سياسة

المقاومة ليست إرهابا … (الجزء الثاني)

أحمد الونزاني

عاشت منطقة الشرق الأوسط تقلبات خطيرة، و كان أشدها احتلال لبنان و محاصرة المقاومة الفلسطينية في بيروت و خروج القيادة السياسية و العسكرية لمنظمة فتح من لبنان و تدفق اللاجئين الفلسطينيين نحو الحدود السورية و الأردنية و هجرة الآلاف من الفلسطينيين نحو أوروبا و أمريكا و الدول العربية و تمركز القيادة السياسية في تونس، و عاش فلسطينيو الداخل إرهاب الدولة الصهيونية و قمع الآلة العسكرية الإسرائيلية و لوحقت القيادات خارج فلسطين لتطالهم يد الغدر في بلاد المهجر و تمت تصفية و قتل الكثير منهم و تلاحقت الأحداث حتى  غزو العراق من التحالف الدولي في دورتين متتاليتين  (1991 -2003 ) وتم تدمير العراق و السيطرة على مقدرات المنطقة و تهجير أبناءها  و إرساء نظام عالمي جديد يعتمد القوة الغاشمة و الفوضى الخلاقة  و قهر و إذلال الشعوب العربية. لكن المفارقة الكبرى هي تسليم العراق و المنطقة العربية للنفوذ الصفوي على طبق من ذهب، من طرف أمريكا مما أتاح الفرصة لإيران بتنفيذ سياستها التوسعية ثقافيا و عقديا و عسكريا بتسليح الميليشيات الشيعية في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن بل استطاعت ان تصل الى بعض الدول في افريقيا و كذلك في المغرب العربي.

جاءت انتفاضة الحجارة في فلسطين لتضع منطقة الشرق الأوسط على فوهة بركان، كما أن بعض الصواريخ العراقية إبان حرب عاصفة الصحراء، صواريخ سكود، جعلت العدو الصهيوني يدخل مرغما في محادثات السلام التي عقدت في مدريد برعاية الأمم المتحدة والحلفاء الذين شاركوا في الحرب على العراق. كانت هذه المحادثات بداية لمسلسل طويل توج باتفاق أوسلو الشهير و الذي بموجبه عادت القيادة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية فتح إلى فلسطين. و قد كانت هذه العودة بمثابة رجوع الحياة للقضية الفلسطينية، على الصعيد الدولي والعربي.

كانت الغاية من محادثات السلام غير بريئة، فقد اتضحت نيات الكيان الصهيوني، إطالة مدة المفاوضات مع عدم التزامه بالقرارات الدولية الصادرة عن جمعية الأمم المتحدة و كذلك تلك تم الاتفاق عليها في إطار تلك المفاوضات و المحادثات الماراثونية و كسب مزيد من الوقت لتصفية القضية الفلسطينية و جعلها في طي النسيان، عربيا و دوليا. كما كانت غاية الغايات من تلك المحادثات و الاتفاقات تحقيق الاختراق داخل الفصائل الفلسطينية و خلق نزاعات داخلية تغني العدو الصهيوني و تلهينا عن قضيتنا الأساسية، تأسيس دولة فلسطين الحرة و المستقلة، فكان التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي بذرة جل الخلافات بين الفصائل الفلسطينية كما أن الخلاف الايديولوجي و السياسي في كيفية التعاطي مع الاحتلال الإسرائيلي لإيجاد حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، دون التفريط في حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم الحرة و المستقلة. و قد تمكنت الفصائل الفلسطينية الإسلامية من دحر الاحتلال الإسرائيلي و ارغامه على الخروج من قطاع غزة.

أصبح قطاع غزة و المقاومة الإسلامية المسلحة شوكة في حلق العدو الصهيوني و قد مارس الكيان الصهيوني كل أشكال التقتيل و التنكيل و حتى الحصار لكسر شوكة الفصائل المقاتلة (حماس و الجهاد الإسلامي) لكنه فشل بالرغم من تفوق ترسانته الحربية الغادرة و الفتاكة.

عرفت المقاومة الإسلامية المسلحة تدرجا في أساليبها القتالية و تكتيكاتها و من تدريب و كفاءة عناصرها في الميدان الحربي، كما طورت من قدراتها الدفاعية و الهجومية، حتى استطاعت ان تفرض شروطها و ذلك بفضل قوة الردع التي أصبحت بحوزتها، كما استطاعت تغيير قواعد الاشتباك مع العدو الصهيوني، بل و التحكم في مآلات أي مغامرة من مغامرات الكيان الصهيوني في قطاع غزة. و قد رأينا مدى قدرة المقاومة الإسلامية من ضرب العمق الإسرائيلي بدقة متناهية، بل استطاعت ان تتفوق على القبة الحديدية الإسرائيلية بشكل كبير في الحرب الأخيرة على غزة و وصلت صواريخ المقاومة الإسلامية كل العمق الإسرائيلي، و هذا تطور جديد في الصراع العربي الإسرائيلي و يبشر بمدى انحسار المشروع الصهيوني التوسعي إلى أضيق الحدود، بل يعد دلالة على قرب نهاية دولة الاحتلال الإسرائيلي و على زوالها الوشيك.

المقاومة خيار الأحرار، وخيار استراتيجي للأمة العربية والإسلامية لردع التطلعات و النوايا الإمبريالية ضد المنطقة و دحر الاحتلال الإسرائيلي حتى يرضخ للإرادة الدولية والعربية، بل حتى التحرير و رجوع الحق لأصحابه و عودة فلسطين حرة و مستقلة و حتى التحرر الحقيقي من كل أشكال التبعية للغرب و تحقيق الكرامة و التكريم لأبناء الأمة العربية والإسلامية.

المقاومة خلقت وضعا جديدا، وأصبح العدو الصهيوني محاصرا، بل جعلت مشروعه التوسعي هباء منثورا و أعتقد أننا على أبواب مرحلة جديدة في الصراع العربي الإسرائيلي، قد يؤدي إلى رضوخ العدو الصهيوني للإرادة الدولية والعربية مرغما تحت ضربات المقاومة الإسلامية المسلحة، إلى حين التحرير الكلي لفلسطين.

(إنهم يرونه بعيدا و نراه قريبا).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق