سياسة

أوجه التشابه في السياسة الخارجية بين المغرب وتركيا

محمد أجغوغ

مما لا شك فيه أن كلا من تركيا والمغرب يتوافران على مجموعة من الخصائص والقواسم المشتركة التي جعلت كلتاهما يستثمران هذه المقومات على مستوى السياسة الخارجية، فيما يتعلق بالإرث التاريخي وإدارة الأزمات والجغرافيا والوضع الجيوسياسي والمحيط الإقليمي، جعل كلتا البلدين يتوافران على أوراق استراتيجية استعملت من أجل تفعيل التوازنات الإقليمية على مستوى التحولات التي تعرفها المنطقة.

وليس من قبيل الصدفة: أنه حين تعرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمحاولة الانقلابية في يوليو 2016، ومباشرة بعد عملية التحقيقات وظهور نتائج من يقف وراء هذا الإنقلاب، أعاد الرئيس أردوغان ترتيب جميع أوراقه ليعيد خارطة التحالفات الدولية ليعيد ترتيب علاقاته مع روسيا من جديد، مع المحافظة على علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب رئيسي من أجل تحقيق نوع من التوازن الإقليمي في المنطقة مستفيدا من الموقع الجيوسياسي لتركيا كبوابة آسيا نحو أوروبا.

أقول ليس من قبيل الصدفة أنه في نفس السنة، وقبل الإنقلاب في شهر مارس 2016، حين صرح الأمين العام للأمم المتحدة بانكيمون خلال زيارته لتيندوف ولقائه بقادة البوليساريو بأن: الصحراء محتلة من قبل المغرب. بالإضافة إلى تقرير الخارجية الأمريكية حول انتهاك حقوق الإنسان في الصحراء في نفس السنة، وقبلها المبادرة الأمريكية بتوسيع صلاحيات المينورسو، كانت هذه التصريحات كفيلة بإحداث تحول جذري في السياسة الخارجية المغربية، ليبدأ المغرب بذلك مرحلة مهمة في تنويع شراكاته الاستراتيجية الجديدة مع القوى العالمية الصاعدة، وهو ما تجسد في زيارة الملك محمد السادس إلى كل من روسيا والصين في مارس 2016 و قبلها إلى الهند وتوقيع العديد من الإتفاقيات في مجموعة من القطاعات: كالسياحية والاقتصادية والزراعية والنقل والأمن الغذائي، مع مراجعة حساباته في توجيه العلاقات مع شركائه التقليديين كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

الموقع الجيوسياسي:

بما أن تركيا تعتبر من خلال موقعها الجيوسياسي بوابة آسيا نحو أوروبا، فيبدو أن المغرب يجسد من خلال موقعه النسخة الإفريقية كبوابة القارة السمراء نحو أوروبا، واستطاع من خلال موقعه الجيوسياسي هذا أن يتم اعتباره رقما صعبا في المعادلة كلاعب رئيسي في العديد من الملفات أبرزها: الجماعات الجهادية المسلحة في منطقة الساحل، والهجرة، ويزيد من أهميتها وجود مضيق جبل طارق كعنصر مهم في ضمان سير الملاحة البحرية.

وعلى غرار مضيق البوسفور: فقد مكن هذا الموقع الجيوسياسي المغرب أن يستغله لصالحه أحسن استغلال جعلته محط جذب من قبل القوى الدولية، فبعد أن لاحت الأزمة المغربية الإسبانية في الأفق، وتراكمت الأزمات بين المملكتين في إطار الحرب الناعمة التي أطلقتها الرباط ضد المملكة الإيبربية، عملت الرباط على إرساء شراكة قوية ومتينة مع الخصم التاريخي والتقليدي لإسبانيا: بريطانيا، بهدف إنشاء جسر يربط بين إقليم جبل طارق الخاضع للسيادة البريطانية على طول 28 كيلومتر مع مدينة طنجة المغربية من أجل تحقيق الربط القاري بين القارتين الإفريقية والأوروبية وكذلك تعزيز التبادل التجاري بين البلدين خاصة بعد خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وهو ما أثار هواجس مدريد.

ويعتبر ميناء طنجة المتوسط الذي تم تصنيفه الاول عربيا وإفريقيا والسادس عالميا على مستوى الكفاءة، إحدى أهم الأقطاب الإستراتيجية الكبرى التي استطاعت الديبلوماسية المغربية توظيفها ضمن رؤية اقتصادية تنافسية مع ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني وأصبح يشكل تهديدا لهذا الأخير، فميناء طنجة المتوسط الذي يقع على مساحة 200 هكتارعلى قبالة مضيق جبل طارق في غرب البحر الأبيض المتوسط، يمكن له أن يستوعب 9 ملايين حاوية إضافية، وتجاوز جميع الموانئ الإسبانية في وحدات الحاوية المتبادلة، 5,7 مليون في الميناء مقابل 5,1 في ميناء الجزيرة الخضراء.

فبعد تصاعد الأزمة الدبلوماسية المغربية الإسبانية، وإطلاق عملية مرحبا من قبل الملك محمد السادس، حين استثنت السلطات المغربية الموانئ الإسبانية من أكبر عملية عبور الجالية المغربية باعتبارها الجالية الثانية في اسبانيا، وهو ما كبد ميناء ألميريا خسائر وصلت إلى 97 في المائة، كما ذكرت هيئة ميناء سبتة ومليلية في بياناتها سنة 2020 أن استثناء الجالية المغربية من عملية العبور ضمن موانئها كبدها خسائر نحو 6 ملايين أورو، خاصة وأن إسبانيا تقع تحت مستنقع أزمة مالية منذ سنة 2008.

وبفضل الوتيرة المتسارعة التي تشهدها حركة هذا الميناء مما جعل المغرب يتموقع ضمن خارطة التجارة الدولية، أصبح القوى العالمية تشهد تنافسية كبرى من أجل تعزيز الشراكة الاقتصادية مع المغرب باعتباره بوابة افريقيا نحو أوروبا انطلاقا من نجاعة هذا الميناء، وتحتل الصين صدارة هذه القوى، والتي تراهن على تقوية ميناء طنجة المتوسط بهدف استكمال مشروع طريق الحرير لتسهيل وصول المنتجات والسلع الصينية إلى القارة الإفريقية.

وإذا كان شمال المغرب يمثل تجسيدا للترابط القاري بين افريقيا وأوروبا، فإنه على غرار نفس السيناريو الحاصل في جنوب تركيا فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة التي كانت أنقرة تعتزم إنشاءها من أجل توطين اللاجئين السوريين وإقامة الحكومة السورية المؤقتة، يبدو ان السيناريو الأكثر تشابها مع وجود بعض الاختلافات النسبية، هو معبر الكركرات الواقع بين المغرب وموريتانيا، إحدى البؤر الساخنة ورئة التنفس الوحيدة للمغرب نحو محيطه الإفريقي، فمن خلاله تقوم الشركات المغربية بعمليات العبور نحو الدول الإفريقية، حاول النظام الجزائري من خلال الزج بعناصر البوليزاريو في شمال موريتانيا إلى السيطرة على المعبر واحتجاز الشاحنات والبضائع المغربية وقطع المغرب عن عمقه الإستراتيجي الإفريقي، ويبدو انه كان هناك مخطط أوروبي فرنسي بهدف توريط المغرب في التوغل نحو شمال موريتانيا ردا على استفزازات منظمة البوليزاريو الانفصالية وإغراقها في المستنقع الرملي، خاصة وأن موريتانيا تقع ضمن دول الساحل والصحراء، بعد توارد أنباء وتقارير على أن الرباط رفضت مقترحا فرنسيا بالزج بقواته العسكرية إلى مالي لتعويض الانسحاب الفرنسي في إطار عملية برخان، وهو ما جوبه بالرفض من الرباط.

ولا شك أن اغتيال الساقين المغربيين في مالي في سبتمبر 2021 من قبل مجهولين (بعض المصادر تشير إلى مرتزقة الفاغنر الروسية)، ثم استهداف شاحنات مغربية في مالي بعد ذلك، جعل العديد من التساؤلات والتكهنات تطرح حول من يريد الدفع بالمغرب نحو الإنجرار الى الاستفزازات التي تجعله لا يلتزم بسياسة ضبط النفس ويغرق في مستنقع منطقة الساحل التي يرتفع فيها لهيب التوتر يوما بعد يوم.

الامتداد التاريخي:

لم يعد يخفي على أي متابع أن السياسة الخارجية التركية وتموضعها ضمن النظام الإقليمي إنما تشكل انعكاسا وامتدادا مما تستمده من إرثها التاريخي للدولة العثمانية، هذا الإرث التاريخي هو نفسه الذي أصبح بمثابة الحاكمية السياسية للمغرب في تعامله مع إسبانيا والبرتغال وانفتاحه الإقليمي على غرب إفريقيا منتهجا بذلك الأسلوب الاقتصادي والإشعاع الروحي عن طريق الزوايا الصوفية.

لاشك أن الدولة العلوية (دولة الأشراف العلويين أو الفلاليين) شكلت  ما يسمى الآن: نظرية الاستثناء المغربي، فهذه الدولة التي كانت بمثابة البنية السياسية القائمة في مواجهة أوروبا من جهة والدولة العثمانية من جهة أخرى التي توقفت فتوحاتها عند حدود الجزائر، جعلت الدولة العلوية الفيلالية التي أسسها السلطان مولاي اسماعيل بن علي الشريف تواجه حوضا حضاريا مختلفا مستغلا بذلك موقعه الجغرافي: أولا في مواجهة أوروبا عن طريق المحيط الأطلسي عبر إعلان (الجهاد البحري) ضد السفن والبواخر الإسبانية والبرتغالية والهولندية والفرنسية التي كانت تسعى إلى استغلال الثروة السمكية لبلاد المغرب الأقصى، وكذلك عن طريق تحقيق نوع من التوازن الإقليمي في مضيق جبل طارق عبر التقارب المغربي العلوي مع بريطانيا ضد المملكة الإيبرية من جهة، أو عن إرساء من التوازن الإقليمي بين كل من الدولة العثمانية وأوروبا من جهة أخرى.

إلا أن هذا التوازن لم يعد بمثابة المجال الحيوي الكافي للإمبراطورية المغربية، ففي عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، أدرك أن الانعطاف نحو الجنوب هو بمثابة العمق الحيوي للدولة السعدية من أجل تحقيق توازن جيوستراتيجي بين أوروبا والدولة العثمانية، وهنا اتسعت رقعة الدولة السعدية ثم بعدها الدولة العلوية لتشمل منطقة غرب إفريقيا إلى أجزاء من مالي والنيجر.

وتتمثل عقدة إسبانيا من المغرب كنظام سياسي ملكي باعتباره امتدادا للإرث الحضاري الذي جسدته الملكيات في التاريخ المغربي على مدى القرون الماضية في إطار الحروب الصليبية القديمة، وتتمثل عقدة النظام العسكري الجزائري من الملكية في المغرب كسقف يتوحد حوله جميع المكونات الإثنية والعرقية للشعب المغربي وكرمز للمشاريع التنموية والصعود الاقتصادي، بينما تتمثل عقدة موريتانيا من الملكية في المغرب بحكم التوسع والامتداد التاريخي للدولة السعدية ثم الدولة العلوية إلى حدود النيجر، وأن القوة البنيوية للنظام السياسي المغربي وأشكال القوة الناعمة على المستوى الروحي والسوسيولوجي التي ينتهجها في سياسته الخارجية ربما قد يشكل مؤشرا لعودة موريتانيا ضمن الحضن المغربي.

الانفتاح على المحيط الإقليمي إفريقيا نموذجا:

منذ سنة 2013، وفي إطار مبادرة جنوب جنوب التي أطلقها الملك محمد السادس نحو الانعطاف جنوبا نحو القارة الإفريقية، وبالأخص في منطقة غرب إفريقيا، أدركت القيادة المغربية أن إفريقيا هي العمق الإستراتيجي للدولة المغربية ضمن رؤية استراتيجية منهجية تتعمد وضع أسس لشراكات اقتصادية مع دول غرب إفريقيا مستغلا بذلك العامل التاريخي، بحكم أن دول غرب افريقيا كانت تشكل امتدادا تاريخيا للدولة العلوية، والعامل الروحي عن طريق الزوايا الصوفية.

وبما أن السياسة الخارجية المغربية تتبع سياسة صفر مشاكل في علاقاتها مع جميع القوى الإقليمية والدولية، فقد انتهج سياسة ناعمة من أجل توسيع نفوذه في القارة الإفريقية عن طريق توقيع اتفاقيات وعقد شراكات مع مختلف دول غرب إفريقيا في إطار مبادرة جنوب جنوب، وصلت إلى 1000 اتفاقية، وبلغت زيارات الملك محمد السادس ما يقرب من 50 زيارة في سنة 2017 إلى مختلف دول القارة السمراء طالت حتى دول شرق افريقيا كإثيوبيا وجنوب السودان، وهي دول معروفة بتأييدها للطرح الانفصالي ناهيك عن كونها تنتمي إلى المحور الأنجلوسكسوني في القارة.

وفي بداية سنة 2014: بدأ المغرب يقتحم العمق الإفريقي انطلاقا من استثمارات مكثفة للشركات المغربية في مختلف القطاعات: الاتصالات والبنوك والتأمين والأمن الغذائي والأسمدة والسكن الاجتماعي والصيد البحري والصحة والنقل، حتى نسبة الاستثمارات المغربية في القارة الإفريقية شكلت 85 ضمن رؤية اقتصادية طالت مختلف القطاعات بما فيها الصناعات الكيميائية وتكنولوجيا الاتصالات مثل شركة اتصالات المغرب، وهو ما مهد لعودة المغرب نحو منظمة الإتحاد الإفريقي في يناير سنة 2017، ناهيك عن خط الأنانيب الغاز الذي يعتزم المغرب تشييده في إطار مشروع GAZ TO POWER مع نيجيريا .

إن سياسة القوة الناعمة التي انتهجها المغرب ضمن رؤية اقتصادية طموحة في إفريقيا، هي التي جعلت القوى الأوروبية –  وعلى رأسها فرنسا –  تدرك مدى التأثير والتنافس المغربي على أسواقها في غرب إفريقيا التي كانت فرنسا تعتبرها بمثابة مجالها الحيوي وعمقها الاستراتيجي، وهو ما حدى بقصر الإليزيه في عهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند أن يقطع علاقاته الديبلوماسية مع الرباط بشكل رسمي سنة 2014 لمدة سنة كاملة إلى غاية 2015 في سابقة خطيرة منذ تاريخ العلاقات بين البلدين.

وفي تقرير لمديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة المالية أفاد بأن الاستثمارات المغربية في القارة السمراء ارتفع إلى 5.4 مليار درهم سنة 2019.

إن الانفتاح المغربي على إفريقيا لا يقتصر فقط على الشق الاقتصادي، بل إن جانب الديبلوماسية الروحية كانت حاضرة بقوة عن طريق دعم الزوايا الصوفية كالزاوية التيجانية والقادرية في السنغال ومالي والنيجر وتقوية روابط البيعة وإعادة تجديد عقود البيعة والولاء بين الأقطاب الروحية لهذه الزوايا والرباط، وتأهيل أئمة المساجد والخطباء في مالي والسنغال والنيجر وتلقيهم العديد من الدورات التكوينية في العلوم الشرعية سنويا ضمن (مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة)، بالإضافة إلى بناء مجموعة من المساجد في كل من تشاد وغينيا كوناكري وجمهورية ساحل العاج بالإضافة إلى فتح فروع ل(مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة) في مختلف دول القارة، بما فيها دول شرق افريقيا ك تنزانيا التي تم فيها تشييد مسجد محمد السادس على مساحة 14270 متر.

وهكذا فإن تحديد علاقة المغرب بإفريقيا قائم على الشق الاقتصادي: الشركات المغربية والشق الديني: الزوايا الصوفية في هذه الدول التي تحتفظ بروابط البيعة مع سلاطين الدولة العلوية منذ قرون طويلة.

ويسعى المغرب من خلال توسيع استثماراته في إفريقيا إلى بناء نوع من الريادة الإقليمية في غرب إفريقيا كما أن التسريع ببناء خط أنبوب الغاز المغربي النيجيري الذي تبلغ مسافته 5500 كيلومتر، سيمكن المغرب من الحصول على العضوية في مجموعة سيداو أو الإيكواس: (المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا) التي يقع مقرها في العاصمة النيجيرية أبوجا، وتفعيل بناء تكتل اقتصادي مشترك في غرب القارة.

أزمة الهجرة:

من مضيق البوسفور، نظرا لأهمية الموقع الجيوسياسي الذي تتميز به في تركيا في ملفات أبرزها الهجرة، وكيف استطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توظيف ملف الهجرة كورقة ضغط ضد الإتحاد الأوروبي ضاربا بعرض الحائط الإتفاق الموقع سنة 2016 بين تركيا والإتحاد الأوروبي بهدف ضبط الهجرة.

فإلى مضيق جبل طارق، نظرا لما يتمتع به المغرب هو أيضا من خلال موقعه الجغرافي باعتباره بوابة افريقيا نحو أوروبا، استطاع المغرب أن يلوح بورقة الهجرة وأن يوظفها كأداة ضغط في مواجهة إسبانيا ومن ورائها الإتحاد الأوروبي، خاصة بعد عزم مدريد إلحاق كل من سبتة ومليلية باتفاقية شنغن، وهو ما أثار امتعاض الرباط بشكل غير كبير.

وحين بلغت الأزمة المغربية الإسبانية أشدها بسبب استقبال ابراهيم غالي زعيم منظمة البوليساريو الانفصالية، أطلق المغرب موجه الهجرة نحو مدينة سبتة المحتلة، فأفواج المهاجرين التي بلغت ما يقرب من 10000 مهاجر إفريقي ومغربي اقتحمت السياج الحدودي لمدينة سبتة المحتلة.

وعلى غرار ما حصل مع أفواج المهاجرين من تركيا إلى بحر إيجه في اليونان، حين بلغ التضامن الأوروبي ذروته مع أثينا ضد أنقرة، حدث نفس السيناريو بحذافيره مع المغرب، فلم تجد مدريد بدا من الاستنجاد بالبرلمان الأوروبي الذي عقد جلسة طارئة في شهر يونيو سنة 2021، والذي اتهم المغرب بانتهاك المواثيق الدولية لحقوق القصر، رغم رفض البرلمان التصويت بأغلبية 397 صوت حول مقترح مدريد على انتهاك المغرب لحقوق القصر.

وهو ما لم يكن الأوروبيون يضعونه في الحسبان، حين أدركت منظمات الاتحاد الأوروبي أن المغرب الذي كان إلى وقت قريب بمثابة شرطي المنطقة، لم يعد يكتفي بالإعانات المالية التي تصله من الدول الأوروبية بهدف ضبط الهجرة، والتي بلغت إلى سنة 2018 إلى 232 مليون أورو من أجل تمويل مشاريع الهجرة بالمغرب.

ولم يكتف المغرب بإطلاق سلسلة موجات المهاجرين إلى كل من سبتة ومليلية، بل إنها غالبا ما تغض الطرف عن قوارب المهاجرين التي تتجه نحو جزر الكناري، وهو ما ترى فيه وسائل الإعلام الإسبانية على أن المغرب ينتهج مسيرة زرقاء بهدف إغراق جزر الكناري بالمهاجرين على غرار سياسة الزعيم الكوبي فيديل كاسترو في الستينات تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

ترسيم الحدود البحرية:

على غرار ترسيم الحدود البحرية بين تركيا واليونان، ظهرت أزمة مشابه بين المغرب وإسبانيا فيما يتعلق بترسيم الحدود بين البلدين في المحيط الأطلسي وتوسيع الجرف القاري إلى 360 ميل بحري المتداخلة مع جزر الكناري الإسبانية وإنشاء منطقة تجارية حرة طبقا لما تقتضيه المقتضيات الدولية لقانون البحار، ضمن ملف سياسي معقد يتداخل فيه الشق القانوني والجغرافي.

هذه الأزمة ظهرت في يناير سنة 2020، حين اكتشفت بعثة جيولوجية إسبانية كنزا مخفيا في السواحل المتنازع عليها الجبل المعروف باسم جبل تروبيك، هذا الجبل الذي يخفي ثروات هائلة مثل الكوبالت والثروليوم كافية لصنع السيارات الكهربائية والألواح الشمسية، ناهيك عن مخزون احتياطي من الغاز في هذا الجرف القاري الذي يطالب المغرب يتوسيعه ضمن مياهه الإقليمية.

ورغم أن المغرب قد استكمل جميع تشريعاته القانونية في سنة 2017 في البرلمان المغربي التي تخوله ببسط سيادته القانونية على مياهه الإقليمية وهو ما أثار استياء حكومة جزر الكناري الفيدرالية باعتبار الخطوة المغربية جاءت من طرف أحادي، فإنه بعد 48 ساعة من اتخاذ هذا القرار، حطت وزيرة الخارجية الإسبانية غونزاليس لايا الرحال في الرباط لمعالجة تداعيات هذه الأزمة.

وبعد الشد والجدب استمر لأربع سنوات، اتفق الرباط ومدريد أخيرا على تشيل لجنة مشتركة من الخبراء القانونيين بعد اعتراف إسبانيا بالسيادة المغربية على الصحراء وموافقتها على ترسيم الحدود البحرية واقتسام الثروات البحرية المتواجدة هناك، بعد أن أعطى المغرب الترخيص للشركات الأجنبية بالتنقيب عن الغاز في مياهه الإقليمية المتداخلة مع جزر الكناري.

الريادة الإقليمية:

لا نريد تركيا جديدة غرب البحر الأبيض المتوسط. كان هذا التقرير الذي أصدرته رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المخابرات الألمانية إيزابيل فيرينفلس، والتي كشفت فيه الأسباب الحقيقية مدى الأسباب التي جعلت ألمانيا تقطع علاقتها الدبلوماسية مع المغرب وتكشف محاولات برلين كبح جماح الرباط وتوسعه الاقتصادي في غرب إفريقيا.

والتجارب تكشف أن القطيعة الدبلوماسية الألمانية المغربية ليست وليدة اليوم، وإنما بدأت نواتها حين أقصت ألمانيا مشاركة المغرب من مؤتمر برلين الأول حول المشاورات الليبية، متجاهلة بذلك دور الرباط كلاعب رئيسي ساهم بشكل كبير في حلحلة الملف الليبي، فالديبلوماسية المغربية أشرفت خلال رعايتها لمشاورات الصخيرات من ألفها إلى يائها باحتضانها للفرقاء الليبيين: برلمان طبرق وحكومة المؤتمر الوطني في طرابلس، هذه المشاورات التي انبثقت عنها اتفاق الصخيرات بمخرجاته والذي انبثقت عنه أيضا حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج والتي حصلت على الاعتراف الأممي، وهو ما أثار حفيظة ألمانيا.

إن بلدا مثل ليبيا يعرف فراغا مؤسساتيا بكل المقاييس، ومفهوم الدولة يكاد يكون شبه غائب في دولة تتنازعها حكومتين، ويعرف عدم استقرار وسط هيمنة كاملة للميليشيات المسلحة، مع تعدد تدخلات الفاعلين والقوى الدولية: (روسيا فرنسا الولايات المتحدة) والإقليمية: (مصر والإمارات وتركيا وإيطاليا) ويأتي المغرب باحتضانه لمشاورات الصخيرات وتساهم ديبلوماسيته الفعالة بتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين ليتوصل الطرفان إلى اتفاق الصخيرات الذي أسفرت مخرجاته عن حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، لهو أكبر دليل على نجاعة الديبلوماسية المغربية في حلحلة الملفات الإقليمية، والرهان على دورها، وهو ما جعل بعض اللاعبين الرئيسيين في الملف الليبي كألمانيا تقصي المغرب من مشاورات برلين 1 حول ليبيا.

وعلى غرار الانفتاح التركي الاقتصادي التنموي على المحيط العربي، وكذلك اعتزام أنقرة على تفعيل دور (منظمة الدول التركية) في إشارة إلى الدول الناطقة باللغة التركية، فإن الدبلوماسية الاقتصادية المغربية من خلال استثماراتها المكثفة في غرب إفريقيا (السنغال، مالي، النيجر، بنين، غينيا بيساو) والتي وصلت في سنة 2019 إلى 5,4 مليار درهم، بالإضافة إلى الاستثمارات المغربية في الكاميرون وفي مدغشقر واثيوبيا وجنوب السودان كدول بعيدة كل البعد عن المحيط الإقليمي المباشر للمغرب، جعل القيادة المغربية تقوم بالتسريع من وتيرة مجهوداتها للانضمام إلى مجموعة سيداو أو مجموعة الإيكواس: المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي يقع مقرها في العاصمة النيجيرية: أبوجا، من خلال زيارة الملك محمد السادس إلى نيجيريا ولقائه بنظيره أحمد بوخاري سنة 2016، وذلك بهدف وضع الأسس لبناء خط أنبوب الغاز بين كل من البلدين بمسافة 5500 كلم، وسيمر عبر 15 دولة افريقية، خاصة بعد أن وافق دول مجموعة سيداو على إقرار العملة الموحدة: الإيكو ECO في يناير 2020، كما أن نيجيريا هي أول دولة مصدرة للغاز في افريقيا، والمغرب هو ثالث مصدر عالمي للفوسفاط، وهو ما يطمح إليه المغرب من أجل تحقيق تكامل واندماج اقتصادي إقليمي على مستوى المنطقة.

أسطورة (أزمة الانفصال):

ولا يخفي على أي متابع مدى أزمة الانفصال التي يواجهها كلا البلدان، فتركيا تواجه خطر الانفصال من جنوبها (شمال سوريا) حزب العمال الكردستاني، وكذلك المغرب الذي يواجه أكبر أزمة تهدد وحدته الترابية، وهي المتعلقة بمنظمة البوليزاريو المدعومة من النظام الجزائري وإسبانيا بشكل مباشر.

على نفس السيناريو التركي، حين سعت دول الإتحاد الأوروبي التخلي عن الرئيس التركي أردوغان في اعتزامه لإنشاء منطقة آمنة والقيام بعملية درع الفرات ضد الانفصاليين الأكراد في جنوب تركيا شمال سوريا، وتوريطه في مستنقع الفوضى بالشرق الأوسط، كان السيناريو المغربي يتكرر بشكل واضح في سنة 2016، وأعيد نفسه في نوفمبر 2020، حين سيطرت مليشيات البوليزاريو على معبر الكركرات الواقع بين موريتانيا والمغرب ضمن المنطقة العازلة، وقطعت الطريق على الشاحنات المغربية المتوجهة إلى مالي والسنغال وغيرها الى الدول الإفريقية باعتبار أن المعبر هو رئة التنفس الوحيدة للمغرب عبر محيطه الإفريقي، وذلك عبر مخطط يهدف إلى توريط القوات المغربية إلى التوغل شمال موريتانيا وإغراقها في المستنقع الرملي للقضاء على مليشيات البوليزاريو، خاصة وأن موريتانيا تعتبر من ضمن دول الساحل والصحراء التي يرتفع فيها لهيب التوتر يوما بعد يوم، مع تواجد مرتزقة الفاغنر الروسية شمال مالي وتدريبها لعناصر البوليزايو، وكذلك مع ورود أنباء تؤكد رفض الرباط لإملاءات فرنسية بإرسال قوات مغربية إلى مالي بعد انسحاب القوات الفرنسية في إطار عملية برخان، وحادثة اغتيال السائقين المغربيين في مالي وهما في طريقهما إلى العاصمة المالية باماكو في سبتمبر 2021 خير دليل على ذلك.

إن تشابه الأبعاد التاريخية والجغرافيا السياسية والتموقع البلدين ضمن خارطة إقليمية معينة، والتحديات المتشابهة التي تواجه كلا البلدين، حتم على كل من تركيا والمغرب تطوير آليات جديدة على مستوى السياسة الخارجية من أجل تعزيز موقعهما التفاوضي والدبلوماسي، وقد حاول الأكاديمي الإسباني خوسيه لويس غارسيا فرناندو استاذ التاريخ المعاصر في جامعة فالادوليد تشخيص هذا التشابه من خلال دراسة تحت عنوان: تركيا والمغرب، علاقتهما بمنظمات الأمن والدفاع في البحر الأبيض المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق