ثقافة وفن

همسة وصل

الفن والثقافة ... بناء مجتمع أساسه التجديد والإبداع والاتحاد الأوروبي كفاعل في هذا البناء

ياسمين فلاحي / ابتسام لعوينة

«الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومي», هكذا قالها بابلو بيكاسو بالقطع دون شك أو تردد، ليبرهن بكلماته الفذة أن الفن هو علاج يزيل تلك الشحنة السلبية التي لا تفتأ تتربص بالإنسان لتضرب به و بطموحاته عرض الحائط، ليس هذا فقط بل الفن هو تلك الشعلة المضيئة في وسط ظلام الواقع و نور يشع في غياهب عقل المرء ليحقق له ثقافته الذاتية، و بالوقوف عند هذه الكلمة الأخيرة توجب علينا أن نستوعب العلاقة التي تجمع الفن بالثقافة، هذين الإثنين اللذان إذا اجتمعا في وعي الإنسان صار كفئا للنجاح و التوفيق، في الحقيقة إن الفن جزء لا يتجزأ من الثقافة، إذ أنه وسيلة مميزة لحقنها في المجتمع!، هذا الأخير الذي يتم تشكيله قياما على عدة مقومات و بالأخذ بعين الاعتبار المنظومة المحددة التي سيتبعها و التي تشمل الثقافة بالطبع، إذن فإنها ذات دور رئيسي يمكننا لمسه في تأثيرها القوي على نظام قيم ذلك النسيج الاجتماعي المؤطر.

و لعل الثقافة محقونة لا محالة في عروق أفراد المجتمع عبر وسائل شتى أبرزها:  اللغة، الأخلاق، القيم، الثقافة المادية، التعليم، و إلى جانبهم الفنون.

إذن كيف تساهم ثقافة المجتمع في إنتاج أشكال فنية جديدة ؟

لنتطرق بعمق إلى فحوى الجواب عن السؤال الجوهري الذي يؤرقنا في هذا المقال علينا البدء أولا بتجريد الدور الفعال الذي تلعبه الفنون في ماهية الثقافة، و بخصوص هذا الأمر ينبغي التأكيد على فضل الفن في بناء التنمية الفردية التي تعكس التطور العقلي و النفسي للإنسان و بناء الهوية الجماعية التي تمزج العقول ببعضها البعض لينبثق على خلفيتها أساس موحد بين الأفراد و تفكير منطقي محدد لا يخرج عن إطاره أحد و لا يخلق بذلك مشكلة جوهرية تقف عائقا أمام استمرارية هذه المنظومة الاجتماعية، فضلا عن ذلك فإن الفن ببساطة هو تعزيز للمشاركة المدنية و السياسية، حيث يمثل خيارا غير عادي و لا مألوف و لا رتيب للتعبير عن الرغبات و الطموحات التي تمس المرء كفرد في المجتمع و كمؤثر و متأثر بالتطورات السياسية و الاقتصادية التي تعرفها بيئته الاجتماعية.

و لعل النموذج الذي ارتأينا أن نخلق به مساحة نوضح فيها الفكرة أكثر، هو «الفن الجرافيتي»، ذلك الفن الذي لا يخفى علينا بمختلف طرق الابداع التي يستوحيها، رسومات كانت أم كتابات، يظل هذا النوع من الفنون طاغيا في العديد من المجتمعات بصرف النظر عن الرفض و الانتقاد الذي يتلقاه كثيرا في ما يخص كيفية و موضع استخدامه، يبرز نجم هذا الفن من خلال الرسائل التي يهدف لإيصالها للجهات المعنية زيادة على تنوع المواضيع التي يعالجها و التي تقف على السياسة و الدين و الاقتصاد و المجتمع و الثقافة بلا شك، كما و الأخذ بعين الاعتبار الجانب الجمالي الذي هو الآخر لا يقل أهمية بين أسس هذا الفن العريق، إذن فإن هذا الفن لسان المجتمع و ناطق باسمه و رسول ينقل هموم أفراده و ما بهم فيتخذ بذلك طابع التميز و الاختلاف، و في نفس الصدد تتموضع الثقافة، التي تُتخَذ كصبغة للفن الجرافيتي و كانتماء للفنانين القائمين به, و بالتالي فتطورات الثقافة عند أصحابها و تغير مستوياتها مرتبط تماما بإنتاج الفن و بالتالي كلما ازداد تشبع الأفراد بثقافاتهم و انغماسهم أكثر في فهمها و حل أطروحاتها تحسنت جودة الأعمال الفنية و سهل التوصل بالإلهام لخلق الابداع.

و لنصب كل هذه الاستنتاجات في قالب مكاني محدد، سنعكس الفن الجرافيتي في موضع اجتماعي معين، كمثال لذلك سنتخذ دول جنوب الاتحاد الأوروبي نموذجنا في هذه الحالة، و خاصة منها الدول العربية التي تبصم من خلال الجرافيت ثقافتها فتتضح ملامح العروبة جلية و تستقطب رائحة المقاومة و حروف التاريخ المديد الذي تتسلح به هذه الدول أمام أعتى الاكراهات و العوائق، فيبدو جزء من المجتمع فخورا بما أنتجته الايدي المبدعة لتنطق باسمهم لأجل الحق و العدالة و حرية التعبير، و أبرز دليل على الانسجام بين فن الجرافيت و المجتمع هو أن الفنان غالبا ما يكون من طبقة شعبوية كاسحة بين قريناتها فبدوره يكون جزءً لا يتجزأ من هذه المنظومة و مدافعا صامدا بفنه و تعبيره الخاص.

و في خضم حديثنا عن الثقافة و الفن لابد من الإشارة الى أن الاتحاد الأوروبي قد أقدم على إحداث العديد من المشاريع المتنوعة و الداعمة للمجالين، لعل أبرزها ‹›برنامج الشباب الأورو متوسطي›› الذي أُسِّس بموجب الفصل الثالث من عملية برشلونة بعنوان «شراكة في مجالات التنمية الاجتماعية و الثقافية و الانسانية›› ويهدف إلى تحفيز و تشجيع الفهم المتبادل بين الشباب في المنطقة الأورو متوسطية بمحاربة الصور النمطية و الأحكام المسبقة و تعزيز حس التضامن بين الشباب عبر تعزيز المواطنة الناشطة .

وكذلك يسعى الى المساهمة في تطوير سياسات الشباب في المواطنة الناشطة من خلال الفنون و حماية التراث و البيئة، بحيث شمل النطاق الجغرافي للبرنامج في المرحلة الرابعة 36 دولة من بينها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي و هم 27 و البلدان و الأقاليم المتوسطية الشركاء في إعلان برشلونة وهم:

المغرب، الجزائر، الأردن، لبنان، تونس و السلطة الفلسطينية إضافة الى اسرائيل . وقد اشتغل الاتحاد الأوروبي على هذا البرنامج في ثلاث مستويات، يعد اولها تبادل الشباب الأور ومتوسطي ثم الخدمة التطوعية الأور ومتوسطية بالإضافة إلى التدريب و التشبيك أي الزيارات الدراسية و الدورات التدريبية و الحلقات الدراسية و كذا بناء شراكة قوية بين مختلف شباب المنطقة، و قد صبا المشروع و غيره من المشاريع المنظمة من طرف الاتحاد الأوروبي للعديد من الأهداف، لعل أبرزها مشاركة بعض الأفكار مع العاملين في المجال الثقافي في منطقة جنوب المتوسط من اجل تقديم المعلومات لهم في سعيهم وراء إيجاد فرص تمويل و توسيع قاعدة مصادرهم و إمكانياتهم في ما خص برامج التعاون مع الاتحاد الأوروبي التي يمكن أن تلبي حاجياتهم، ففي سنة 1992 تم إدخال الثقافة بشكل رسمي إلى تشريعات الاتحاد الأوروبي من خلال معاهدة ‹›ماستريخت›› و التي تنص بشكل خاص على أن « الاتحاد الأوروبي سيأخذ الجوانب الثقافية بعين الاعتبار في أعماله بموجب سائر أحكام المعاهدة «، و بتعبير آخر فإن الثقافة مسألة تشمل عدة مجالات و يجب مراعاتها في كافة سياسات الاتحاد الأوروبي و الذي يخصص في الغالب الحصة الأكبر من تمويله للمجال الثقافي، لكن يجب ألا نغفل عن كون جميع المشاريع الثقافية التي ترمي لهذا التمويل يجب أن تستوفي معايير محددة.

وفي النهاية فللمجتمع وجهات نظر متباينة حول الثقافة بأشكالها المتعددة و ما يدخل فيها من فنون، فحتى و إن كان هنالك توافق بين بعض فئات المجتمع و الفنون كالفن الجرافيتي الذي اتخذناه نموذجا، إلا أن هذا الأخير يحظى و باقي الفنون الأخرى (كفن الرسم، السينما، الرقص، النحت والموسيقى و غيرهم ) بنوع من الاهمال في المجتمعات الأور ومتوسطية خاصة في الدول العربية منها رغم أهميته و دوره الفعال، بحيث يمكن للفن تعزيز التربية و التعليم وهو ما يجعل الأفراد  يتفاعلون مع بعضهم البعض و يكون ذلك عن طريق مقدرتهم على التعبير عن أنفسهم بمهارات غير تقليدية تمنحهم الثقة و التفكير الإيجابي، كما يعزز أيضا الحس الابداعي لدى الأفراد بحيث يعمل على تنمية الروح المرنة و القدرة على التفكير النقدي بشكل ملحوظ، و من جهة أخرى فكون تعريف الفن هو مجموعة متنوعة من الأنشطة البشرية في إنشاء اعمال بصرية او سمعية أو حركية للتعبير عن أفكار ابداعية يجعله أداة لتطوير سلوكيات وعادات إيجابية لدى الأشخاص، فتعلم العزف على آلة موسيقية أو رسم لوحة أو تعلم الرقص أو الغناء، كل هذه التمارين تهدف إلى التحسين و المثابرة و الصبر و منه تطوير الشخصية و تعلم السلوكيات و المواقف الضرورية للنجاح في أي مجال من مجالات العمل، و رغم هذه المكانة التي يحتلها الفن في حياة الأفراد، نجد فئات تقدس أشكال أخرى من الفن خاصة تلك السطحية و الاعتيادية التي هي آخذة في فقدان بريقها نتيجة ما تتعرض له من هتك و انسياب عن القواعد و الأصول، إضافة إلى تكريس نوع من الثقافة المتعلقة بالسلوكيات التي تأتي غالبا على خلفية التلقين اللاواعي دون تحليل منطقي أو عقلاني و دون تبني حقيقي لها بل بالتقليد الأعمى المتهور فقط، و بالتالي فنظرة المجتمع للفن كشكل من الأشكال الثقافية راجع للتنشئة الاجتماعية التي خضعت لها هذه الشعوب و لما تعودوا عليه و مارسوه.

وفي ظل كل ما سبق لا تزال تطرح العديد من الأسئلة الحتمية و المتعلقة بعلاقة الثقافة بالمجتمع، و التي يأتي في مقدمتها إشكال مهم ألا و هو:  «ما الذي يجعل الفنون تتخبط في دائرة مبهمة بين أفراد فئات مهمة في المجتمع و ما الذي ساهم  في تعرضها للنبذ مع أنها ذات حيز نافذ في العنصر الثقافي للمجتمع؟» .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق