ثقافة وفن

نهر الجنون

ما الذي بقي من بيروت المتلألئة في خيال العرب

نوري جراح

ما الذي بقي من بيروت التي عرفتُ، بيروت التي عرفها جيلي من الشعراء والكتاب والفنانين الذين عبروا إلى العالم، من بوابة بيروت؟ ما الذي بقي من تلك المدينة المدللة على شواطئ المتوسط؟ المدينة الحلم، المدينة المغامرة، المدينة التي لم تكن تنام، المدينة التي لم تتوقف مطابعها عن إدهاش الجوار العربي بما تتحفه به من كتب في الأدب والفكر والفن والسياسة، وما كانت تقترحه عليهم من أسماء جديدة في عالم الكتابة، ما الذي بقي من بيروت مدينة كتابي الأول؟

ما الذي بقي من بيروت، بعد كل ما جرى ويجري في لبنان منذ أن خرجت المقاومة الفلسطينية من المدينة العربية اليتيمة التي قاتلت الإسرائيليين طوال صيف 1982، وخرجت من تلك التجربة النادرة مدينة مرفوعة الرأس، رغم الدمار والخراب والموت؟ ما الذي بقي من بيروت؟

ما أظن أن قارئاً يطلب منّي أن أعيد عليه تلك الحلقات المتتابعة من الوقائع الأليمة والساخرة معاً التي عرفتها بيروت، تلك المدينة الباسلة، والتي عرفت ذات يوم بكونها المدينة التي قامت فيها قديماً أهم مدرسة للحقوق في العالم على مرّ الأزمان. وعرفت حديثا بكونها ضمّت أهم جامعة في العالم العربي هي “الكلية الإنجيلية السورية” المعروفة لاحقاً باسم “الجامعة الأميركية” والتي خرّجت كوكبة من ألمع مفكري وزعماء وأدباء وشعراء العربية.

***

المدينة الأولى التي يتطلع نحوها السوريون عندما كانوا يحلمون بالسفر أو يفكرون فيه، كانت بيروت. فهي وإن كانت تقع خارج سوريا، إلا أنها المدينة التي ظلت في وجدانهم العميق ميناءَ دمشق وشاطئاً متلألئاً في سوريا، والحاضرة الأقرب من عاصمتها دمشق. ولا حاجة بي هنا إلى الخوض في طبيعة العلاقة بين المدينتين، وتاريخ تلك العلاقة، والأسر والعائلات التي تصاهرت في ما بينها، ففي كلتي العاصمتين أبناء عمومة وأبناء خؤولة وإخوة وأخوات وأصهار ينتمون إلى هاتين المدينتين العريقتين، ناهيك عمّا اشتركت فيه المدينتان من أحداث ووقائع عبر التاريخ.

***

في جيلي كان المران على السفر يبدأ ببيروت. أما من كانت لديهم مشكلات مع أنظمة الحكم المتعاقبة على سوريا، منذ زمن الوحدة السورية المصرية، والانفصال، واستيلاء البعث على الحكم بالانقلابات العسكرية، فقد كانوا يلجؤون إلى بيروت هربا من البطش السياسي. بيروت بكرمها المعتاد وأريحية أهلها كانت تتيح للهاربين من الطغيان السياسي في الجوار العربي فرصة التواري عن الأنظار. كانت لبيروت قدرة عجيبة على ترك هامش لأولئك الملعونين الهاربين من العسف، من أدباء ومفكرين وسياسيين معارضين.

ظلت بيروت المدينة المتنفّس، بالنسبة إلى الدمشقيين من أمثالي، فهي المدينة الأقرب جغرافيا من دمشق، فالطريق بين العاصمتين طوله 70 ميلا لا أكثر، ولم يكن السفر إليها بالنسبة إلى السوريين يحتاج إلى باسبور، فالمدينة التي كانت عبر تاريخها الضارب في الزمن ميناء دمشق البحري، ظلت الحاضرة الأكثر حيوية ونشاطاً، وكذلك احتضاناً للكتّاب والشعراء والسوريين.

هذا القرب الشديد كان يسمح للمقتدرين من السوريين بقيادة السيارة من دمشق إلى بيروت بعد الظهر بقصد التنزه على شاطئ البحر مساء، وتناول العشاء هناك والعودة ليلا إلى دمشق.

***

الطريق بين العاصمتين أنشأته شركة فرنسية خاصة سنة 1857 سميت في حينه شركة طريق الشام العثمانية. على تلك الطريق تنقّل في النصف الأول من القرن العشرين (قبل أن يخيم شبح العسكر على سوريا، وشبح الميليشيات على لبنان) أكابر الشعراء يحيون أمسية في بيروت وأخرى في دمشق: أحمد شوقي، أحمد الصافي النجفي، الأخطل الصغير، خليل مردم بك، عمر أبوريشة، سعيد عقل، بدوي الجبل، نزار قباني، محمد مهدي الجواهري، عبدالوهاب البياتي، محمد الفيتوري، معروف الرصافي، خليل حاوي، رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي).. وغيرهم.

في العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي شهدت الطريق بين دمشق وبيروت حركة غير عادية من أوانس سوريا ولبنان، أديبات، وسيدات ناشطات أسّسن الحركة النسائية الوليدة، داعيات من خلال أدبهن ومحاضراتهن ومشاركتهن الواسعة في الأنشطة الاجتماعية المختلفة، إلى نهضة اللغة وتحرير المرأة وتطوير المجتمع واستقلال الأوطان، من أمثال: مريانا مراش، ماري عجمي، سلمى صايغ، نازك العابد، عادلة بيهم الجزائري، نظيرة زين الدين، مي زيادة، عنبرة سلام الخالدي، سلمى الحفار الكزبري، جوليا طعمة.. وغيرهن.

وعلى تلك الطريق نفسها في يوم الـ24 من تموز/يوليو 1920 عبرت الجيوش الفرنسية وقوامها 9 آلاف جندي وضابط بدباباتهم ومصفحاتهم وطائراتهم بقيادة الجنرال ماريانو غوابيه، وخرج السوريون لمواجهتها بأربعة آلاف جندي مزوّدين ببنادق قديمة. وفي منتصف الطريق في بلدة تسمى ميسلون سقط قائد القوة المدافعة الجنرال يوسف العظمة مخضباً بدمائه وكانت في جواره نازك العابد المتطوعة التي رافقت العظمة في المواجهة مع الفرنسيين، وهي التي طببت جراحه المميتة في أرض المعركة. كان العظمة وزير الحربية السورية وأحد أبطال البلقان في الحرب العالمية الأولى، وشخصية بارزة في الحكومة العربية الأولى بدمشق.

على رغم هزيمة المدافعين في ميسلون، فإن هذه الواقعة، ظلت تلهب خيال السوريين واللبنانيين معاً، وتغذّي فيهم الشعور بالكرامة الوطنية وتحضّهم على مواجهة الاستعمار الفرنسي إلى أن تحقق الاستقلال للبلدين، وظهر في سوريا نمط جديد من الضباط الانقلابيين الذين سرعان ما ملأوا صدورهم بالأوسمة، مكافأة لأنفسهم على تسليم أجزاء من البلاد للأعداء، وتحقيق الانتصارات لشعوبهم بزج معارضي طغيانهم السياسي في السجون والمعتقلات.

عندما رفض يوسف العظمة الانصياع لإنذار غورو الموجه من بيروت للملك فيصل الذي قبله، كان يدرك سلفاً أن المعركة في مواجهة الجيش الفرنسي المدجج بالدبابات والطائرات ستكون خاسرة، لذلك طلب من الملك فيصل أن يهتم بابنته ليلى. لم يقبل الضابط الدمشقي أن يسجّل التاريخ على السوريين انحناءهم أمام الغزاة الفرنسيين وتسليم بلادهم من دون مقاومة. لذلك قال العظمة، ابن حي الشاغور الدمشقي “إذا كان لا بد للفرنسيين من دخول دمشق فليكن ذلك على جثتي”.

واليوم، بعد نصف قرن من الجرائم التي ارتكبها بحق السوريين الجيش الذي حل محل الجيش الذي تركه وراءه يوسف العظمة، وهدر كرامة السوريين من الأنظمة المتعاقبة على سوريا منذ انقلاب العسكر على الحياة المدنية سنة 1963، فإن القائد العسكري الوحيد الذي يعيش في وجدان السوريين بوصفه بطلاً قومياً هو يوسف العظمة. أما ابنته ليلى فقد تزوّجت شخصية تركية وقضت بقية حياتها في إسطنبول بعيداً عن الوطن الذي بذل والدها دماءه لأجل كرامة السوريين.

لم تكن في أي يوم على ما هي عليه اليوم، بيروت التي آل مصيرها إلى ميليشيا تأتمر بأمر نظام ثيوقراطي تقع عاصمته على بعد المئات من الكيلومترات، وبينها وبين الباب العالي الجديد؛ طهران، المئات من المدن والبلدات والقرى السورية والعراقية، التي لم يعد لوجودها من معنى، سوى أنها مطارح وساكنةٌ لا يحصون عدداً، ومثلهم مثل سائمة ترعى على الطريق بين قاعدة الدكتاتور وقصبة تتبع له اسمها بيروت، وراء قصبتين أخريين هما بغداد ودمشق، أقام الطاغية الإيراني عليهما عاملين يتبعان له، وبأمره يأتمران.

ثمة نوع فاضح من الانتقام العنصري تمارسه الطغمة الحاكمة في إيران ضد العرب، والواقع أنّ لا دمشق ولا بيروت كانتا مهيأتين لمثل هذا المصير الأسود.

والواقع أن بيروت، على نحو أخص، لم تكن نذرت نفسها لمثل هذا الذلّ، لذلك لم يعد في فم أهلها كلام يقال. خلال العقد الأخير قال شعراؤها وكتابها وفنانوها ومفكروها، وكل من له لسان، الكلام الذي ينبغي أن يقال. قالوه كله، وها هم بعد انفجار مرفأ بيروت في حيرة مما يمكن أن يقولوه بعد كل ما سُفح من كلام. فالميليشيا المؤتمنة على ثقافة الموت يبدو أنها غيرت، وستظل تغير، كل شيء في هذه المدينة التي لم تعد تعرف نفسها. مزاج المدينة لم يعد نفسه. أما وقد وصل كل شيء إلى ما بعد نهاياته، وبات العبث لغة الجميع، فها هي معدات أهل بيروت تطحن نفسها في خواء يطحن نفسه.

ولا مرة قال اللبنانيون، على الأقل منذ السفر برلك، إنهم جوعى. حتى لو كان بينهم من يجوع، فلم يكن يصرّح بما يشعر. لكن الصورة اختلفت. لم تعد أبداً كما كانت، شيء ما انكسر في دواخل اللبنانيين، وها هي الصرخات من جوع ومن ألم ومن يأس، بعد صرخات الغضب تتعالى لكنها صرخات ميتة أيضاً. حتى الغضب لم يعد كما كان، فهو غضب يستبطن يأساً من كل شيء. حتى اليأس لا يشبه ذاك الذي كان يقود اللبناني إلى ضرب من الحركة الباعثة على الأمل. كَسْرٌ ما في العظم أحدثته ميليشيا الموت في كيان اللبنانيين، بينما هي تبذر ثقافتها في تربة الأنفس وتنشرها في هواء المدن المحتلة، مالئة بها الشقوق والتمايزات بين الطوائف والجماعات والأحزاب والقوى وما تبقى من كتل كانت تبدو صلبة، وها هي تملأ الفراغ اللبناني بالفراغ، معولة على تجرع البقية الباقية من اللبنانيين حصصها المحفوظة لها من “نهر الجنون”.

(عن الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق