وأنا على هضبة الستين، ملأت رئتي بنسائم العمر القادم ولساني يلهج بالشكر والحمد لله رب العالمين على نعمة الحياة والبقاء. ثم نظرت من علٍ إلى مقبل الأيام والسنين، مستبشراً بأنعم الله وآلائه، ما مضى منها وما سيأتي.
لم أتوقف يوماً لأحسب ما مضى من عمري، فهو قد ذهب ولن يعود، ولم يعد ملكي، ولكنني كنت أغوص عميقاً في دهاليز المعاني التي رافقت ذلك العمر في رحلته القدرية من عالم النطفة والتخلق، إلى حيث الوجود والحياة.
العمر مجرد أرقام يتراكم بعضها فوق بعض، تبدأ وتنتهي حتماً، ولكنه عندي معنى وقيمة وفكرة.
لم يكن ما مضى مجرد أيام بلياليها فحسب، بل كانت مزيجاً من كل شيء، فبعض التكوين صناعتي، وبعض ما أنا عليه صنيعة الأشياء.
وأنا في عتبة الستين، أدركت أن المرء تصنعه الظروف والأقدار، وسلاحنا الوحيد في معركة القدر هو الإيمان بأن ما كُتب لك، لم يكن ليخطئك، وما على المرء إلا أن يسعى لكتابة قدر يتمناه، وصياغة فكرة يؤمن بها، ورسم حياة يرجوها.
لن تستطيع أن تغير قدرك، ولكن يمكنك أن ترسم خطوط وملامح ذلك القدر بريشة الكد والمثابرة والاجتهاد، وقد تعجز في تلوين لوحة قدرك، فتعيد الكرة أو تستسلم، ولكنك لن تستطيع أن تمنع الحياة من المضي قدماً في خط سير ذلك القدر.
أقف عاجزاً عن فهم ثنائية النجاح والفشل في هذه السنين، فمن يراني ناجحاً، ربما غاب عنه فشلٌ خفي، ومن يقر بفشلي، فقد يكون مخطئاً أو متعمداً، أو ربما أصاب. ومهما يكن من أمر، فقد مضى الاثنان معاً، النجاح والفشل، وبقيت عصارة السنين لتصنع إنسان ما بعد الستين.
إن ثقل السنين كافٍ لحنو الظهر، فلا ترهق نفسك أكثر بحمل أوزان الهموم، وتخلص من قيود الكراهية، فهي تشدك إلى الأسفل، وقاوم أمواج الشر، فهي جبال عاتية لن ينجيك منها أن تأوي إليها معتصما.
أهم ما في رحلة الحياة، أن تمتلك روحاً شفيفة، ونفساً نقية، وقلباً محباً، ولساناً رطباً بذكر الله، فتذكر في الملكوت الأعلى، ويبقى أثرك طيباً في قلوب الناس، وليناً على تراب الأرض.
بلغت الستين وأنا أحمل قلباً “أربعينياً”. ليس مبالغة مني أو رغبة في الرجوع بالعمر إلى الوراء، ولكنها إحدى نعم الله عليّ أن تنفصل أيامي وسنين عمري التي مرت عما أحس به حقيقة من طعم عمر “الأربعين”.
وأنا استشعر هذا الجمال، أذوب نشوة من عذوبة إحساس المرء بعمر النبوة، وقد مسحت ذاكرتي الملأى بكدمات ما بعد السقوط في طرقات الحياة ودروبها، وبقيت أمامي فقط تلك المروج المترعة بالحب والوفاء والتسامح.
أنا الآن بقلب “أربعيني”ينبض حباً في جسد “ستيني” يرقص طرباً على إيقاع لحن اليوم القادم، وتغازل روحي الجديدة شفق الأماني القادمات، ليعزف الاثنان معاً، في فضاء حياتي القادمة، سيمفونية ما بعد الستين.
مجدي مكي المرضي
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥م




