ثقافة وفن

الإسهام الثقافي للإماء في الحضارة الإسلامية (4)

جارية تهزم علماء الأندلس بأسئلتها العلمية وأخرى تروي عن الإمام مالك

أحمد بن إبراهيم

وكانت عَريب المأمونية (ت 277هـ/890م) واحدة من “الإماء الشواعر” المشهورات، وعُرفت بأنها جارية الخليفة المأمون (ت 218هـ/833م) الأثيرة لديه فلذلك نُسبت إليه. وعنها يقول الأصبهاني في ‘الأغاني‘: “كانت عَريب مغنّية محسنة، وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام، ونهاية في الحسن والجمال والظَّرْف، وحُسن الصورة وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والأدب”!

ويبدو أن هؤلاء الجواري البارعات في الفنون والمعارف قد أخذن بألباب الخلفاء والأمراء؛ فقد ذكر ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- أن المعتصم طلب “جارية كانت لمحمود الورّاق -وكان نخّاسا- بسبعة آلاف دينار (= اليوم 1.2 مليون دولار أميركي تقريبا) فامتنع محمود من بيعها، فلمَا مَات محمود اشتُريت للمعتصم مِن ميراثه بسبعمئة دينار”.

مشاركة أندلسية

في سنة 206هـ/822م ظهر في سماء الأندلس نجم الموسيقار العراقي زرياب الموصلي (ت 243هـ/858م)، قادما من بلاط الخلافة العباسية ببغداد بآخر ما تفتقت عنه عقولها الفنية في مجال الغناء وآدابه؛ فأحدث في مهجره الأندلسي أثرا عظيما تغير به مجرى تاريخ البلاد الفني، وشجعه على ذلك ما لقيه من حفاوة عظيمة لدى ملوكها الأمويين حتى إنه صار “يركب في أكثر من مئة مملوك، وفي ملكه ثلاثمئة ألف دينار دون الضِّياع (= العقار والأراضي)”؛ كما يقول المقري في ‘نفح الطيب‘.

وفي بيت زرياب -الذي كان أشبه بمدرسة لتكوين الجواري والغلمان في معارف المعازف- تخرجت طبقة أندلسية خالصة من الجواري ذات الثقافة الغنائية والأدبية العميقة؛ فقد ذكر المقري أنه “كان لزرياب جارية اسمها متعة، أدَّبَها وعلّمها أحسن أغانيه حتى شبَّت وكانت رائعة الجمال”، كما كانت منهن “مصابيح جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل، [فقد] أخذت عن زرياب الغناء وكانت غاية في الإحسان والنبل وطيب الصوت”!

على أنه لم يكن في مقدور المدرسة الزريابية وحدها أن تحقق “الاكتفاء الذاتي” للأندلسيين من الجواري المثقفات، أو تنهي عملية جلب التجار لهن من المشرق. ولذلك حفظت لنا تواريخ المغرب والأندلس أسماء كثيرات من هؤلاء الجواري اللاتي بلغن الغاية في الأدب والظرف والفصاحة، واستُقدم كثير منهن من حواضر الشرق الإسلامي وخاصة المدينة المنورة وبغداد.

فقد أورد العلامة المقري (ت 1041هـ/1632م) -في ‘نفح الطيب‘- أسماء طائفة من الجواري المغنيات، جاء بهن من المدينة المنورة رجالٌ بعثهم لهذا الغرض أميرُ الأندلس الأموي عبد الرحمن بن الحكم (ت 238هـ/852م)، فتكوّنت منهن طبقة فنية نسائية خُصص لها جناح في القصر الأميري بقرطبة عُرف بـ”دار المدنيات“!

وكان ممن ذكرهن المقري الجاريةُ “فَضْل المدنية.. [التي] كانت حاذقة بالغناء كاملة الخصال، وكانت لإحدى بنات هارون الرشيد، مَنشؤُها وتعلُّمُها ببغداد ودَرَجت (= رحلت) من هناك إلى المدينة فازدادت ثَمَّ طبقتُها في الغناء، واشتُريت هنالك للأمير عبد الرحمن مع صاحبتها [الجارية] عَلَم وصواحب غيرها إليهن يُنسب ”دار المدنيات“ بالقصر، وكان [الأمير] يؤثرهن لجودة غنائهن ونصاعة ظرفهن وأدبهن”!!

وتسمية جناح الجواري المثقفات في قصر قرطبة بـ”دار المدنيات“ تحيل الأذهانَ إلى المكانة الكبيرة للجواري المشرقيات في قلوب الأندلسيين، حتى إنهم إذا برعت فيهم جارية أندلسية محلية قالوا عنها “كأنها من قيان المشرق المتقدمات”؛ كما وصف بذلك الإمامُ المحدّثُ ابنُ الأبّار الأندلسي (ت 658هـ/1260م) -في كتابه ‘التكملة‘ الذي ترجم فيه لـ12 جارية ما بين عالمة وأديبة ومغنية- الجاريةَ “نزهة الوهبية”، فقال إنها “كانت إحدى عجائب القيان بالأندلس حَذْقاً وطَبْعاً وحُسْناً وظَرْفاً، تنشد الأشعار وتورِد الحكايات والأخبار، وتذكُر أيام العرب، وتشارك في حفظ الأمثال والنسب”!!

مشيخة للعلماء

وللحظوة الخاصة لجواري المدينة المنورة المثقفات لدى الأندلسيين كان تجار الرقيق المشارقة يتكبدون السفر بهن إلى الأندلس، فيعرضوهن على علية القوم هناك -حتى ولو كانوا من كبار القضاة وأولي العلم- مستعرضين لهم مهاراتهن ومعارفهن.

فقد جاء في رواية للمحدّث الحميدي عن شيخه الإمام ابن حزم “أن رجلا من أهل المشرق يُعرف بالشيباني دخل الأندلس فسكن قرطبة..، فخرج قاضي الجماعة (= قاضي القضاة) ابن السليم (أبو بكر ت 367هـ//978م) يوما لحاجة فأصابه مطر اضطره إلى أن دخل بدابته في دهليز [دار] الشيباني..، فرحب بالقاضي.. وأدخله إلى منزله.. فقال له: أصلح الله القاضي! عندي جارية مدينية لم يُسمع بأطيب من صوتها، فإن أذنتَ أسمعتْكَ عَشْراً من [آيات] كتاب الله عز وجل وأبياتا، فقال له: افعلْ، فأمر الجارية فقرأتْ ثم أنشدتْ؛ فاستحسن ذلك القاضي وعجب منه”، ثم أهدى للجارية عشرين دينارا وودَّعهما!!

ومن الجواري المثقفات المشرقيات أيضا “قمر البغدادية” جارية إبراهيم بن حَجّاج اللخمي (ت 298هـ/912م) والي إشبيلية في زمن الأمير عبد الله بن محمد الأموي (ت 300هـ/912م)؛ فقد كانت -وفقا لابن الأبّار- “من أهل الفصاحة وَالْبَيَان والمعرفة بصوغ الألحان، لا تُدانَى أدباً وظَرْفا وَرواية وحفظا، مع فهم بارع وجمال، وكانت تقول الشِّعر بفضل أدبها”.

ومن بديع شعرها ما رواه المقري -في ‘نفح الطيب‘- من “قولها تتشوق إلى بغداد”:

آهاً على بغــدادها وعـــراقها

وظبائــــــها والسِّحْر في أحــداقها!

ومجالُـها عند الفـرات بأوجه

تبدو أهلــــتُها على أطــــــــــواقها

متبخــتراتٍ في النعــيم كأنما

خُلِق الهــوى العذريّ من أخـلاقها

نفسي الفداءُ لها فأيُّ مَحاسنٍ

في الدهر تُشـرِق مِن سَنا إشراقها!

وإذا كان جلبُ الجواري المثقفات من المشرق هو القاعدة العامة في الأندلس؛ فإنه حصل أحيانا أن بعض هؤلاء الجواري كُنّ أندلسياتِ الولادة لكن تداولتهن أيدي النخاسين حتى أوصلتهن إلى المشرق، حيث تثقفن بمعارفه الأدبية ثم “أعيد تصديرهن” إلى بلادهن الأندلس. ومن النماذج الشهيرة لذلك قصة “الجارية قَلَم” التي قال المقري إنها نالت “الحظوة عند الأمير عبد الرحمن، وكانت أندلسية الأصل رومية من سبي البَشْكُنْس/البَشْكُنْش (= اليوم إقليم الباسك الإسباني)، وحُملت صبيّةً إلى المشرق فتعلمت الغناء بالمدينة، ثم جُلبت إلى الأندلس للأمير عبد الرحمن..، وكانت أديبة ذاكرة حَسَنة الخط، راوية للشعر حافظة للأخبار، عالمة بضروب الآداب”!!

تمكُّن واثق

كما بلغت جاريات أخريات درجة من التمكن في فن معيّن خولتهن الحق في تحدي علماء بلدهن في معرفة دقائق هذا الفن؛ ومن هؤلاء “الجارية العبّادية” التي كانت في قصر أمير إشبيلية المعتضد بن عباد (ت 461هـ/1070م) وكانت متبحرة في فقه اللغة، وقد وصفها ابن الأبار بأنها “كانت أديبة ظريفة كاتبة شاعرة ذاكرة لكثير من اللغة”، ثم ذكر ألفاظا من عويص اللغة “أغربت [بها].. على علماء إشبيلية..، فما كان بإشبيلية -في ذلك الوقت- من عرف منها واحدا”!!

ومنهن من كانت عالمة بالحديث النبوي الشريف ترويه عن كبار العلماء؛ فالمؤرخ ابن حيان الأندلسي (ت 469هـ/1080م) يقول -في ‘المُقتبَس‘- إنه “لما حجَّ حبيب [الملقب] دحّون (ابن الوليد الأموي ت بعد 200هـ/815م) اجتمع بمكة مع ابن عمه محمد بن يزيد بن سلمة..، فوهب له محمد جارية تسمى عابدة [المدنية]، وكانت سوداء حالكة من رقيق المدينة، وكانت تروي عن مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) وغيره من العلماءِ شيوخِها، فتُسنِد عشرة آلاف حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقدم بها دحّون إلى الأندلس وهو قد أعجب بعلمها وفهمها”!

بل إن بعض هؤلاء الجواري بلغن غاية المهارة في تعلّم بعض العلوم التجريبية، مثل جارية الخليفة الحكم المستنصر (ت 366هـ/977م) التي اشتُهرت بالذكاء والنباهة؛ فأرسلها الحكمَ إلى “سليمان بن أحمد بن سليمان الأنصَارِي المعرُوف بالرصافي أن يعلمهَا التَّعْدِيل وخدمة الأَسْطُرْلابُ (= آلة فلكية قديمة) وما يجري في مجرى هذا، فقبلت ذَلِك كُله وحذَقته، وأعانتها قريحتها واستكملت علمه فِي ثلاثة أَعْوَام أَو نحوهَا، وأُعجِب الحكَم بها وألزمها خدمَة مَا تعلّمته في دَاره”!!

وبعضهن كُنَّ يُتقن عددا من هذه العلوم مع ثقافتهن الأدبية والغنائية بحيث تغدو الواحدة منهن موسوعة معارف متكاملة؛ مثل جارية أمير منطقة السهلة شرقي الأندلس هُذَيل بن خلف ابن رَزين (ت 436هـ/1044م) الذي يفيدنا الشنتريني -في ‘الذخيرة‘ نقلا عن المؤرخ ابن حيان الأندلسي (ت 469هـ/1077م)- بأنه كان “أول من بالغ الثمن بالأندلس في شراء القينات، [فقد] اشترى جارية أبي عبد الله المتطبب ابن الكتاني بعد أن أحجمت الملوك عنها لغلاء سوْمها، فأعطاه فيها ثلاثة آلاف دينار (= اليوم نصف مليون دولار أميركي تقريبا) فملكها…، وابتاع إليها كثيرا من [الجواري] المُحْسِنات المشهورات بالتجويد، طلبَهن بكل جهة؛ فكانت ستارتُه (= مجلسه الغنائي) في ذاك أرفعَ ستائر الملوك بالأندلس”!!

ثم يحدثنا ابن حيان عن الثقافة الغنية التي حازتها هذه الجارية بإشراف مالكها العالم الموسوعي الكتاني؛ فيقول إنها “كانت واحدة القيان في وقتها، لا نظير لها في معناها، لم يُرَ أخفُّ منها روحا..، ولا أطيب غناء، ولا أجود كتابة، ولا أملح خطاً، ولا أبرع أدبا، ولا أحضر شاهدا على سائر ما تُحْسنه وتدَّعيه، مع السلامة من اللحن فيما تكتبه وتغنّيه، إلى الشروع في علم صالح من الطب ينبسط به القول في المدخل إلى علم الطبيعة وهيئة تشريح الأعضاء الباطنة، وغير ذلك مما يقصر عنه كثير من منتحِلي الصناعة، إلى حركة بديعة في معالجة صناعة الثـِّقاف (= تقويم الرماح) والمجاولة (= المقاتلة) بالحَجَفة (= تُرْسٌ جِلْدي) واللعب بالسيوف والأسنّة (= الرماح) والخناجر المرهَفة، وغير ذلك من أنواع اللَّعِب المطربة، لم يُسمع لها بنظير”!!

وكان بعضُ الأمراء إذا سمع عن شُهرة جارية -بإقليم من الأقاليم البعيدة- وحَذْقِها لفن من الفنون حرص على جلبها بكل سبيل ممكنة، ومن هؤلاء “قمر البغدادية” المذكورة آنفا. فقد قال ابن عذاري (ت بعد 712هـ/1312م) -في ‘البيان المُغرب‘- إن الوالي الأندلسي إبراهيم بن حجاج اللخمي سمع بمهارتها وثقافتها “فوجَّه بأموال عظيمة إلى المشرق في ابتياع هذه الجارية إلى أن استقرت بدار مملكته إشبيلية، وكانت كالبدر المنير ذات بيان وفصاحة ومعرفة بالألحان والغناء..، وكان لها شِعر يُستحْلَى ويُستحسَن؛ فمِن قولها ترد على من عَذَلَها (= عاتبها):

قالُوا أتتْ “قَمَـــرٌ” في زِيِّ أطمَارِ

مِنْ بَعدِما هَتَـــــكَتْ قَلباً بِأشفَارِ

تُمسِي علىَ وَحَلٍ تغـدو على سُبُلٍ

تَشُقُّ أمصارَ أَرْضٍ بعدَ أَمصَارِ

لا حُرَّةٌ هَيَ مِن أحـرار مَوضِعِها

وَلاَ لَهَا غَيرُ تَرســــــيلٍ وأشعَارِ

لَو يعقلون لَمَا عَـــــابُوا غَريبَتهم

لله مِن أمَةٍ تُـــــزرِي بأحـــرارِ!

ما لابنِ آدمَ فــــخرٌ غَيرَ هِمَّــــتِهِ

بَعدَ الدِّيَانةِ والإخلاصِ للبارِي”!!

ولئن بلغت بعض هؤلاء الجواري شأوا عظيما في الذكاء والبيان وسرعة البديهة في الرد شعرًا كان أم نثرًا في المشرق، فقد رأينا في المغرب أمثالهن أيضا؛ فقد أورد المقّري أنه كانت لأحد أعيان شاطبة بالأندلس جارية اسمها “هند الشاطبية” اشتهرت بأنها من الماهرات في الشعر والغناء، وقد أُعجِب بمهارتها وشعرها أدباءُ وعلماءُ وقتها مثل أديب شاطبة ومؤرخها أبي عامر محمد بن يحيى بن ينق (ت 547هـ/1152م)، الذي أرسل إليها “يدعوها للحضور عِنْده بعُودِها”:

يَا هِنْدُ هَل لَكِ فِي زِيَـــــارَة فتيةٍ ** نبذوا المَحَارِم غير شرب السَّـلْـسَلِ

سمِعُوا البلابلَ قد شَدَتْ فتذكَّرُوا ** نغمـــاتِ عُودِكِ فِي ”الثقيلِ الأولِ“!

فَكتبت إِلَيْهِ على ظَاهر رقعته:

يَا سيداً حَاز الــــــعُلَا عَن سادةٍ

”شُمِّ الأنوف مِن الطِّــراز الأوَّلِ“

حسبي من الْإِسْرَاع نَحْوَكَ أنني

كنتُ الجوابَ مَعَ ”السودِ المُقبل“!

ومنهن من تعلم على يديها بعض علماء الأندلس مثل الجارية “إشراق السويداء” (ت بعد 443هـ/1052م) المعروفة بـ”إشراق العَروضية” لمهارتها في علم العروض الشعرية، وقد برعت في عدة معارف حتى تجاوزت مستوى أستاذها الذي علمها إياها!! ويقول ابن الأبّار إنها كانت “أخذت عن مولاها أبي المطرف (ابن غَلْبون القرطبي ت 443هـ/1052م) العربية واللغة والآداب..، وكانت قد فاقته في كثير مما أخذته عنه وأحسنت في كل ما تناولته، وكان لها علم بالعَروض وأوزان الشعر؛ قال [شيخُ قُـرّاء زمانه بالأندلس] أبو داود سليمان بن نجاح المقرئ (ت 496هـ/1102م): أخذتُ أنا عنها العَروض وقرأتُ عليها [كتابيْ] ‘النوادر‘ لأبي علي (القالي ت 356هـ/967م) و‘الكامل‘ لأبي العباس المبرد (ت 286هـ/899م)، وكانت تحفظ الكتابين ظاهرا تنصُّهما حفظاً وتتكلم عليهما” شرحا وتفسيرا!!

نقلا عن: الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق