خارج الحدودسلايدر

اليمين الفرنسي يتأبّط شرّاً

عمر المرابط

مع حلول نهار اليوم، 4 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، يكون الفرنسيون قد عرفوا مرشحيهم للانتخابات الرئاسية التي سيعرفها بلدهم خلال شهر إبريل/ نيسان المقبل، وإذا كان ترشّح الرئيس إيمانويل ماكرون لا يدع مجالاً للشك، فإن خصومه ما زالوا يبحثون عن مرشّحهم المفضل، خصوصاً في أوساط اليمين، لا سيما مع إعلان إريك زيمور، يوم 30 الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، ترشّحه، مستبقاً بذلك إعلان نتائج الانتخابات التمهيدية داخل حزب الجمهوريين اليميني التقليدي.

يحظى منصب الرئيس في فرنسا، ومنذ انتقالها من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي مع الجمهورية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول سنة 1958، بصلاحياتٍ واسعة جداً واختصاصات كبيرة، وقد تعزّزت هذه الصلاحيات عدة مرات، آخرها سنة 2002، عندما قُلّصت العهدة الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات، كي تتزامن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ما حدّ من إمكانية وقوع حالة التعايش الحكومي التي كانت تقع من قبل، حيث كان الرئيس يفقد أغلبيته البرلمانية، ويضطر لتعيين وزير أول من صفوف المعارضة. وبهذا التعديل الذي يوفر للرئيس المنتخب الأغلبية داخل البرلمان، أصبح دور الوزير الأول مقتصراً، في الواقع، على تنفيذ البرنامج الرئاسي وتنسيق العمل الحكومي الخاضع لتوجيهات الرئيس، وأضحى البرلمان مجرّد أداة في يد الحكومة تفعل به ما تشاء. وبهذا يكون النظام السياسي في فرنسا قد انتقل عملياً من النظام شبه الرئاسي المختلط إلى النظام الرئاسي.

من أجل هذا المنصب الرفيع، تتسابق الأحزاب الفرنسية، ويتنافس قادتها لنيل شرف تمثيلها في الانتخابات الرئاسية، وإذا كان حظ اليسار ضئيلاً جداً، في الوصول إلى الدور الثاني، فإن حظوظ اليمين وافرة جداً، خصوصاً أن كل استطلاعات الرأي تؤكد اصطفاف ثلاثة أرباع الفرنسيين على يمين المشهد السياسي، وهو ما حدا بالرئيس ماكرون، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، إلى اتباع استراتيجية سياسية تهدف إلى إضعاف اليمين التقليدي واستنزاف قدراته عبر وسيلتين:

أولاهما خارجية، وذلك باتباع سياسةٍ أقل ما يقال عنها إنها يمينية ومتشدّدة، لاستمالة ناخبي اليمين واليمين المتطرّف، خصوصاً في مجالاتٍ كانت حكراً على أحزاب اليمين، مثل الهجرة ومحاربة التطرّف، أو تعزيز العلمانية والموقف من الإسلام والمسلمين، وهي مجالاتٌ لا تتصدّر، بالضرورة، اهتمامات غالبية الفرنسيين، حيث يبقى موضوع القدرة الشرائية شاغلهم الأكبر متبوعاً بالموضوع الأمني، ثم الحماية الاجتماعية. أما الوسيلة الثانية فهي الاستنزاف من الداخل، فقد استمال ماكرون عديدين من قادة اليمين بتعيينهم في مناصب عليا، ومن ثمّة كان اختيار الوزير الأول السابق، إدوارد فيليب، والحالي، جان كاستكس، وأهم الوزراء، كوزراء الداخلية والاقتصاد والمالية، من بين قادة حزب الجمهوريين المعارض. ومن أجل تحقيق مبتغاه في جلب أحسن الأطر من كل الأحزاب يسمح القانون الأساسي لحزب «الجمهورية إلى الأمام» بالانتماء إلى حزب آخر في الوقت نفسه. يمكن أن نقول إن خطة الرئيس ماكرون نجحت، فأنصار اليمين التقليدي يرون فيه أحسن مطبّق لنظرياتهم وآرائهم، وأنصار العلمانية المتشددة يرونه أكبر مناصر لأفكارهم. أما مساندو اليمين المتطرّف فهم فرحون بخطواته ويشيدون بقوانينه التي تستهدف المسلمين، ما دفع الجميع إلى المزايدة في ملفاتٍ كانوا يجدون أنفسهم أهلها، وأصبحت زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، يتهمهما وزير الداخلية نفسه باللين والمرونة في مواقفها.

كيف يمكن لليمين التقليدي التميز عن منافسيه الجدد والحفاظ على مواقفه، من دون التنازل عن مواقعه التاريخية واتباع الإرث الديغولي (نسبة إلى ديغول)، بلا مغالاة ولا تقاعس في آن؟ وكيف يمكن له أن يجد مكاناً لمقترحاته في مساحةٍ أصبحت ضيقة جداً، بسبب سطو الرئيس على جزءٍ منها، وبسبب محاولة مارين لوبان تطبيع صورتها المتطرّفة، فضلاً عن الضوضاء التي أحدثها إريك زيمور، مُروّج نظرية الاستبدال الكبير العنصرية، تلك هي المعادلة الصعبة التي حاول المرشّحون الخمسة التنافس في بلورتها وإبرازها، قبل إبلاغها للرأي العام الفرنسي في أربع مناظرات تلفزيونية، مدّعين جميعُهم أنهم أوْلى الناس بإرث الجنرال الذي حرّر فرنسا ورفع رأسها أمام العالم.

بيد أنه عند مقارنة مقترحات المرشّحين الخمسة نلاحظ شرخاً كبيراً بين مواقف الوزير السابق، كزافيي برتران، المرشّح الأكثر اعتدالاً، والذي كان يعدّ الأوفر حظاً في مواجهة الرئيس، لولا هزيمته في الانتخابات التمهيدية، واحتلاله الصف الرابع وراء وزير الخارجية السابق ميشيل بارنيي ثالثاً، ورئيسة جهة إيل دو فرانس فاليري بيكريس ثانية، والتي حقّقت هذه النتيجة باختيارها خطاً متشدّداً في حملتها الانتخابية الداخلية، لكن خصوصاً وراء من تصدّر النتيجة، وهو من كان بعضهم يعدّه مجرد كومبارس في هذا السباق، وهو المسمّى إيريك سيوتي، العنصري صاحب المواقف المتطرّفة المعادية خصوصاً للإسلام والمسلمين، والذي يبشر الفرنسيين بإنشاء غوانتانمو فرنسي إذا نجح في الانتخابات.

بعدما سيستكمل انتخاباته التمهيدية، والتي مكّنت الحزب من تحقيق دخل مالي كبير ومضاعفة عدد منخرطيه في فترة وجيزة من 80 ألفاً إلى ما يناهز 140 ألفاً، سيعلن حزب الجمهوريين اليوم، 4 ديسمبر/ كانون الأول، مرشّحه لدخول غمار المسابقة على رئاسة الجمهورية. وكما أحدث صاحب غوانتانمو المفاجأة في الدور الأول، فقد يُحدثها في الدور الثاني، وما هذا إلا دليل على تطبيع متعاطفي اليمين الفرنسي مع الأفكار العنصرية والنظريات العرقية التي تؤمن بضرورة حماية شعب فرنسا الأبيض، ذي الحضارة اليهودية المسيحية، من هجمة حضارة دخيلة وثقافة غريبة، جاء بها المسلمون، وليذهب الإرث الديغولي إلى الجحيم.

خلاصة القول، قد يستطيع اليمين الفرنسي الوصول إلى الدور الثاني، إذا أحسن الاختيار، خصوصاً إذا تشتتت أصوات اليمين المتطرّف بين إريك زيمور ومارين لوبان. وإذا وصل، فقد يستطيع أن يُحدث ثقباً في الفقاعة المحيطة بالرئيس ماكرون ويهزمه. أما إذا لم يحصل هذا فإن استمرار الرئيس الحالي في عهدة ثانية سيكون مؤكّداً، وسيبقى اليمين الفرنسي يبحث عن ذاته سنوات، في انتظار زعيم يخرجه من تيهه ويرجعه إلى أصله. أما العرب والمسلمون فهم يأملون أن يصل إلى الرئاسة الأقل ضرراً والأدنى تحاملاً، وقد يكون هذا، ذاك، أو تلك، والجميع تأبّط شرّاً وخرج.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق