ثقافة وفن

الشاعر والمدينة

القصيدة والأسطورة والتاريخ والفضاء الحضاري

النوري الجراح

كيف أصف دمشق، ما الكلمات التي يمكن أن تسعف شاعراً ليصف المدينة العصية على الوصف؟ مدينة التاريخ، مدينة القديسين ومهد المغامرات الدينية الأولى التي سادت الشرق والغرب، مدينة العلماء والمؤرّخين والجغرافيين والباحثين بالمناظير عن الكواكب والنجوم، مدينة الشعراء والناثرين. الأعلام المدفونون في مقابرها وحدهم أسماؤهم تملأ مجلدات، من يوحنا المعمدان إلى ابن عربي، ومن الغرناطي إلى الفارابي، ومن صلاح الدين الأيوبي إلى الملك بيبرس هازم التتار في عين جالوت. المدينةُ القبلة للإمبراطوريات الكبرى على مرّ التاريخ، وعاصمة الدولة العربية الأزهى، دولة بني أمية، وفي ترابها يرقد الدنيوي والمقدس من صانعي التاريخ.

دمشق المدينة التي تدرّج وعيي بها كما تدرّجت معرفتي بكنوزها. ولعت بأبنيتها القديمة وأوابد متحفها التي ترد الزائر إلى طبقات الحضارة وعصورها السحيقة، من الآرامي، إلى الهيليني، إلى الروماني، إلى البيزنطي، إلى الإسلامي، حتى إن مبنى واحداً في وسط المدينة هو الجامع الأموي ينهض على كل تلك الطبقات الحضارية المذكورة. حجارته المتراكبة فوق بعضها كانت تدهشني بعراقة انتمائها للزمن. عندما كنت أمر بتلك الأعمدة المرمرية وأتلمّسها كنت أشعر أنني أتلمّس الزمن كله، وأن يدي، الآن، ربما هي في موضع يد شخص مرّ من هنا وعاش قبل ألفي عام، شخص استند إلى هذا العمود المرمري في الاحتفالات الدينية لمعبد الإله جوبيتر، أو أن حارساً برمح وترس وخوذة قديمة استعد عند هذا العمود لدى وصول الامبراطور إلى المعبد، وأدى له التحية، أو مر به حاكم المدينة متجها إلى المعبد لتقديم النذور، أو أن شاعراً كميليا غروس عندما زار المدينة كتب هنا في جوار هذا العمود قصيدة حب لحسناء من دمشق.

لم تكن تلك الأعمدة والأقواس برخامها الوردي، ولا الجدران بحجارتها الضخمة والبوابات الشاهقة للمعابد ولا الأسواق والخانات، أو الدروب المرصوفة بحجارة بازلتية سوداء، مجرد حجارة قديمة صامتة، كنت أنظر إليها كعلامات تصطخب في جوارها حياة رحت أستنطقها بأنفاس مبهورة، وبشغف استأثر على جوارحي كنت أهيم في أنحائها، منتظراً أن تنفذ بي من زمني الحاضر، وكان زمناً بلا خيال، لأعبر المسافة اللامرئية وأدخل ذلك الزمن الشاهق المدهش سارق الألباب والمخيلات.

ذلك الشغف بدمشق تلك، ربما كان أولى الإشارات إلى ما ينتظرني من قدر شخصي مرتبط بالشعر. كانت دمشق القصيدة الباهرة التي حملتني على الولع بالشعر، وعلى العيش في بيت من الكلمات. ومن ثم باتت تميمتي الحارسة والعطر الذي أفعم قصيدتي بكل ما هو أنيق ومرهف وسحري.

في سوق الحميدية، في جوار ذلك المعبد الذي بنى الوليد بن عبد الملك على أنقاضه البيزنطية مسجد بني أمية الكبير، درة مدينة دمشق وحارس روحها إلى اليوم قضيت عطلات الصيف في طفولتي. كنت مولعا باللغات التي يحتاجها الباعة للتفاهم على الأسعار مع زوار المدينة من السياح الدينيين الأتراك والآذريين والأفغان والأرناؤوط والبوشناق والإيرانيين وعائلات الخبراء الروس على نحو خاص، صرت أتطوّع مترجما ما يطلبه الباعة من زبائنهم الأجانب حجّاجا وسياحاً وعسكريين بكلمات تركية وفارسية وروسية قليلة تعلمتها من كتيبات صغيرة كانت تباع بليرة سورية واحدة (تعلم اللغة الفلانية في خمسة أيام). كان الحاج مصطفى الذي يظهر كل سنة في سوق الحميدية راجعاً من الحج إلى “أرض روم” ما أن يراني حتى يتبسم لي مردداً: ناسل سن نوري أفندي، وأجيبه إيي مسن.. إيي مسن. كانت مشيته حجلا. كان يمسح على رأسي مردداً ما شاء الله نوري أفندي. وكان يغمز بعينه من طرف البائع مازحاً (بمعنى أنه يحب الفلوس). مع كل زيارة للحاج مصطفى كنت أختبر ما أضفت من جديد إلى قاموسي التركي من الكلمات. من بين اللغات الثلاث كانت التركية هي الأوقع بالنسبة إليّ والأكثر سلاسة. لم تكن أصواتها غريبة على مسامعي. كانت جدتي لأبي عندما تغضب من شيطنات الأطفال في البيت، تهتف: (أدب سيز). ووالدي كانت يتكلم التركية، أو يفهمها بشكل جيد على الأقل. الدمشقيون عموما من جيل جدتي وأبي كانت لهم معرفة من نوع ما بتلك اللغة.

المكتبة الظاهرية (نسبة إلى الملك الظاهر بيبرس) الواقعة في جوار الجامع الأموي، وتحتوي على الآلاف من المخطوطات والكتب النادرة، كانت مكانا أثيراً بالنسبة إليّ.. في البداية كنت أمرّ بها، ويعجبني البناء القديم، ببوابته المزينة بالنقوش على الحجارة البلقاء، وبالحروف العربية الناتئة من الحجر أو الغائرة فيه. كنت أتعقب تلك المعالم والنقوش في البوابات والمداخل المحيطة بالجامع الأموي، وبينها المقبرة التي دفن فيها صلاح الدين الأيوبي. النقوش الرائعة في الواجهات الداخلية للجامع الأموي، كانت تسحرني، بإطلالتها على الباحة الفسيحة التي طالما تخيلتها ملعبا للشمس. في الأعصار، عندما كانت الشمس تميل وتتسع رقعة الظلال، لكم كنت أسعد بذلك السلام الظليل تحت الأروقة مستقبلا هبوب نسائم العصر، ومنظر الحمام واليمام وهو يطير ويهبط، ويمرح في تلك الباحة.

***

انتبهت مرة إلى شيء من الضرر أصاب باب الجامع الأموي ولما سألت أبي عن السبب أخبرني أن العسكر في واحدة من حماقاتهم التي ارتكبوها على إثر انقلابهم في العام 1963 اقتحموا الجامع بالدبابة وأن ما أراه هو أثر من ذلك الاقتحام مازال ظاهراً. شعرت بالأسف لمثل هذه الفعلة الحمقاء، ولطالما استغربت الأمر. فما الذي تريده دبابة للجيش من باب جامع ليس فيه سوى السلام؟ ظل هذا السؤال زمناً بلا إجابة.

***

من كل مكان في دمشق يمكن أن ترى جبل قاسيون، جبل أجرد، لا شجرة فيه، ولطالما كان ذلك مصدر غرابة بالنسبة إليّ، فدمشق، باستثناء شمالها، محاطة بالبساتين من كل جانب، وغوطتها بشقيها الشرقي والغربي مترعة بالمياه. قاسيون كان أشبه بحارس يحمي المدينة من الخطوب والدواهي. وهو جبل ارتبطت به جملة من الأساطير المذهلة، تبدأ بطوفان نوح وبمصرع هابيل على يد شقيقه قابيل ولا تنتهي حكاية أهل الكهف الذين ناموا دهراً ثم نزلوا إلى المدينة بنقودهم القديمة.

في جوار بيتنا في منطقة المهاجرين الواقعة في حضن قاسيون كان الفلكيون، على مدار قرون، ينصبون مظلاتهم، ويرقبون النجوم بمراقبهم. لذلك أطلق على الجامع المقام هناك “جامع الشمسية”.

لم أكن تجاوزت الحادية عشرة من عمري عندما ولعت بالسينما. الأفلام الضخمة التي كانت هوليود تنتجها، أفلام المصارعين في الكوليسيوم الروماني، وأفلام “هرقل” و”الإسكندر” وحروب اليونان والفرس، وصعود الإمبراطورية الرومانية وسقوطها. كنت مسحورا بالملابس والأزياء والديكورات اليونانية والرومانية بالسيوف والدروع والرماح والبطولات، بالزمن القديم؛ زمن ليس كمثله زمن بالنسبة إلى الصبي الذي كنت. زمن يمكن العبور إليه والعيش فيه عبر شاشة السينما.

المضيّ في شوارع المدن القديمة استأثر على خيالاتي، صرت أريد أن أذهب إلى تلك الأمكنة وذلك الزمن. ذروة ذلك الولع مع ما حمله من تحول فكري لديّ كان فيلم سبارتاكوس. كنت في الثالثة عشرة عندما حضرت ذلك الفيلم المذهل، خرجت من الفيلم وبي توق إلى أن أشاهده ثانية، أن أعيشه مرة أخرى، لعلّي وأنا أعيد مشاهدته تتبدل الأحداث والوقائع والمصائر. أسر قلبي واختطف روحي ذلك المشهد الذي وقفت فيه المرأة والطفل ينظران إلى سبارتاكوس المعلق على الصليب. لكأنني أردت أن أحضر الفيلم ثانية حتى إذا جاءت ساعة الصلب أمكن لبطلي الثائر أن يفلت من الصليب وينجو. لكن المشهد تكرر مرة واثنتين وثلاثاً، وظل مصير سبارتاكوس نفسه في كل مرة شاهدت فيها الفيلم. سبارتاكوس، وأمثولته عمرا روحي بمشاعر النقمة على الظلم، مقرونة بمشاعر التعاطف النهائي مع الثائر على العبودية، لقد وجدتْ أخيرا فكرة الحرية شخصية تجسد معانيها بقوة خارقة للعادة.

***

الشيء الذي بدا لي ساحرا، في ذلك الزمن، أنني عثرت خلال تجوالي في شارع يقود إلى ساحة فيكتوريا على بائع كتب قديمة فرش بضاعته على الرصيف وكان بينها، يا للمصادفة الرائعة! رواية حملت عنوان “سبارتاكوس” ومؤلفها هوارد فاست. اختطفت الكتاب خطفاً خشية أن تسبقني إليه يد شخص آخر. لم يكن من زبون آخر غيري في تلك الساعة من مساء يوم جمعة. عندما تصفحت الكتاب تبين لي أنه الجزء الثاني من الرواية. لم يكن لدى البائع غير هذا الجزء لذلك عرضه عليّ لقاء ربع ليرة، وهو سعر أقل من قليل. فزت بالكتاب ولم تكتمل فرحتي، لأن الرجل لم يعدني بأن أحصل في وقت آخر على الجزء الأول. وعندما شعر بخيبة أملي اقترح عليّ أن أبحث عنه في مكتبات المدينة.

أذكر أنني دونت في مفكرتي سطورا عن سبارتاكوس، في جوار أبيات كنت أقتطفها من كتابات الشعراء. كان من بين أكثر المقاطع الشعرية تأثيراً عليّ في تلك السن “إذا مت” لفيدريكو غارثيا لوركا، و”أجمل الأيام” لناظم حكمت:

“إذا مت

دعوا الشرفة مفتوحة

الطفل يأكل البرتقال

من شرفتي أراه

الفلاح يحصد القمح

من شرفتي أراه

إذا مت

دعوا الشرفة مفتوحة”.

والمقطع الشعري الثاني:

“أجمل الأيام

ذاك الذي لم يأت بعد

وأجمل الأطفال

ذاك الذي لم يولد بعد

وأجمل ما أريد قوله

ما لم أقله بعد”.

بعد عام أو اثنين، على الأكثر، سيقيّض لي أن أحضر فيلما آخر سيحدث تحولا عميقاً وعنيفاً في تفكيري وفي قراءاتي الأدبية، وسيفتح لي بابا على نوع جديد من الاهتمامات التي سترافقني زمنا طويلا خلال نشأتي الأدبية. كان الفيلم “أوديب ملكا” لبازوليني. هذا الفيلم سيحملني في ما بعد على زيارة المكتبات دوريا لاقتناء المسرحيات الإغريقية، مسرحيات سوفوكل وأسخيلوس ويوربيدس، ستكون البداية مع سوفوكل وأعماله الأخرى، ثم تكرّ السبحة، وتتحول مكتبتي الشخصية إلى خزانة للمسرح الإغريقي، نصوصا مسرحية ودراسات نقدية وتاريخية وكتابات في التراجيديا ومصادرها الأسطورية، وهو ما سيقودني، إلى الملاحم، هوميروس أولا وفرجيليوس ثانيا. وبعدها، وعندما ستتشعب الخطوط، ستكون لديّ قراءاتي في الشكسبيريات وسأحتفظ بحيز بارز في اهتماماتي لـ: الملك لير، وهاملت، وعطيل، وماكبث، وروميو وجولييت.

لكن دخول عالم المسرح من باب قراءة المسرحيات سيطور لديّ لاحقاً اهتماماً بفن التمثيل، وهو ما سيقودني إلى “فرقة المسرح الحر”، وتلقي دروس في التمثيل على يدي أحد أهم ممثلي المسرح العربي عبداللطيف فتحي، الذي سيرشحني للعب أدوار صغيرة على خشبة “المسرح القومي” وقد جعلت من كتاب “قواعد الممثل” لقسطنطين ستانسلافسكي إنجيلي المسرحي.

لاحقا اكتشفت أنني لم أكن لأرغب في أن أكون ممثلا مسرحياً، إلا لرغبتي في أن أعيش الأعمال المسرحية عن قرب في قاعات التمرين وفي كواليس العرض المسرحي، وليس فقط من على مقعد المشاهد.

لعل قراءاتي المسرحية وميلي إلى قراءة الملاحم، وولعي بنوع معين من السينما كل هذا لعب دورا مؤثراً في ظهور النزوع الدرامي والملحمي في شعري. ولربما كانت محاولاتي المبكرة مع المسرح ساهمت في ظهور ميزة أساسية في شعري تمثلت في تعدد الأصوات في القصيدة.

III

—-

ولأعد إلى جانب آخر من المشهد الميتروبولي الدمشقي، وهو يتصل بأثر المدينة على مخيلتي، وامتداد أثرها إلى تكويني النفسي، ودورها في بلورة ثقافتي الشعرية.

هناك شيء في دمشق، لا يمكن أن تمحوه السنون من الذاكرة ولا من هيمنته على اللاوعي في أبنائها وساكنتها على حد سواء: علاقات الظل والنور في المدينة. يمكن لهذه الناحية أن يستدعي التعبير عنها صوراً وملامح وإيقاعات من المدينة بعمارتها وحركة الناس فيها، تملأ صفحات تبعث في قارئها شغفا لا يوصف. مرات أفكر: ليتني كنت ناثراً، وليت كانت لي موهبة الناثرين وصبرهم، لكنت ربما كتبت في هذه المدينة ألف صفحة من دون أن تنفد الصور والمناظر والمعالم التي ملأت مخيلتي عن مدينة صباي. للأسف لا أملك تلك المواهب التي يحتاجها مؤرخ أو وصاف لحاضرة عظيمة كمدينة دمشق.

***

واليوم أتساءل، ترى هل تمكن كتابة شعر بوسع التاريخ أن يستبقي ولو سطوراً منه، من دون أن يكون خيال شاعره قد تشبّع بجماليات المدن، وأثرت روحه بثرائها، لاسيما لو كان الشاعر سليل مدينة من تلك المدن التي لعبت أدواراً عظيمة في حضارة الإنسان؟

***

هل يمكن، من ثم، رد جانب من عناصر الخلل في الشعر العربي الحديث إلى تلك القطيعة التي توهّمها وأقامها شعراء معاصرون موصوفون بأنهم حداثيون مع المنابت القديمة للحضارة، وإلى العدوانية المفرطة التي يضمرونها حينا ويفصحون عنها غالباً، نحو كل ما يمتّ بصلة إلى مدن شعروا بغربتهم الشديدة عنها، إما لمنابتهم البعيدة عن المدنية أو لكونهم (وقد ظهرت تجاربهم الشعرية في الفترة التي شهدت الانقلابات العسكرية!) كانوا قد اعتنقوا أفكاراً انقلابية سلخت بدورها فكرة المدينة من إرثها الحضاري العريق، ولم يعودوا يجدون فيها سوى ما اعتبروه “مدينة فاسدة”، وفي أحسن الأحوال “مدينة محافظة”، كما اعتبر البعض منهم دمشق، فتعالوا عليها بنزعات رومانسية “ريفية”، وقد عدّوا أنفسهم غرباء عنها، على الرغم ممّا تمتعوا به من امتيازات في ظل (وفي رعاية!) نخب عسكرية كانت قد احتلت بالدبابات الحياة المدنية. وفي هذا المناخ المسموم ما عدنا نرى في الشعر العربي صوتاً مدينياً إلا ووجدناه متهماً ومنظوراً إليه بجفاء من قبل “شعراء الحداثة” القادمين غالبا من أرياف بعيدة، ومن بلدات همشتها “المدن المتروبول” كدمشق التي استوطن فيها الاستبداد، فعسكرها، وجعلها قاعدة لنموذج غير مسبوق من الحكم الغازي القائم على السلب والنهب، والذي لا يشبهه إلا الاحتلال الأجنبي.

كما في الشعر، كذلك في المدنية، القطيعة عمل انقلابي.

لندن في غرة تموز – يوليو 2021

(عن الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق