ثقافة وفن

لوحات المدائن

فواكهه غريبة

زوي ليونارد

لوحة هذا الأسبوع تعبر عن فن التجهيز بالفراغ (Installation Art) بعنوان الفواكه الغريبة “Strange Fruit” للفنانة زوي ليونارد (Zoe Leonard).

يصف مصطلح فن التجهيز في الفراغ (Installation Art) تكويناتٍ فنيةً كبيرة الحجم ومصنوعةً من خامات متعددة، غالبًا ما تشغل مساحةً واسعةً من صالة العرض، إذ يترتب على المشاهد أن يتأمله بينما يسير من خلاله أو حوله، ويمكن أن يشاهده عن بعد في الطرف الآخر من الغرفة في حال كان هذا التكوين هشًّا أو حساس، لكن من المهم أن يختبر المشاهد هذا العمل الفني وأن يعيش من خلاله تجربةً موحدة، فهذا ما يميز فن التجهيز في الفراغ عن أشكال الفن التقليدي مثل النحت (1).

وهذا ما عملت زوي على خلقه من خلال معظم أعمالها الفنية؛ ومن ضمنهم عملها الفريد من نوعه “الفواكه الغريبة – Strange Fruit”.

فبعد أن تركت المدرسة الثانوية في عمر السادسة عشر، بدأت زوي بممارسة مختلف أنواع الفنون مثل التصوير والنحت وفن التجهيز في الفراغ على نحو مستقل، وعالجت عن طريق أعمالها مواضيعَ وقضايا مثل الخسارة والفناء والتغيرات المادية والاجتماعية عبر الوقت، وخاصة في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته حين عملت ناشطةً في نيويورك في خلال فترة انتشار وباء الإيدز؛ الفترة التي شهدت فيها زوي خسارةَ عديدٍ من أصدقائها الفنانين واحدٍ تلو الآخر بوصفهم ضحايا الإيدز والمجتمع، كان أحدهم صديقها المقرب الفنان ديفيد (David Wojnarowicz) الذي استسلم للمرض بعد صراع طويل عام 1992 تاركًا زوي في حالةٍ من الصدمة والحداد، فأنتجت حينها هذا العمل الفني المؤثر الذي أهدته إلى ذكرى صديقها الراحل (2).

وعمدت زوي في خلال هذه الفترة -التي امتدت إلى 5 سنوات منذ عام 1992 إلى 1997- إلى خياطة قشر كل فاكهة أكلتها، بخيوط ذات ألوان زاهية لتستعيد القشور شكلها الأساسي رغم خلوها من الفاكهة، ووصل عدد القشور إلى 300 قشر من مختلف أنواع الفواكه مثل الموز والبرتقال والليمون، مكونةً هذا العمل (3) الذي لم يكن دافعه فنيًّا أو جزءًا من مبادراتها بوصفها ناشطة؛ بل كان نوعًا من محاولة التعايش مع الخسارة والفقدان، فكانت هذه القشور الفارغة التي لم تستطع رميها ببساطة والتخلص منها -بنظرها- أشبه بالأجساد الصغيرة أو بالذكرى، فلم تعُد الفاكهة الأصلية نفسها وإنما شكلٌ خارجي فقط للتذكير بها وتقدير ما هو متبقي منها.

أما عن الاسم “الفاكهة الغريبة – Strange Fruit”، فقد استعارته من أغنية بيلي هوليداي (Billie Holiday) والتي ألفها (Abel Meeropol) عام 1937؛ الأغنية التي صورت العنصرية والظلم والاضطهاد الذي عاناه المجتمع الأفريقي الأمريكي، بوصفها جثثهم التي تُركت لتتحلل وتفنى وهي متدلية من الأشجار كالفاكهة الغريبة؛ صورة مشابهة لجثث ضحايا الإيدز الذين عانوا -في خلال فترة انتشار الوباء- إهمالَ المؤسسات الصحية واضطهاد المجتمع (2).

وعلى الرغم من اقتراح بعضهم أن تُحفظ هذه القشور وتُحمى من التلف والتعفن؛ فإن زوي كانت مصممة على أن معنى هذا العمل يكمن في عملية التحلل الطبيعي لهذه القشور والتي يجب أن تعرض كما هي على العلن لتُواكب خلالَ المراحل كافة، وضمن هذا السياق رفضت رفضًا قاطعًا أن يُحفظ عملها في متحف؛ فعلى عكس اللوحات، تقصدت زوي أن يكون “Strange Fruit” مؤقتًا وعابرًا ويختفي مع مرور الوقت وأن تُوثق هذه العملية عبر الصور الفوتوغرافية، لكن بعد عرضها القشور أولَ مرة عام 1995 في معرضها الخاص بدايةً ثم في عدة معارض أخرى، وبعد أن بيعت عدة قطع فردية من العمل، أعادت النظر في الموضوع ووافقت على إجراء تجاربَ لحفظ القشور من التحلل، والتي بدورها عادت بنتائج إيجابية ومبشرة، لكنها عدلت عن رأيها من جديد مؤكدةً أن المعنى والهدف الحقيقي هو التحلل الطبيعي للقشور من تلقاء نفسها عبر الزمن، ثم وافقت لاحقًا على تجفيف بعض هذه القطع ومعالجتها فقط.

وعلى الرغم من رغبة زوي في البقاء على فكرتها الأساسية وعرض هذا العمل باستمرار وفي مكان ثابت حتى يُشاهد التغيير على نحو متواصل وبمراحله كافة؛ فإنها قبلت بتسوية مع المعارض والمتاحف ووافقت أن يُعرض على نحو متقطع وفي عدة أماكن ليُشاهد من قبل أكبر عدد ممكن من الأشخاص (4).

(عن باحثون سوريون)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق