آراء

تبصُّرات ثقافية

سردية الاستهلاك الإلكتروني!

ابتسام الهاشمي

تشكل وسائط الاتصال الإلكترونية Electronic means  Of Communication،  إحدى أجهزة العولمة الثقافية Cultural Globalization الأكثر انتشارا،  صارت عبرها الدعوة للاستهلاك متاحة بشكل أكبر ؛ للأفكار، والصور، والأصوات، والقيم، والعادات بمختلف انتماءاتها الجغرافية والتاريخية. انعكست بقدر وافر في «عولمة» الأنظمة الاقتصادية العالمية هذا من جهة، ومن جهة ثانية في ربط العالم كله في شبكة من الاتصالات؛ جعلت «تعولم» الإنسان تعولما عالميا، يتسم بالتطبيع في مختلف أشكاله المادية والمعنوية.

  وقد أشار المفكر الفرنسي «هنري ليفي بيفر Bernard-Henri Lévy « إلى الدور القوي الذي تلعبه وسائل الإعلام في ممارسة ما سماه „بقهر العقول»؛ وذلك بدفعها الإنسان لنهج مجموعة من السلوكات الثقافية، ما يجعل من التكنولوجيا مصنعا ترويجيا للعديد من الثقافات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل يقنن الإنسان استخداماته، أم يخبط خبط عشواء؟

يعود بنا تاريخ الابتكار الأول للعالم الإلكتروني لسردية من العوامل، اسْتفتحَتها العوامل العسكرية؛ لما تم وصْل عدد كبير بين الحواسيب الموزعة في مناطق جغرافية مختلفة، قصد تفادي أي هجوم نووي، وذلك في ستينيات القرن المنصرم، ثم انتقلت بعد ردح من الزمن إلى الاعتماد الأكاديمي؛ مع شبكة «Arpa» بوصلها بين حواسيب أربع جامعات أمريكية عام 1069م، لكنه _العالم الإلكتروني_ لم يبلغ أوجَهُ التجاري إلا في أواخر ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، مع عالم الحاسوب الإنجليزي « تيم بيرنرز لي Sir Tim Berners-Lee»، حينها أمكن للشبكة العنكبوتية تغطية العالم كله، متجاوزة الحدود الجغرافية، ومتحدية قيود الحكومات، ومتعدية الأشكال الخطية المستقيمة في البحث والتنقيب؛ فصار الوجود الافتراضي محاكاة للواقع، حمالا لكل ملامحه (سياسية، عسكرية، ثقافية، اقتصادية…)؛ حتى  بات وجوده  وعروضه المغرية  حتمية إنسانية، زاد من نسبة إلزاميتها المتغيرات الأخيرة التي شهدها العالم بعد ظهور «فيروس كورونا»، اعتبرت حينها التكنولوجيا الخلاص الأخير لإنقاذ  الاقتصاد الإنساني من الانهيار، ما أسفر عن عادات حياتية جديدة  قادها «الإنترنت» لقبت «بالحياة عن بعد»، شملت المتاجرة، والتعليم، وصلة الأرحام الإنسانية.

حتى إنَّ غياب الإنترنت بات يبعد المعنى عن حياةِ المرء، يقوده إلى العيش في الحضيض على منوال المنبوذين البؤساء، نذكر في هذا السياق على سبيل التمثيل لا الحصر؛ ضياع حق العديد من التلاميذ في التمدرس إما لغياب أو ندرة تغطية الشبكة بجغرافيتهم، أو ضعف قدراتهم الشرائية، فالعالم الافتراضي هو الآخر يحاكي العالم الواقعي، في تكاليفه المادية؛ وبالتالي المزيد من التراتبية الطبقية هنا وهناك، هي معادلة منطقية إذن، إذ لا يمكننا البحث عن عدالة اجتماعية في واقع افتراضي، وهي غائبة من الأساس في الواقع الفعلي؟

أضف لذلك تلك الاستثمارات الجديدة التي بات يمارسها البعض إلكترونيا،  جعلت من الإنسان سلعة في يد الشبكة الإلكترونية،  استثمارات تلتفت إلى سفاسف الأمور، حيث تُهدر الطاقات والأوقات في سبيل إنتاج الثروة أو بالأحرى «السلعة» المادية،  في الوقت الذي كان العمل الواقعي فرصة لتحقيق الذات الإنسانية وتطويرها، أصبح «العمل» الإلكتروني _مع التحفظ في تلقيبه عملا_  بعيدا وغريبا عن الذات الإنسانية العميقة، وهو ما ينتج عنه الاغتراب الإنساني وإن صاحبته الثروة المادية، فهي تظل مجرد ثروة جوفاء، في ظل غياب سعادة اجتماعية واقعية. 

بذلك، استطاع العالم الإلكتروني، تغيير فهمنا لذواتنا كأفراد إنسانية، وتلقيننا عادات ثقافية جديدة في تفاعلنا مع محيطنا الاجتماعي والإنساني، حتى أصبح وأدواته يشكل أولوية بدل أن يكون مكملا، مما أدى وسيؤدي للمزيد من التمويه والتشويه الثقافي _دون وعي منا_ يصنع لنا يوما بعد يوم ثقافات استهلاكية «consumer cultures» جديدة، تستهلكنا ونستهلكها؛ إلى أن ينتهي بنا المطاف إلى مخلوقات إنسانية جوفاء، يحكمها مبدأ «التسليع»، والأفظع «تسليع الإنسان».

ليس هناك ما يمكن أن يُشعِر المرء  بالوجود، مثل وجود «هدف» واقعي ملموس، أن يستهدِف أمرًا وإن كان بسيطًا، يعيش سردية تحقيقه بواقعية ومنطقية، يستلذ بنجاحه، هذه هي الثروة التي  لن ترتكز الحياة دونها، لأن الحياة صراع للتقدم، والأهداف وسيلة للنجاة، وإيجاد شغف جديد والنهوض لأجله مرات ومرات، هناك مقولة  تقول «إنسَان بدون هدف كسفينة بدونْ دَفة، كِلاهُما سوف ينتهي به الأمر على الصخور»، والحياة تريد إنسانا حكيما، قويما، ينظم حياته على نسق قويم، يمتثل أساسه للواقعية،  حينها لابأس في دعمه بقليل من مكتسبات التكنولوجيا، ولكن باستهلاك عقلاني مؤقت.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق