سلايدرسياسة

فرصة حمـدوك الأخيـرة

عمـر العمـر

إذا استعصم حمدوك برهن بقائه في منصبه بتوافق القوى السياسية على تنفيذ الإعلان الجائر فستقابله حتماً شريحة شعبية عريضة بشعار “من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بأقذع التهم”. الرجوع إلى الحق من فضائل أشجع الرجال.

من كل بنود الإعلان الانقلابي الثلاثة عشر لا يوجد نصٌ يوحي بهيبة رئيس الوزراء فيه. الاستثناء اليتيم هو تعميم غائم يمنح الرجل الحق في تشكيل إدارته الحكومية. مقابل هذا النص المملي بإرادة خارجية فالثابت من متون التجربة ن البند نفسه سيصبح أول هتك صارخ يفضح دأب العسكر على نقض العهود. التشكيلة الوزارية المرتقبة لن تأتي طبخة خالصة من إنتاج حمدوك. فالعسكر ومن خلفهم سيغمسون أيديهم على نحو ربما يفسدها. ثمة رجل ثان يخطف الأبصار أكثر من غيره مهيئ لشغل المنصب الأول. هذه فرضية مرجّحة تجعل حمدوك نفسه أول ضحايا شركاء الاتفاق السفاح. ثم تُزاح الدمى المصنوعة تباعاٌ كلٌ حسب خفة حجمه.

غاية العسكر من وراء التشكيل عسير الولادة والقبول منح العالم الخارجي إشارة خضراء بغية إعادة فتح صنابير العلاقات، المساعدات والتمويل.

وقتذاك أمام حمدوك الإنحناء التام أمام إرادة وضغوط الجنرالات أو يجد نفسه- وهذا الأرجح – خارج مظلة السلطة التنفيذية. لذا الأفضل للرجل إملاء خياراته أو الخروج المبكر بشرف من منطلق القوة وحرية الاختيار. الحيز الزماني الحالي المخصص للتشكيل الوزاري يمثل الهامش الملائم أمام حمدوك للمناورة و استعراض صلابته على درب الرجوع لاسترداد شيء من ثقة الجماهير. على قدر إقناع الشعب بقدرته على تشكيل إدارة حكومية ملتزمة بشعارات الثورة وأهدافها يمكن لحمدوك التقدم لجهة استعادة تلك الثقة المضاعة. لكن السؤال المفصلي يظل عالقا عن مدى قدرة حمدوك على الاستعصام بتلك الصلابة من أجل إعادة كتابة إعلان سياسي ثوري جديد على الأرض، ليس بالضرورة على الورق!

موقف حمدوك الجديد لا يكتسب مصداقية كافية لدى الشارع العام.

فالرجل فرط بتوقيعه الإعلان الانقلابي عقد الثقة الشعبية النادر في الرهان عليه. ذلك التوقيع أفصح عن إهدار مبتذل في تلك الثقة وذاك الرهان. الموقف الجديد المباغت يأتي بعد ذلك التنازل الذليل بمثابة تمرد على الجنرالات. هؤلاء المنتشون بنصر مزيف مشرّب بالدم لن يتوانوا في قمع محاولة التمرد. هنا يدور صراع الإرادات. الجنرالات ليسوا وحدهم في المشهد.

هناك قوة شرٍ مركبة تسعى بكل قواها غير المشروعة بغية إعادة عقارب الساعة الوطنية إلى الوراء. فبالإضافة إلى العسكر المأزومون بهواجس خوف متباينة تدفعهم إلى عدم التفريط في كابينة القيادة هناك عناصر من أنصار النظام البائد تدرك هي الأخر فداحة للتفريط في هذه اللحظة التاريخية المهداة لاستعادة الهيمنة على الدولة. بل هي لحظة مخططة تداعياتها بحنكة ماهرة. ربما طال ترقبها ولا ضمان لاستعادتها.

آفة هؤلاء أنهم يعازمون على إعادة الوطن والشعب إلى حقبة أكثر إظلاماً وظلما مما كنا فيه طوال الثلاثين العجاف. فهم أكثر العناصر الإنقاذية تطرفا، حقدا، ميلاً للثأر والانتقام عبر إحكام اقبضتهم على السلطة والثروة. فـ”المستنيرون ، المعتدلون” من الإسلاميين لن يتعجلوا الإطلال على خشبة السرح السياسي أو حتى انشاط وراء الكواليس. هم سيكتفون بالفرجة من وراء ستار حتى نهايات الصراع أو الغالب استباق فتح الستار على مشهد الانتخابات بقليل. أكثر من أولئك خطورة في حراك الاندفاع إلى الوراء أباطرة الحرب الجهويون والطفيليون ممن حملتهم تيارات الانتهازية إلى السطح بحكم خفة أوزانهم. آفة هؤلاء قدرتهم على العرقلة وإثارة الضجيج دون صدى.

قدرة حموك على استثمار هامش المناورة المتاح أمامه أو إهداره تعيد إلى الذاكرة حماقة الرئيس المصري الراحل أنور السادات. إ ففي يوليو 1972 أقدم الرئيس المصري على اطرد الخبراء السوفيات من بلاده. تلك الخطوة الفجائية لم تابغت المصريين وحدهم أو المنشغلين داخل أروقة صناعة القرار أو مراكز الدراسات الإستراتيجية فقط بل أثارت دهشة الإدارة الأميركية الثابت في شهادات نخبة من السياسيين والعسكريين إبن تلك الفترة تلقي السادات إشارات أميركية مباشرة أو عبر وكلاء تعبر فيها إدارة نيكسون عن قلقها وامتعاضها تجاه تعاظم الدور الروسي العسكري كما السياسي في مصر. لكن السادات لم يفلح في استثمار الغضب الأميركي بل اتخذ قراره دون مشورتهم دع عنك مساومتهم..

هنري كيسنجر أشهر من شغل منصب مستشار الأمن القومي الأميركي سخر من غفلة السادات ودمغها بالسذاجة بل وصفها بـ”خطأ فادح” بل ذهب إلى القول ”

لو أنه حاول وضع ثمن لمبادرته قبل أن يشرع في تنفيذها لكنا دفعنا ثمناً غالياً جداً”. بعض المصادر تنسب للمستشار الأميركي هذه القول عقب طلب السادات جائزة من واشنطن عقب طرده خبراء عدوها اللدود. ذلك كان بمثابة بداية إنهاء الوجود السوفياتي في المطقة.

حمدوك ليس ببعيد عن القاطعات الخارجية. ألا تكفي للدلالة على ذلك مناداة الأمين العام الأممي للشعب السوداني قبول اتفاق البرهاان – حمدوك الانقلابي. حتما ستأتي مناشدات متتالية من مصادر متباينة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق