ثقافة وفن

من اليمن السعيد

رواية سلطان الغائب ميلودي دراما صوفية

نادية مرعي

أحدث ما أصدره السارد العليم العابر فنون الإبداع بحكمة رصينة وإدراك ووعي عالي واحتراف البديع المفكر والروائي والفنان التشكيلي د. عمر عبد العزيز يضعنا بين يدي نص ملحمي أوبرا لي سريالي صوفي متعالي يجذبك فلا تنفك مأخوذا بتفاصيله المرهفة العجيبة. لتجد نفسك أمام متواليات جمالية مدهشة لملامح مغايرة تسم هذه الرواية فشخصياتها منتقاة تشرع بابا غير مطروق لتداخل أصوات المقهورين بلا انهزامية وإنما بضعف مجازي عجيب لا نجد له نظيرا في الرواية العربية المعاصرة مستخدما فنون المجاز بحرفية عالية تشي بالضعف المترفع عن التشكي والاستسلام ولكنه ضعف مليء بالقوة والرقة والمرونة فيما يشبه التسليم الواعي لأسس التقبل والسلام الوجودي المتعالي على مهاترات الوجع ، فيخط لنا السارد العليم / العابر ملامح شخصيات مذهلة تجسد شخوص روايته هذه ليصوغ رواية هو احد شخوصها راويا لملحمة عايشها ويعشيها كسيرة ذاتية / غيرية بديعة تؤرخ لمائة عام وأكثر أي ما يزيد عن ثلاثة أجيال عرضها بوعي سينمائي راقي ، يمزج بين السينما والأوبرا بحنكة روائية ممتعة تضج بالطاقة الدرامية في نزعة صوفية تأملية شفافة بتفاصيل سردية تقبل الاستطراد والغنائية والمبالغة حد القسوة والتنقل الوهمي المنطقي كالتعالي والوجد في رحلات رمزية مدهشة مليئة بالشجو في فانتازيا بصرية تشكيلية مطرزة بحكمة ودربة عالية الثقافة ففي سرده لتفاصيل سيرة جده الطبيب الطيار يضخ لنا مكتبات عظيمة في الطب القديم والكي وكتب الطب ومدارسه آنذاك ، وحين يتناول جانبه الصوفي وكراماته وكيف اسمي بالطيار لانتقاله روحيا وكيف كانت رؤاه ومعارفه اللدنية وانعكاساتها على حياته وعمله وعلمه ،وهكذا في كل شخصية يدهشك فيض وبهاء تنامي المعلومات والمعارف والحقائق والخيال المسبوك في هذا النص الروائي الحصيف ، الرحلات خلال مائة عام أيضا يحملك مع الأجيال الأربعة في الرواية فتجد نفسك تتنقل من مرابع وقرى تعز والحجرية لعدن وأفياءها وشواطئها وبحارها إلى الصومال وأثيوبيا إلى إيطاليا إلى روسيا وأصقاع عجيبة في كل بلد يطوحك ويغرقك في جمالية ولذة نص عميق يصف وينقل لك بميكروسكوب تفاصيل دقيقة عن الحياة والبشر والسياسات والحب والحرب هنا وهناك بدراماتيكية شفيفة ، حقيقة (سلطان الغائب) رواية تشمل أنواع من الروايات حيث تجدها رواية سيرة ذاتية بدقة وسيرة غيرية حينا آخر وحين تغرق فيها ومعها تجدها تمتلك سمات الرواية البوليفونية السردية الأسطورية المعتمدة على وعي منطقي رياضي نفسي وطاقي واقعي معاصر يعكس صورة الغائب الوهمي العبثي حينا وحينا آخر يحلل أثر الغائب الروحي الصوفي وتجلياته مازجا في ذلك بين أساليب الشاعرية الرمزية والفطنة الموسيقية والرسم بالأحرف والأحاسيس والعاطفة ، وتارة يستخدم أسلوب الواقعية التعبيرية تلك الأساليب التي تمنح الرواية فضاء نفسي وبناء أوبرا لي مدهش في العمق تدهشك قراءة الراوي العليم والسارد العابر لبعض أبيات الشعر الصوفي خاصة تحملك لمجاهل معرفة وعرفان مغرق في الخصوصية والكشف الذي يعكس سمات صاحبه ومميزاته السامية ، تشير د. أمل الجمل في مقدمتها للرواية بشبه انعدام الحوار حقيقة لم أشعر بذلك وأنا احلق بين رفرفات اسطرها وبالعودة والتدقيق وجدت حقيقة ما طرحته الدكتورة في سلطان هذا يا دكتور عمر يالسلطان الغائب كيف تجعل القارئ يذوب ويتحد بك حتى لا يشعر بوجود او لا وجود ويغرق في جمالية معالجاتك للواقع والحزن والعشق والألم والأمل والحرب الأهلية والعدوان والاحتلال ، وحاجاتنا للمخلص قائمة كوجد يملأ أرواحنا توقا للإنعتاق والخلاص الذي يرجوه كل إنسان في عصرنا وفي كل عصر بنسبية ليس إلا يا سلطان الغائب ممتنة لك جمالك رواية مليئة بلذة النص المدهش المتعالي الرصين ، ممتنة لك د.عمر عبدالعزيز جمالا لا محدود  ، ممتنة للأستاذ سلطان البركاني الذي جمعني بعد افتراق الحرب والعدوان بالبديع الصديق أ.علي الجمرة من أهداني رواية سلطان الغائب ، أتمنى أن يقرأها كل محب لفن الرواية وكل مهتم بالقراءة والثقافة العميقة أرجو ان تصلكم أحبتي في سومانيا فهي إبداع صوماني / سوماني بديع يحق لنا الاحتفاء به .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق