سياسة

الثورة السودانية الى أين؟

مصطفى بابكر

مواكب الخامس والعشرين من نوفمبر ٢٠٢١، والمخاطبات الجماهيرية الشبابية التي صاحبتها أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الجماهير وخاصة الشريحة الشبابية الغالبة فيها أنها غير معنية كثيرا بجدل الصفوة العقيم في الأسافير حول حمدوك وما أدراك ما حمدوك ومن معه ومن ضده…أهداف وطموحات وأشواق شباب الثورة أكبر وأسمى من ذلك بكثير.

الاستماع لحمدوك خلال الايام الماضية بعد توقيع الاتفاق الإطاري مع البرهان وتتبع مساره المهني والوظيفي (على سبيل المثال منظمة العمل الدولية، بنك التنمية الأفريقي، اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة، معهد الديمقراطية والدعم الانتخابي) كلها تمثل مؤشرات الى ان تفعيل شعارات الثورة الثلاث (حرية سلام وعدالة) ليست من أولوياته.. هذا يتضح من اختياره لعب دور هامشي في عملية السلام (اتفاقية جوبا)، تكوين المؤسسات العدلية (تعيين رئيس القضاء مثلا)، وبسط الحريات العامة (على سبيل المثال إطلاق سراح كل الذين اعتقلوا بعد الانقلاب فورا وبدون شروط). لقد أشار حمدوك في كل اجاباته على الأسئلة التي طرحت عليه في المقابلات التلفزيونية أو المؤتمرات الصحفية، وان كان بصورة مغلفة، ان كل تلك القضايا (الحرية والسلام والعدالة) من مهام الشعب السوداني وحكومته المنتخبة بعد نهاية الفترة الانتقالية… الإجراءات الانقلابية المتمثلة في استبعاد قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي من المشهد السياسي وتكوين حكومة كفاءات «مستقلة» هدفها الأساسي هو تجريد مهمة استيفاء استحقاقات الفترة الانتقالية من بعدها الثوري.

الطريقة التي يفكر بها السيد حمدوك حسب مساره الوظيفي وخبرته المهنية تكنوقراطية وليست ثورية … حمدوك مشروعه في المقام الأول «اقتصادوي» بحت يركز على تحقيق تقدم في مؤشرات مثل (سعر الصرف، معدل التضخم، الانتاج، التصدير والاستيراد؛ احتياطي النقد الاجنبي؛ الديون الخارجية؛ معدل النمو الاقتصادي…الخ)، وفي المقام الثاني وفاق سياسي (وليس وطني) داخلي وعلاقات خارجية متوازنة كعوامل مساعدة فقط. غاية حمدوك الأساسية ليست أكثر من معالجة الأزمات والأمراض المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني. الهدف من كل ذلك الوصول الى مرحلة ما يسميه حمدوك «اجراء انتخابات حرة شفافة ونزيهة». تلك هي سمة النهج التكنوقراطي: عزل القضايا المجتمعية عن سياقها المعقد وتحويلها من قضايا سياسية الى مسائل فنية يسهل التعامل معها بمساعدة البرامج الحاسوبية.

ولكن، مع ذلك يمكن القول أن النهج التكنوقراطي لمعالجة أزمات الاقتصاد السوداني هو الخيار المتاح والممكن الآن منطقيا وعمليا؛ ويبدو أنه يجد القبول لدى غالبية الشارع السوداني ولكن بشرط مواصلة الضغط الشعبي على المكون العسكري وأعداء الثورة الاخرين في الداخل والخارج…وحتى المعارضة لحمدوك واتفاقه الاطاري مع البرهان يجب النظر اليها بإيجابية لان تلك المعارضة تلعب دورا كبيرا في ترويض المكون العسكري وكبح جماح طموحاته السياسية وأجندته الخفية… وعليه يمكن القول أن نجاح التحول الديمقراطي يقوم على تحقيق استقرار اقتصادي (مهمة حكومة الكفاءات المستقلة) وفي نفس الوقت تحول ميزان القوى من العسكر  إلى المدنيين (مسؤولية قوى الثورة الحية).

وفي خضم كل ذلك الثورة مستمرة…الثورة ليست مناسبة تنتهي بانتخابات وتكوين حكومة مدنية… الثورة صيرورة أزلية في وجود حمدوك أو غيره بل في وجودنا كلنا أو عدمه…قوموا الى ثورتكم.. هي الأمل الوحيد في الوصول الى غدٍ مشرق للأجيال الحالية والقادمة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق