بما أصبح يبرز في الأفق من تحديات في مواجهة للمجهول والمفاجئ . هل نقول مع مظفر النواب : “كوني عاقرا […] فهذا الحمل مخيف”؟ لا نتمنى ذلك، ولن يكون الأمر كذلك بإرادة مغاربة وجزائريين نساء ورجالا عقلاء ومع كل المغاربياتوالمغاربيين.

* أستاذ باحث بالمعهد الجامعي للبحث العلمي – جامعة محمد الخامس ورئيس فضاء الوساطة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق