سياسة

هل فشلت واشنطن في إخماد حرائق القرن الأفريقي؟

الشافعي أبتدون

بعد تعيين مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، جيفري فيلتمان، مبعوثاً أميركياً خاصاً للقرن الأفريقي في إبريل/ نيسان الماضي، استبشر كثيرون بتعيين شخصية دبلوماسية وممثل للأمم المتحدة ساهم في تخفيف التوترات والنزاعات وواضع سياستها ما بين عامي 2012 و2018، توقع كثيرون أنّ الدبلوماسي المخضرم قادر على جمع الأفارقة وحلّ النزاعات بين دول القرن الأفريقي، لكنّ عصا أميركا يبدو أنّها لم تعد مجدية في حلّ النزاعات في المنطقة، بل تتحوّل النزاعات الداخلية سريعاً من حرب تصريحات وبيانات إلى سجالات عسكرية لا تحمد عقباها، وتُنذر بكوارث إنسانية، سيما في إثيوبيا والسودان، بسبب النزاعات السياسية والعسكرية الطاحنة التي ما لم تتوقف ستغير خريطة التوازنات والتكتلات في القرن الأفريقي.

ففي السودان، وقعت حادثة انقلاب عسكري في 25 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) عشية لقاء جمع بين رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والمبعوث الأميركي جيفري فيلتمان، وهو ما أثار تساؤلات ما إذا كانت واشنطن تتوقع فقط حدوث الانقلاب، أم أنها أعطت الضوء الأخضر للعسكر للانقضاض على الثورة المدنية، بينما الفرضية الأخرى تشي أنّ انقلاب البرهان عكس حجم نفوذ واشنطن في المنطقة التي بدت تزداد ترهلاً وضعفاً، ولم تقدّر حتى استباق تلميحات العسكر إلى اتخاذ خطوة عسكرية تبدّد ميلاد حكم مدني مدعوم غربياً وخليجياً، ولم ينجح فيلتمان أيضاً، حتى بعد الانقلاب، في إقناع العسكر بالعدول عن هذه الخطوة، فضلاً عن الإفراج عن رئيس الحكومة الانتقالية المدنية الذي ما زال تحت الإقامة الجبرية، عبد الله حمدوك، بينما تصريحات الخارجية الأميركية وأعضاء في مجلس شيوخها لم تلقَ هي أيضاً آذاناً صاغية، ليستمر العسكر في عربدتهم وبطشهم، من دون أن يتأثروا بالتهديدات الأميركية ووقف مساعداتها العسكرية، ولا قرارات البنك الدولي لوقف المنح المالية التي كان من المقرّر الإفراج عنها لدعم اقتصاد البلاد.

نافذة الأمل التي يفتحها فيلتمان من أديس أبابا لوقف النزاع العسكري ليس معلوماً ما إذا كانت ستظلّ مفتوحة أم ستغلق مجدّداً

اللافت أنّ حرائق القرن الأفريقي التي ما زالت مشتعلة في أكثر من جبهة تحتاج إلى أكثر من مبعوث أميركي وأممي، فقضية سدّ النهضة التي أوكل لفيلتمان أن يفكك مساراتها، ويجد لها حلولاً سياسية قبل أن تتحوّل إلى حرب إقليمية جديدة، لا تحظى اليوم بالأهمية ذاتها، ولا الأولوية القصوى لدى المبعوث الأميركي، بل القضايا الداخلية لدول القرن الأفريقي، هي التي تستأثر باهتمامات واشنطن حالياً، والتي تبدو عصية على الحلّ، فالملف السوداني معقد وشائك، بل في منزلة صخرة يصعب تحريكها من وسط طريق إيجاد حلول سلمية للأزمة السودانية. كما أنّ النزاع في إقليم تيغراي، هو الآخر، بات مستفحلاً ويدق ناقوس الخطر على تفكيك بنية النظام الإثيوبي، ويستنسخ نموذج يوغسلافيا، إذا استمرّت الأوضاع على ما هي عليه، من دون أن يقدر رجل أميركا في المنطقة على وقف نار الحرب في إثيوبيا أولاً، ودفع الحكومة الإثيوبية إلى الجلوس مع جبهة تحرير تيغراي الموسومة بـ”الإرهاب” من حكومة أبي أحمد، وذلك لتجنيب إثيوبيا خطر انزلاقها نحو حربٍ أهلية لن تقتصر على جغرافيتها فقط، بل ستمتد تأثيراتها وتبعاتها الإنسانية والأمنية إلى بقية دول القرن الأفريقي.

مبادرة “إسكات البنادق” في أفريقيا التي انطلقت عام 2020، يمكن تبنّيها في القارة السمراء، بوصفها شعارات وملصقات دعائية، ومن خلال اجتماعات لقادتها تعقبها تصريحات برّاقة ورنانة، لكن تطبيق هذه المبادرة فعلياً وعلى أرض الواقع صعب التحقيق. والأخطر أنّ أديس أبابا، مقر الاتحاد الأفريقي، مهدّدة أمنياً بعد دنو الجبهات المسلحة نحوها وفي أكثر من جهة، وهو ما يهدّد أيضاً إمكانية أن يعقد فيها الاجتماع السنوي للاتحاد الأفريقي أواخر العام الجاري، أو مطلع عام 2022، حيث تحذّر دول أوروبية وأميركا مواطنيها ورعاياها من السفر إلى إثيوبيا، أو التحرك في داخلها، وهو ما يعكس مدى خطورة الوضع الأمني، لكنّ نافذة الأمل التي يفتحها فيلتمان من أديس أبابا لوقف النزاع العسكري ليس معلوماً ما إذا كانت ستظلّ مفتوحة أم ستغلق مجدّداً، ليستمر الاقتتال الداخلي وعمليات الذبح والتهجير التي تطاول المدنيين أكثر من غيرهم من العسكريين والمسلحين.

واضح أنّ سيناريو استمرار الحرب في إثيوبيا وشرعنة الانقلاب العسكري أخيراً في السودان راجح راهناً، ليكشف عن تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة، وأنّها لم تعد دولةً ذات تأثير قوي وسياسي في القرن الأفريقي، بل إنّ تهديداتها التي توزعها صبح مساء، وعلى فضائياتها وصحفها، لا تخيف أحداً، بل يستمر العسكر في السودان في مواصلة وأد ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018، بينما يواصل أبي أحمد مشواره في حرب عبثية سيكون هو الأول الخاسر فيها، ولن يخرج من دون جروح عميقة في مستقبله السياسي وواقع إثيوبيا دولة قوية متماسكة في بنيتها النظامية السياسية والعرقية والاقتصادية.

أخيراً، لم يعد جيفري فيلتمان ذلك الرجل المنشود في حل نزاعات دول القرن الأفريقي، ربما أنه لم يقتبس شيئاً من سيرة الراحل كوفي عنان، الوسيط الأممي الذي أخمد نار الحرب العرقية في كينيا عام 2007، ولا الموريتاني أحمد ولدو عبد الله الذي أخرج الصومال من وحل الخراب والدمار بحكومة انتقالية في جيبوتي عام 2009، فهل يقدر فيلتمان على جمع فرقاء إثيوبيا في طاولة واحدة لنزع فتيل الإحتراب الداخلي. كذلك الحال في السودان، إذ تكمن مهمته في صعوبة جمع خصوم الفريق البرهان من قوى إعلان الحرية والتغيير في غرفة واحدة بل في فندق واحد، لوقف عجلات تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية هناك؟ من الصعب الجزم أنّه سينجح في حل النزاعات الإثيوبية، وإعادة البوصلة إلى ما كانت عليه قبل 25 من أكتوبر في السودان، لأنّ سياسة العصا والجزرة التي تستخدمها واشنطن استنفدت أغراضها، وسبب هذه الخيبات أنّ سياسات الولايات المتحدة تجاه دول القرن الأفريقي بات تأثيرها أقل من المتوقع، وآلياتها واستراتيجيتها دون المستوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق