ثقافة وفن

وصول البرابرة

عن مدينة كافافي والمعارضة الشعرية و«المسوخ» و«الأشباح» الذين انتظرهم الشاعر خارج القصيدة

أعتبر قصيدة الشاعر السكندري قسطنطين كافافي “بانتظار البرابرة” قصيدة كبيرة بكل المقاييس. فهي على الرغم ممّا تتسم به من لغة مباشرة إلا أنها رشيقة وآسرة. لافت اختيار شاعرها لمفرداته وما تجسده من صور مبتكرة، ولافتة تراكيبها القائمة على تقنيتي السرد والتكرار، بطريقة ترصف مع كل إعادة لطرح السؤال حجراً لا غنى عنه في عمارة القصيدة وبنيتها الدرامية، وتملك بإيحاءاتها الساخرة وفنيتها اللاعبة قدرة عجيبة على تحريض قارئها الشاعر للمغامرة والذهاب بنفسه إلى مدينة تلك القصيدة، ولكن عن طريق أخرى تجعل من تلك المدينة مدينة الشاعر القارئ، ومن خطاه في إثر خُطى كافافي سفراً في سفر، ومغامرة جمالية تعد بأثر جديد مبتكر.

لمرتين على التوالي وجدت نفسي على أبواب تلك المدينة.

المعارضة الأولى: (بعد تأمل) 1991

كتبت قصيدتي “بعد تأمل” سنة 1991، ونشرتها سنة 1997. وكان قد مضى على خروجي من سوريا أكثر من عقد، وعلى وصولي إلى لندن 5 سنوات، سبقتها أسفار وحياة متقلبة بين مدن المتوسط: بيروت، قبرص، طرابلس الغرب، أثينا، وخبرات مبهجة وأخرى أليمة. وخلال ذلك العقد، كانت حواسي، وأفكاري، وتصوراتي وانشغالاتي كشاعر، ومعها انتباهاتي مشدودة بصورة ما إلى ما كان يجري في دمشق من احتلال غاشم من قبل طغمة عسكرية لكلّ ما هو مدني في المدينة، كل ما هو مستقل، كل ما هو.

القصيدة ومعارضتها

في بيروت سنة 1981 قرأت للمرة الأولى “بانتظار البرابرة” بترجمة سعدي يوسف. قد لا تكون الترجمة المثالية، ولكنها بالتأكيد كانت ترجمة مغرية. سيترجمها بعد ذلك أكثر من شاعر ومترجم نعيم عطية عن اليونانية، ورفعت سلام عن الفرنسية، وجاءت ترجمة سعدي عن الإنكليزية. وإن كنت لا أفضل أن تأتي ترجمة الشعر عن طريق لغة ثالثة، ولكن عن لغة الأصل مباشرة، لاعتبارات طرحت ونوقشت مرارا، فإن تجربة سعدي مع قصيدة كافافي تبدو لي سبباً وجيها للتنازل عن هذا الشرط.

الغواية التي ولدتها تقنية السؤال، الذي بُنيت عليه قصيدة كافافي، قبل التفكر بالرؤية الشعرية للقصيدة وشاعرها، قدحت في مخيلتي شرارة قوية حملتها معي عقداً، قبل أن أجد نفسي وجهاً لوجه أمام مدينة تلك القصيدة وما تنتظره (البرابرة) وما ينتظرها من الانتظار. لا بد أن غريزتي الجمالية كانت تضمر خلال ذلك العقد جواباً، أو (اقتراحاً آخر لعدم وصول البرابرة)، لم تجهد بحثاً عنه، فقد كان منذ صدمة القراءة الأولى حاضراً بقوة حضور البرابرة في المدينة. وبالتالي فإن الجواب عن حيرة القصيدة من عدم وصول أولئك الذين جهّزت المدينة نفسها لاستقبالهم، جعل قصيدة كافافي في ضفة وذاكرتي المدينية عن البربرية والغزو في ضفة أخرى، الأمر الذي جعل نظرتي إلى هذه المفارقة، في وقت من الأوقات، تشكك بحصافة رؤية كافافي، وترى أن ثمة مثالاً مختلفاً عن مصادر الخطر الذي يمكن أن يتهدد المدينة بتقويض وجودها، وهو ما يضعف مسوّغات اللعبة الجمالية في القصيدة، إذ يجعل من “لعبة الانتظار” لدى كافافي عملا بريئاً، وسبباً في توليد مفارقة أكثر نقدياً بالنسبة إليّ أنا السوري الذي لم ينتظر وصول البرابرة يأتون من الخارج، وها هو يضطر إلى الخروج من دمشق سراً، لأن البرابرة كانوا طوال الوقت هناك “في لباب المدينة”.

وهكذا ولدت القصيدة (واعتبرتها معارضة شعرية)، ولسببين جوهريين استبدلت “البرابرة” بـ”الغزاة”: أولاً لتمييز منطق قصيدتي، عن منطق قصيدة كافافي، فالبرابرة، كما حدست، لدى الشاعر السكندري – انطلاقاً من مركزيته الإغريقية – هم كل من لم يكن إغريقياً. مادام الإغريق يعتبرون كل من ليس إغريقياً بربرياً. وعلى ضوء هذه الرؤية، يمكن أن أكون أنا وأنتَ وغيرنا أيضاً “برابرة” وهو ما جعلني أشك في أن النظرة التي تقف وراء قصيدة كافافي ربما توحي بشيء أقوامي، يكاد يلامس فكرة العنصرية، على الرغم من أن الهيلنستية التي ظل كافافي منتمياً إليها في كل شعره تتضمن العنصرين السوري والمصري، ولكن تحت عنوانين إغريقيين كبيرين هما: السورية السلوقية والمصرية البطلمية.

لهذا السبب وغيره كان لا بد أن أختار لـ”برابرتي” اسماً آخر، لا شبهة عنصرية فيه، ووجدت “الغزاة”، فالغزاة يمكن أن يكونوا ما شاؤوا من أقوام، مادام الغزو لم يكن في أيّ وقت حكراً على قوم، وما دامت لم تنقطع لا في الجغرافيا العربية ولا في العالم أعمال الغزو والسلب والنهب من قبل غريم قادم من خارج.

ولكن ماذا عن أعمال الغريم الطالع من الداخل؟

هنا يطل السبب الآخر، وراء القلق من مصطلح “البرابرة” وضرورة تجنبه، بالتالي، انطلاقاً من الحاجة إلى تسمية الأشياء بأسمائها. فلا بد من “تغريب” أولئك الذين ظهروا في المدينة، وأوهموا ساكنتها بأنهم أبناؤها، وتصرفوا كغزاة محتلين. هكذا تذكرت (ولكن هل نسيت يوما؟!) أن “الغزاة” في المدينة. أمّا عنوان القصيدة “بعد تأمل” فهو مشتق من ذلك الإمعان في تأمل مصطلح “البرابرة”.

مدينة كافافي

مدينة كافافي “في انتظار البرابرة” هي “مدينة يونانية“. والشاعر المولود لعائلة هاجرت إلى الإسكندرية من إحدى مدن الأناضول، ينبئنا شعره أنه عاش في الإسكندرية اليونانية، وقد طردت قصائده منها جميع سكانها من عرب، وإيطاليين، وفرنسيين، ومالطيين وغيرهم.. وطردت معهم حاضر المدينة وزمنها الحديث، عندما فرّغها شعره من خضمها البشري المعاصر ومنحها وجهاً إغريقيا، وزمنا هيلنستياً. ولكن هل نحن في محاكمة لخيارات شاعر اختار ألاّ يعيش زمنه، بل أن ينتسب إلى زمن آخر لم يجد أنه زمن مضى، ليُقِيمَ شعره ونظرته على استعادة ذلك الزمن؟ أبداً.. ولكن ماذا عن إسكندرية الربع الأول من القرن العشرين بكل ما كانت تزخر به من تفاعل بين جماعات وأفكار ولغات وخبرات وتطلعات متوسطية؟

مدينة قصيدتي “بعد تأمل” المهداة إلى كافافي، هي المدينة الموجودة على ضفة أخرى، المدينة التي نجوت منها، “مدينة يحتلها العسكر“، “مدينة تسللت إليها من الشقوق والأطراف مسوخ تجيشت وتسيدت، لتصنع حاضرا هو خلاصة البذاءة العسكرية والانتهاك الطائفي، مدينة لصوص وعصب من “التحوت” الذين قلبوا نظام القيم في المدينة، واستبدلوا البراءة بالمكر، والأمانة بالفساد، والأفق بالأسوار، وقد استعارت قصيدتي من المدينة الهيلنستية بعض ملامحها، واحتفظت بإشارات إلى كونها مدينة معاصرة. ولكنها نموذج فريد لمدينة يقيم فيها طاغية من طراز فريد.

تخاطب القصيدة كافافي الشاعر، وقد أهديت إليه. ولم تنشر في أيّ من دواويني، ولكنها نشرت في المختارات التي أعدها وقدم لها الناقد خلدون الشمعة تحت عنوان “رسائل أوديسيوس”.

أسوق القصيدة هنا، لكي لا نبقى نتكلم في غياب الأثر:

بعد تأمّل

إلى كافافي في الإسكندرية

الغُزاةُ الذينَ انتظرتَهُمُ خارجَ قصيدتكَ

كانوا وراءَك في المدينةِ

الطَّحانُ اللصُّ، وسارِقُ العَجَلةِ من المَعْبَدِ،

التاجرُ اللاعبُ بالنقودِ، القاضي المُرتشي، المحامي المصابُ بالكَلَبِ

العسكريُّ صاحبُ النياشين،

والجنديُّ الزاغبُ في سرير المُتعة.

وفي حَضيضِ السُّلَّمِ كاتبُ التقرير بمِدادِ العِلم.

الغُزاةُ الذين انتظرْتَهم في ظاهرِ المدينةِ بالأناشيدِ،

وبالصورِ الشاهقةِ

للطَّاغية..

بالزبَد

صارخاً

في فَمِ الخطيب،

وبالموازين مطفَّفةً..

– ومن وراء لافتاتِ المَعركةِ –

بكتائبِ العَسْكَرِ وعَجَلاتِ الحَربِ غائصةً في وحلٍ،

وبالشرفِ المنزلي الرَّفيعِ..

وراءكَ وراءكَ، في السُّوقِ وفي القَلْعَةِ،

كان الغُزاةُ.

ماذا سيقولُ الدمشقيون هذه السَّنة، لهلالِ رمضان؟

الغُزاةُ الذين انتظرتْهُمُ الأمهاتُ في الحقولِ ومعهنَّ أباريقُ الحليبِ،

والآباءُ بالمناسفِ، والجدّاتُ بالتطريز..

الغُزاةُ الذين أثاروا مخيِّلة الصبايا،

وتسببوا للرجالِ بألمٍ في الحَالِبِ،

مَرُّوا في يَقَظَتِكَ،

ومرُّوا في مَنامِكَ

هكذا انتصرتْ المخيلةُ على المدينةِ، وسُحُبُ الدُّخانِ على الجِبالِ،

انتصرَ النائمونَ في عسلِ الفِكرةِ

على الضاربينَ أيديَهم في الملحِ

والعابرينَ في دَمِ الليل

انتصرَ الجنديُّ النائمُ على الجنديِّ المستيقظِ،

والهاربُ من السَّيفِ على المدافِع تحتَ السُّور.

الخطيبُ المفوَّهُ، والسياسيُّ المَرِنُ، والقُنْصُلُ المَفْضُوحُ

أنشدوا في تلكَ اللَّيلةِ

للخليعةِ الراقصَةِ:

عاشَ الوطن

عاشَ الوطن

لم يَسْأَلْ أَحَدٌ عن وجوه الضَّحايا، ولا عن أسماءِ المحطمين والمفقودين،

العرباتُ طَمَرَتِ القتلى بالغارِ والجَرحى بأكياسِ الشَّعير.

الغُزاةُ

الغُزاةُ

انتظرتَهم في القصيدةِ، وانتظرتَهم في الظِّلال،

وكانوا وراءكَ في لُبابِ المدينة.

(1991)

المعارضة الثانية: (وصول البرابرة) 2021

كتبت قصيدة “وصول البرابرة” (يجدها القارئ منشورة في مكان آخر هذا العدد) في لندن، بعد أربعة عقود من لوعة الخسارة الشخصية بفقدان مدينتي التي افتقدت خطواتي حجارة أزقتها، وظلت مقيمة في مخيلتي، خسارة دمشق، وقد بات المنفى اللندني وطناً، والمدينة الأزلية المقيمة تحت شمس المتوسط مدينة للعذاب الأسطوري.

باتت المسافة بين الواقعي والخيالي وبين التاريخي والأسطوري مفعمة بالغرائب، وعامرة بالظلال، تحوّل الغزاة إلى وحوش أسطوريين، والساكنة إلى ظلال، ولم تعد المدينة حاضرة إلا في تلك المسافة المعلقة، في زمن خارج الزمن، هو زمن الشاعر، وزمن المخيلة؛ زمن القصيدة.

أما وقد لحق بالشاعر إلى منفاه شعب المدينة، آلافاً مؤلفة من البشر الهاربين من سياط الطغيان، وقد تركوا وراءهم مدينة لم يعد فيها سوى أشباح الغزاة، فلم تعد الصيغة القديمة للقصيدة التي يحتلها الغزاة تفي بصورة المدينة التي أسطرها الطغيان.

هنا، عند هذه التخوم، وبعد أربعين عاماً من المنفى الشخي، وعشر سنوات من نهر الدم السوري، ولدت قصيدة “وصول البرابرة“، لتخرج على اللعبة كلها: القصيدة “بانتظار البرابرة” ومعارضتها “بعد تأمل”.

ها قد وصل البرابرة، إذن، يا سيد كافافي (أيها الإغريقي الذي احتل الإسكندرية)، وأنت (أيها الدمشقي الهارب من المدينة المستسلمة للغزاة). وصل الغزاة، ولم يجدوا المدينة. لم تعد المدينة موجودة. المسوخ حولوا الساكنة إلى أشباح، وتحولوا إلى “تماثيل” بعيون من الخرز الملون على خيول راحت تنبش بسنابكها الأرض. لم يكن في المدينة الخالية سوى صبيّ صغير يلهو بعجلة؛ إنه الصبي/القصيدة، الخيال الشعري الذي تحرّر من الطغاة والعبيد معاً، ولم يبق هناك سوى القصيدة بوصفها مدينة الشاعر.

والآن أتساءل هل هذا الصبي الذي راح يلهو بعجلة في قصيدة هو الشاعر في صباه، وقد استعاد مدينته، بلا برابرة، وبلا ساكنة يخضعون للبرابرة لـ50 عاماً؟

لا تخاطب القصيدة هذه المرة أحداً معيّناً، فهي تخاطب الجميع، وقد أهديتْ للسوريين بوصفهم طرواديي العصر.

(عن الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق